story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

الطبيعة تصوّت أيضا: الفيضانات وإعادة تشكيل المزاج الانتخابي في المغرب

ص ص

لم تعد الفيضانات و جل الكوارث الطبيعية حدثًا طبيعيًا عابرًا يُدرج ضمن تقلبات الفصول، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى مؤشر سياسي واجتماعي حاد، يكشف في كل مرة مستوى جاهزية السياسات العمومية، وقدرة الدولة على تدبير المخاطر، وحدود العدالة المجالية في توزيع الحماية قبل توزيع الثروة.

فالمغرب، شأنه شأن باقي دول الحوض المتوسطي، يوجد اليوم في قلب منطقة تُصنَّف من أكثر مناطق العالم هشاشة أمام التغيرات المناخية. اضطراب التساقطات، تواتر الظواهر القصوى، تعاقب فترات الجفاف مع أمطار فجائية وعنيفة، كلها معطيات لم تعد استثناءً، بل صارت جزءًا من “الوضع المناخي الجديد”. غير أن الخطر لا يصنعه المناخ وحده، بل تصنعه أيضًا اختيارات التهيئة، وأنماط التوسع العمراني، وضعف استباق المخاطر في بعض المجالات الترابية.

في كل فيضان أو كارثة طبيعية، تتكرر الأسئلة ذاتها:
لماذا تُغرق الأمطار أحياء كاملة خلال ساعات؟ لماذا تتحول الأودية إلى مجارٍ مدمّرة بدل أن تكون جزءًا من نظام مائي مضبوط؟ لماذا تبقى بعض القرى والمناطق الهامشية معزولة لأيام؟ .. هذه الأسئلة ليست تقنية فقط، بل هي سياسية بامتياز .

لقد راكم المغرب خلال العقدين الأخيرين ترسانة مهمة في مجال تدبير الكوارث: مخططات لليقظة، صناديق لمواجهة آثار الكوارث الطبيعية، تدخل متزايد لمؤسسات الدولة في الإغاثة وإعادة الإعمار و غيرها، غير أن منطق التدخل بعد الكارثة ما زال يتقدم في حالات عديدة، على منطق الوقاية قبلها. وهنا يكمن جوهر الرهان: الانتقال من سياسة ردّ الفعل إلى سياسة استباق المخاطر ودمج البعد المناخي في كل السياسات الترابية.

الفيضانات تفضح أيضًا خللًا بنيويًا في العلاقة بين التعمير والمجال: البناء في مجاري السيول، ضعف شبكات تصريف المياه في هوامش المدن، هشاشة البنيات التحتية في بعض المناطق، كلها ليست أخطاء طبيعية، بل نتائج تراكمية لاختيارات تنموية لم تضع المخاطر المناخية في صلب القرار. ومع تسارع التغيرات المناخية، تتحول هذه الاختلالات إلى قنابل موقوتة.

في هذا السياق، تكتسب الفيضانات بعدًا سياسيًا إضافيًا مع اقتراب انتخابات 2026. فالمواطن الذي يرى بيته يغمره الماء، أو طريقه تنقطع، أو مصدر رزقه يتضرر، لا يسائل السماء فقط، بل يسائل أيضًا الجماعة الترابية، والجهة، والقطاعات الحكومية المعنية، يسائل من خطّط، ومن رخص، ومن راقب، ومن قصّر ؟! الكوارث الطبيعية، في زمن التغير المناخي، لم تعد خارج المجال السياسي، بل أصبحت لحظة مكثفة لمحاسبة السياسات العمومية.

غير أن الأثر لا يقف عند حدود تقييم الأداء المؤسساتي، بل يمتد إلى إعادة تشكيل السلوك الانتخابي نفسه. فالكوارث الطبيعية، حين تمسّ الحياة اليومية للمواطنين بشكل مباشر، تتحول إلى تجربة سياسية معيشة، لا إلى مجرد ملف تقني في برنامج حزبي. الناخب الذي يفقد منزله أو تتضرر تجارته أو تنقطع به السبل بسبب السيول، يعيد ترتيب أولوياته: من الخطاب العام والوعود الكبرى، إلى سؤال بسيط ومباشر،  من كان حاضرًا حين غابت الطرق؟ من تدخل حين ارتفع منسوب المياه؟ ومن اكتفى بالتصريحات؟

في هذا السياق، يصبح تدبير الأزمة جزءًا من الرأسمال الانتخابي، فالمنتخبون المحليون والبرلمانيون، خاصة في الدوائر الأكثر عرضة للفيضانات، سيجدون أنفسهم أمام اختبار ميداني لا يعوّضه أي تواصل رقمي أو خطاب حزبي. فالحضور الفعلي و سرعة التفاعل و التنسيق مع السلطات، الدفاع عن المتضررين … ، كلها عناصر قد تترجم انتخابيًا إما في شكل مكافأة أو عقاب.

كما أن سلوك الناخب المغربي، الذي كان في مراحل سابقة يتأثر بالانتماءات التقليدية أو الاعتبارات الخدماتية الضيقة، يتجه تدريجيًا نحو تصويت قائم على التجربة المباشرة مع الدولة والمنتخبينو عليه تصبح الكوارث الطبيعية لحظة وضوح نادرة: الدولة تكون مرئية، والمنتخب يكون تحت الضوء، والنتائج تكون ملموسة.

لذلك قد تتحول الفيضانات إلى عامل حاسم في دوائر معينة، ليس بسبب حجم الخسائر فقط، بل بسبب الكيفية التي أُديرت بها الأزمة.

وإذا أخذنا بعض المناطق التي عرفت فيضانات، مثل القصر الكبير ونواحيها، كنموذج دالّ، يتضح كيف يمكن للكارثة الطبيعية أن تعيد رسم العلاقة بين المنتخب والساكنة. في مثل هذه السياقات، لا يُنظر إلى النائب البرلماني أو المنتخب الجماعي فقط كمشرّع أو فاعل سياسي بعيد، بل كوسيط مفترض بين المتضررين ومؤسسات الدولة، وكصوت قادر على نقل المعاناة من الهامش إلى مركز القرار. أي تقصير في هذا الدور قد يُقرأ انتخابيًا كفشل في تمثيل المجال، بينما يُحتسب الحضور الفعّال والترافع الناجع كرصيد سياسي قابل للتحويل إلى أصوات.

هكذا، تتحول الفيضانات من كارثة طبيعية إلى لحظة فرز سياسي صامت. فهي لا تسقط الحكومات مباشرة، لكنها تآكل الثقة تدريجيًا أو تعيد بناءها، لا عبر الشعارات، بل عبر الإحساس بالإنصاف والحماية. ومع اقتراب انتخابات 2026، قد لا يتذكر بعض الناخبين تفاصيل البرامج الانتخابية، لكنهم سيتذكرون جيدًا: من زارهم بعد الفيضان، من دافع عن تعويضاتهم، ومن اختفى حتى جفّت المياه.

و هنا قد يسقط البحث عن المستوى العلمي للمنتخب مثلا، و ربما حتى ملفات فساده المفترض، لان الفيضانات قد تكون هدية انتخابية من السماء.

غير ان التحدي الذي يهم الوطن و اللحظة ليس الرهان الانتخابي، انما إعادة ترتيب الأولويات: تعزيز الهندسة الوقائية، تشديد المراقبة على التعمير في المناطق المعرّضة للخطر، توجيه الاستثمار العمومي نحو البنيات التحتية الصامدة أمام التغيرات المناخية، وتمكين الجماعات الترابية من الوسائل التقنية والمالية لتدبير المخاطر لا فقط لتدبير النتائج.

حينها فقط، يمكن القول إن السياسة العمومية سبقت الكارثة بدل أن تلهث خلفها. وحينها فقط، تصبح الأمطار اختبارًا للجاهزية لا لحجم الخسائر. أما دون ذلك، فستظل الفيضانات، في كل موسم مطير، تصوّت بطريقتها الخاصة.