story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
دولي |

هل يشكل “مجلس السلام” نظاما موازيا يهدد مركزية الأمم المتحدة؟

ص ص

في ظلّ تحوّلات دولية متسارعة، أثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إنشاء ما سمّاه “مجلس السلام”، وانضمام دول من بينها المغرب إليه، نقاشًا واسعًا حول ما إذا كان هذا الكيان يمثّل مجرّد مبادرة سياسية ظرفية لمعالجة أزمات بعينها، أم أنه خطوة أبعد تهدف إلى إنشاء “نظام عالمي موازٍ” يهدّد مركزية الأمم المتحدة، ويعيد رسم خرائط الشرعية الدولية خارج الأطر التي تشكّلت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ويأتي هذا الإعلان في وقت تحتفل فيه المنظمة بمرور ثمانين عامًا على تأسيسها، ما يضيف بعدًا رمزيًا للنقاش حول أهداف المجلس الحقيقية، وطبيعة دوره، ومدى تأثيره المحتمل على النظام الدولي القائم ومؤسساته.

ويرى بعض المراقبين، مثل الكاتب الصحافي مصطفى ابن الرضي، أن فكرة “مجلس السلام” تعكس مساعي ترامب لإعادة صياغة النظام الدولي بما يكرّس الهيمنة الأمريكية، مستعرضًا أمثلة سابقة لتجاوز واشنطن للشرعية الدولية، ما يطرح تساؤلات حول حدود النفوذ الأميركي وأثر المبادرة على القانون الدولي ومآلات النظام العالمي.

ومن جهته، يحذر الخبير في القانون الدولي عبد المجيد مراري من أن المجلس قد “يتخذ لنفسه دورًا بديلاً عن القرارات الشرعية الدولية”، معتبرًا المبادرة “خطوة لتقويض عمل المؤسسات الدولية وتهديد مستقبل الأمم المتحدة”.

تهديد للقانون الدولي

ويوضح يرى الخبير والحقوقي عبد المجيد مراري، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب” أن “مبادرة مجلس السلام هذا المجلس التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي تشكل تهديدا لمستقبل الأمم المتحدة بكل مؤسساتها، بدءًا من الجمعية العامة، مرورًا بمجلس الأمن، وصولًا حتى إلى محكمة العدل الدولية”.

ويضيف مراري أن هذه الخطوة “تشكل كذلك تهديدًا للقانون الدولي برمّته، ولمدى شرعيته في الفصل في النزاعات الدولية”، معتبرًا أن الميثاق المعلن للمجلس “سيجعل نفسه محلّ الشرعيات الدولية وبديلًا عن قرارتها”.

وبحسب مراري، فإن ما يثير القلق ليس فقط الإعلان السياسي، بل طبيعة المهام التي يتبناها المجلس، إذ “سيدخل في وساطات في عدة ملفات، والعنوان الكبير المعلن هو ارتباطه بغزة، لكن مهامه توحي بأنه يريد أن يُعلن نفسه كبديل عن الأمم المتحدة وعن باقي المؤسسات الدولية”.

ويؤكد الخبير القانوني رفضه لهذه الخطوة، داعيًا الدول التي انضمت إلى المجلس إلى مراجعة مواقفها، والاقتداء بدول أوروبية رأت فيه “تهديدًا لمستقبل القانون الدولي وتقويضًا لبنود ميثاق الأمم المتحدة”.

في قراءة أكثر حدّة، يربط مراري المبادرة بسياق سياسي إقليمي واضح، معتبرًا أن “الهدف الأساسي هو حماية إسرائيل في المنطقة، والقضاء على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير”، وأن المجلس “جاء ليطلق رصاصة الرحمة على سكان قطاع غزة، وليحقق المشروع الذي أعلن عنه ترامب حتى قبل توليه الرئاسة، وأثناء حملته الانتخابية”.

ويطرح مراري تساؤلات وصفها بالمشروعة حول موقع الأمم المتحدة من هذا المجلس، وموقع السلطة الفلسطينية، متسائلاً: “لمن سيقدم هذا المجلس تقاريره؟ ومن سيحاسبه؟ وما هي الأهداف الكبرى التي سيشتغل عليها؟»، مشيرًا إلى أن هذه الأسئلة “يطرحها الأمين العام للأمم المتحدة، حين يتساءل عن مغزى هذا المجلس وعن هدفه وعن الجهة التي ستحاسبه”.

واشنطن فوق الجميع

من جانبه، يضع الكاتب الصحافي مصطفى ابن الرضي مبادرة “مجلس السلام” ضمن مشروع أوسع لإعادة صياغة النظام الدولي. ويقول إن ترامب “يدرك أنه سيغادر البيت الأبيض بعد نهاية ولايته الحالية، دون أيّ حقّ في الترشح للمنصب مجددا، لذلك يسارع الزمن لتحقيق أكبر قدرٍ من الاختراقات من منظوره، والتي تقوم أساسا على تقويض القانون ومبادئ العدالة، وإشاعة حالة من الفوضى، داخل أمريكا وفي العالم، تحت شعارات جذّابة، من قبيل: السلام من خلال القوة وأمريكا أولا”.

ويعتبر ابن الرضي أن فكرة المجلس “خطوةٌ ضمن مسار تقويض الشرعية والقانون والمؤسسات الدولية”، مضيفًا: “فعليًا، نحن بإزاء حالة محاولة إعادة صياغة للنظام ما بعد توافقات وترتيبات الحرب العالمية الثانية”.

ويشير إلى أن المشروع لم يعد مجرد “مجلس سلام في غزة”، بل يشبه في تصوره “مجلس حكم للعالم” يقوده ترامب، في وقت يرى فيه أن العالم لا يُعتبر شريكًا حقيقيًا للولايات المتحدة في تقرير مصيره، وأن المؤسسات الدولية القائمة “تعرقل هذا الجنوح وتُلزم واشنطن بالقواعد التي لطالما جرى التحايل عليها وتجاوزها”.

ويستدلّ على ذلك بسلوكيات سابقة للولايات المتحدة، من بينها “انفراد ترامب بمفاوضات إنهاء الحرب في أوكرانيا متجاوزًا كل الغرب وحتى الأوكرانيين أنفسهم”، وكذلك “العدوان الأخير على فنزويلا واختطاف نيكولاس مادورو دون غطاء قانوني أو تفويض أممي”، إضافة إلى “مساعيه، وبالتجاوز للقانون الدولي، للسيطرة على جزيرة غرينلاند الخاضعة للسيادة الدنماركية”.

وبرأي ابن الرضي، فإن “النظام العالمي الجديد الذي يحلم به ترامب يريده أن يكرّس للهيمنة الأمريكية المطلقة”، مستشهدًا بانسحاباته من اتفاقيات ومنظمات دولية، ووقف تمويل وكالات أممية، وفرض عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية، واتهام محكمة العدل الدولية، في إطار السعي لإظهار “أن المؤسسات الدولية عاجزة عن حلّ مشاكل العالم”.

“الحاجة لأمم متحدة أقوى”

في السياق ذاته، عبّرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” عن رفضها الواضح لمبادرة “مجلس السلام”. وكتب لويس شاربونو، مدير مكتب الأمم المتحدة في المنظمة، أن “العالم بحاجة إلى ’أمم متحدة‘ أقوى، وليس ’مجلس سلام‘ بقيادة ترامب”.

وأشار إلى أن الأمم المتحدة، التي أُنشئت “لمنع تكرار الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية التي وقعت خلال الحرب العالمية الثانية”، تتعرّض اليوم “لهجوم غير مسبوق”، رغم أن الولايات المتحدة نفسها “لعبت دورًا رائدًا في إنشائها”.

وبحسب شاربونو، فإن إدارة ترامب عملت خلال العام الماضي على “هدم برامج الأمم المتحدة ووكالاتها وتجريدها من التمويل”، بحجة أنها “معادية لأمريكا” وتحمل “أجندة عدائية”، كما سعت إلى حذف مفاهيم مثل “الجندر” و”المناخ” و”التنوع” من الوثائق الأممية.

ويضيف أن “الميثاق المقترح لمجلس السلام لا يذكر حقوق الإنسان”، ويمنح ترامب، بصفته رئيسًا للمجلس، “السلطة العليا لاتخاذ القرارات أو التوجيهات الأخرى بحسب ما يرتأي”، فضلًا عن فرض “رسوم عضوية تبلغ مليار دولار أمريكي”.

بين التحليل القانوني والسياسي والحقوقي، يتقاطع المراقبون عند نقطة أساسية: “مجلس السلام” ليس مجرّد آلية جديدة لتسوية النزاعات، بل محاولة لتجاوز النظام الدولي القائم، وإعادة توزيع الشرعية بعيدًا عن الأمم المتحدة.

ويبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان هذا المجلس قادرًا فعلًا على التحوّل إلى مرجعية دولية بديلة، أم لا تزال الأمم المتحدة، رغم أزماتها، الإطار الدولي الوحيد القادر على ادعاء الشرعية العالمية.