إختفاء دور صانع الألعاب في كرة القدم.. الدور يأتي على إفريقيا
شهدت كأس إفريقيا للأمم بالمغرب، في جانبها التقني، ظاهرة لافتة كانت القارة السمراء إلى وقت قريب لم تعرفها بعد، وتتجلى في الإختفاء الملحوظ لدور صانع الألعاب المميز في وسط ملعب جميع المنتخبات بدون استثناء، أو ما يعرف ب”الرقم 10″، أي ذلك اللاعب الذي كان يتحكم في إيقاع المباراة من عمق الملعب وينتظر اللحظة المناسبة لصناعة الفارق.
وتتجلى أسباب هذا التحول الذي طال الدور التاريخي لصاحب المركز الأشهر في التشكيلة، إلى تقلص المساحات في وسط الملعب، واشتداد الضغط على حامل الكرة، حيث أصبحت المنظومة الجماعية أكثر حضورا من الإبداع الفردي المعزول. وهو التطور التكتيكي، الذي كان منذ سنوات قد أعاد تعريف أدوار اللاعبين في الدوريات الكبرى وأيضا في المسابقات المجمعة على صعيد المنتخبات عالميا وقاريا، وجاءت دورة “الكان” في المغرب ليفرض نفسه أيضا على الكرة الأفريقية، فحوّل صناعة اللعب من مركز ثابت في العمق إلى وظيفة متنقلة موزعة بين الخطوط والأطراف. وبين دفاعات تضغط ككتلة واحدة وخطوط وسط تعتمد القوة والاندماج، يبرز سؤال جوهري: هل انتهى عصر “مول العشرة” فعلا، أم أنه فقط أعاد صياغة نفسه داخل منظومة تكتيكية جماعية جديدة؟
صعود وهيمنة الرقم 10
ارتبط دور الرقم 10 تاريخيا بقدرة اللاعب على التحكم في نسق المباراة، واختراق الدفاعات بتمريرات حاسمة، وصناعة لحظات من الإبداع الفردي الخالص. من الرواد الأوائل مثل الأسطورة بيلي والأرجنتيني دييغو مارادونا، إلى ليونيل ميسي ولوكا مودريتش، ترك صانعو الألعاب بصمة لا تُمحى في تاريخ اللعبة. لقد جعلتهم فطرتهم الإبداعية وذكاؤهم الكروي ومهاراتهم التقنية العالية عناصر لا غنى عنها في فرقهم، وغالبا ما كانوا يشكلون محور الخطط الهجومية.
نهاية صانع الألعاب الكلاسيكي
يُعد تطور الأساليب التكتيكية في كرة القدم الحديثة أحد أبرز العوامل التي أسهمت في تراجع صانعي الألعاب التقليديين. فمع انتشار أنظمة الضغط عالي، التي روّج لها مدربون مثل يورغن كلوب وبيب غوارديولا، بات التركيز منصبا على الضغط الجماعي، والحركية ، المستمرة صعودا ونزولا، وتبادل المراكز باستمرار.
ونتيجة لذلك، أصبح صانع الألعاب التقليدي الثابت في مركزه خلف المهاجم أقل ملاءمة للعديد من الخطط التكتيكية المعاصرة، بل أصبح يبدو كعنصر سلبي في المنظومة الجماعية للفريق، ونشاز لا ينضبط لتحركات تكتيكية محسوبة بدقة من طرف المدربين والطواقم التقنية.
التحول نحو الإبداع الجماعي
على عكس البنية الهرمية التقليدية التي كان فيها الرقم 10 هو المصدر الإبداعي الأول، تبنّت العديد من الفرق الحديثة نهجا أكثر مساواة في توزيع الإبداع. فبدل الاعتماد على لاعب واحد لاختراق الدفاعات، باتت الفرق تؤكد على الإبداع الجماعي، حيث يساهم عدة لاعبين في صناعة الفرص وتسجيل الأهداف.
وقد أدى هذا التحول إلى تحميل لاعبي الوسط والأجنحة، بل وحتى الظهيرين، مسؤوليات أكبر في صناعة اللعب، مما قلّص من مركزية دور الرقم 10 التقليدي.
المتطلبات البدنية
عامل آخر يسهم في تراجع صانعي الألعاب التقليديين يتمثل في التركيز المتزايد على الجانب البدني والقدرات الرياضية في كرة القدم الحديثة. فمع تسارع وتيرة اللعب وازدياد سرعة اللاعبين وقوتهم وخفتهم، تصاعد الطلب على لاعبي وسط قادرين على قطع مسافات طويلة، والضغط بقوة، والتحول السريع بين الهجوم والدفاع.
ورغم أن صانعي الألعاب التقليديين يمتلكون مهارات تقنية ورؤية استثنائية، إلا أنهم غالبًا ما يُنظر إليهم على أنهم يفتقرون إلى الخصائص البدنية اللازمة للنجاح في كرة القدم المعاصرة.
تأثير “الداتا”.
في عصر تحكمه القرارات المبنية على البيانات، يخضع دور صانع الألعاب التقليدي لإعادة تقييم من منظور إحصائي. فالأندية والمدربون يعتمدون اليوم على مؤشرات متقدمة وتحليلات رقمية لتقييم أداء اللاعبين وتحديد مكامن التطوير.
وبينما لا يزال الإبداع واللمسة الفنية موضع تقدير، فإنهما غالبًا ما يُقاسان إلى جانب مؤشرات رقمية مثل الأهداف، والتمريرات الحاسمة المتوقعة ونسب دقة التمرير. ونتيجة لذلك، تُمنح الأولوية في التعاقدات والاختيارات الفنية للاعبين المتفوقين في هذه المؤشرات القابلة للقياس، على حساب صانعي الألعاب التقليديين.
التكيف مع متغيرات العصر
قد يتحسر عشاق الكرة الكلاسيكية على تراجع صانعي الألعاب التقليديين، غير أن ذلك يعكس الطبيعة المتغيرة باستمرار لكرة القدم. فمع تطور التكتيك، وتكيف اللاعبين، وتقدم اللعبة، يخضع دور الرقم 10 لتحول عميق في مفهومه ودوره وتفاصيله.
ورغم أن صانع الألعاب الكلاسيكي بات أقل حضورًا في ملاعب اليوم، فإن إرثه التاريخي لا يزال حيا في ذاكرة الإبداع والجمال والشغف الذي لازال يحيط باللعبة. أما ما إذا كان الرقم 10 سيتحول إلى ذكرى من التاريخ الكروي العالمي، فذلك أمر لم يحسم بعد في نظر التقنيين والمدربين، لأنهم لازالوا يعتقدون أن كرة القدم ستظل دائمًا قادرة على ابتكار خطط وطرق تكتيكية جديدة ربما قد تحيي الدور الكلاسيكي الإحتفالي لهذا المركز.