بعد نهائي “الكان” المتوتر.. مغاربة السنغال في مواجهة تبعات خطاب الكراهية
منذ المباراة النهائية لكأس أمم إفريقيا 2025 التي جمعت بين المنتخبين المغربي والسنغالي، لم تبقى أجواء التنافس الرياضي حبيسة المستطيل الأخضر، إذ تطورت إلى الفضاء الرقمي، حيث تصاعدت خطابات كراهية وعنصرية استهدفت الأفارقة بالمغرب من جهة، والمغاربة المقيمين بالسنغال من جهة أخرى ما خلّف آثارا إنسانية مقلقة خارج حدود البلاد.
وتحولت هذه الخطابات بالنسبة لعدد من المغاربة المقيمين في السنغال، خاصة الطلبة إلى مصدر خوف وقلق يومي، بعدما وجدوا أنفسهم يؤدون ثمن نقاشات لا تعكس مواقفهم ولا قيم التعايش التي تربط الشعبين، والتاريخ الطويل من العلاقات الأخوية والإنسانية.
وفي ظل هذا الوضع، تعالت دعوات طلابية وحقوقية لوقف التحريض والعنف اللفظي، والتنبيه إلى خطورة توظيف المنافسة الرياضية في تأجيج مشاعر الإقصاء، مع التأكيد على أن الرياضة يفترض أن تكون جسرا للتلاقي، لا سببا لتصدير التوتر وإيذاء الأبرياء داخل الوطن وخارجه.
مغاربة السنغال يدفعون الثمن
في هذا السياق أكد طالب الطب بالسنة الخامسة و المغربي المقيم بالسنغال محمد أسامة، أن الجالية المغربية بالسنغال تواجه خلال هذه الفترة وضعا مقلقا نتيجة تصاعد خطاب الكراهية والتحريض، سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو في بعض الخطابات العامة، لافتا إلى أن هذا الخطاب يتسم بالتعميم والوصم الجماعي، مستهدفا الطلبة والمقيمين المغاربة دون أي مبرر موضوعي.
و أوضح أسامة في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” أن الحملة الحالية خلقت مناخا من القلق والخوف، خاصة بين الطالبات والطلبة بالسنغال، لما تحمله من رسائل عنصرية وتهديدية تهدد العلاقات التاريخية والأخوية التي لطالما جمعت الشعبين.
و شدد أسامة على أن من بين الأسباب الرئيسية لتأزيم الوضع هو ما يتم تداوله من طرف بعض المغاربة على مواقع التواصل الاجتماعي من منشورات تتضمن خطابات عنصرية وتحريضية، أسهمت في تغذية التوتر وسوء الفهم، وأثرت سلبا على صورة الجالية المغربية، وعلى طبيعة العلاقة الأخوية بين الشعبين.
ولفت المتحدث إلى أن المغاربة المقيمين في السنغال يعيشون ويدرسون ويعملون في إطار احترام القوانين والعادات المحلية، ويساهمون بشكل إيجابي في المجتمع، ولم يسبق لهم القيام بأي ممارسات تمس بالأمن أو السلم الاجتماعي.
وخلص محمد أسامة إلى أن معالجة هذه الخلافات تتم عبر الحوار الرصين واحترام الشعوب الشقيقة، مع الحفاظ على العلاقات التاريخية بين المغرب والسنغال، مشددا على ضرورة تدخل الجهات المعنية، وعلى رأسها السفارة المغربية، لحماية الطلبة والمقيمين من كل أشكال الخطر، وإعادة الاعتبار لقيم التعايش والاحترام المتبادل وقيم الجوار التي شكلت دائما أساس العلاقة بين البلدين.
وضع مقلق يعيشه الطلبة
من جهته أكد رئيس الطلبة المغاربة بمدينة “Thiès” السنغالية ياسر العبدي، أن حملة العنصرية والعنف المتصاعدة ضد الأفارقة في المغرب انعكست سلبا على المغاربة المقيمين بالسنغال.
وأضاف المتحدث أن “الضحية في النهاية هم المغاربة القاطنون في السنغال من طلبة وأطباء وتجار وعائلات، وكل تجاوز من طرف البعض في المغرب يقابَل بتجاوز مماثل عليهم في السنغال”.
وأوضح العبدي أن هذه الحملة تسببت في توتر العلاقات بين المغاربة والمجتمع المحلي في السنغال، داعيا أبناء وطنه في المغرب إلى التوقف عن أي خطاب عنصري والعودة إلى العلاقات الطبيعية بين الشعبين، كما كانت قبل أحداث المباراة النهائية.
في نفس السياق، أشار طالب الطب بالسنة الثانية جابر المصقلي، إلى أن الخطابات العنصرية والعنف لا تؤذي المستهدفين فحسب، و إنما تلحق الضرر بالطلبة المغاربة المقيمين في الخارج.
وأضاف المصقلي أن استمرار هذه الحملة يفاقم التوتر ويضر بالعلاقات بين الشعبين، مشددا على ضرورة توقف أبناء المغرب عن أي تصرفات عنصرية أو مسيئة، والعمل على استعادة العلاقة المعهودة بين المغاربة والسنغاليين.
الرياضة ليست منصة للتحريض
من جانبه أكد الحقوقي عادل تشيكيطو أن الرياضة يجب أن تظل فضاء للتلاقي والتنافس الشريف، لا مجالا لتغذية خطابات التحريض أو إعادة إنتاج العنصرية، محمّلا الفاعلين الإعلاميين والرقميين مسؤولية أخلاقية وقانونية في الحد من انتشار خطاب الكراهية، والتصدي لكل أشكال التحريض، خصوصا داخل الفضاءات الرقمية.
وأوضح تشيكيطو في حديثه مع “صوت المغرب” أن ما أعقب بعض الأحداث الرياضية، من بينها مباراة المغرب والسنغال، “كشف عن انزلاق خطير لدى فئات معزولة حولت التنافس الرياضي إلى ذريعة لتعميم أحكام عدائية وخطابات إقصائية تتنافى مع القيم الإنسانية والأخلاقية للمجتمع المغربي”.
وأشار المتحدث إلى أن “خطورة هذا الخطاب لا تنحصر في تهديد السلم الاجتماعي داخل المغرب فحسب، بل تمتد إلى انعكاساته السلبية على المغاربة المقيمين أو الدارسين بعدد من الدول الإفريقية، خاصة في السنغال، حيث أصبح بعضهم يتحمل تبعات خطابات لا تمثلهم ولا تعكس مواقف الأغلبية الساحقة من المغاربة”.
وأضاف أن هذه الحملات تبدو في كثير من الأحيان ممنهجة، داعيا المغاربة إلى توخي الحذر من الانسياق وراء أخبار زائفة وأحداث مفبركة، من قبيل الادعاء بسقوط قتلى أو وقوع مناوشات، ثبت عدم صحتها، وكان الهدف من ترويجها تأجيج التوتر ودفع المغاربة إلى مواجهة الأجانب المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء.
وخلص الحقوقي في تصريحه بالتأكيد على أن التاريخ المشترك والعلاقات الإنسانية العميقة التي تجمع المغرب بعمقه الإفريقي تفرض وقفة مسؤولة لمواجهة هذا الانحدار الخطابي، حماية لكرامة الإنسان، وصونا لصورة المغرب، وضمانا لأمن وسلامة المواطنين داخل الوطن وخارجه.
دعوة للتهدئة والمسؤولية
وفي خضم انتشار المعلومات الحساسة والإشاعات على وسائل التواصل الاجتماعي ، أصدرت كل من رابطة الطلبة المغاربة في السنغال، وتجمع الأطباء المغاربة في السنغال، إلى جانب جمعيات طلبة جامعة الشيخ أنتا ديوب بدكار، بيانا مشتركا موجها إلى المجتمع الطلابي وإلى الشعبين المغربي والسنغالي.
وأكدت الهيئات الموقعة في بيانها اليوم 21 يناير 2026 ، أن المغرب والسنغال تجمعهما علاقات تاريخية وأخوية متينة، قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون والصداقة، داعية مختلف مكونات المجتمع، من جميع الجنسيات، إلى التحلي بالهدوء والمسؤولية والتبصر، وتفادي كل أشكال الاستفزاز أو خطاب الكراهية أو السلوكيات التي من شأنها تأجيج التوترات.
وشدد البيان على التمسك بسلامة الأشخاص والممتلكات، وبقيم السلام والتسامح والتعايش المشترك والإخاء الإفريقي، باعتبارها قيما راسخة ميّزت العلاقات بين المجتمعين، سواء داخل جامعة الشيخ أنتا ديوب أو على امتداد الترابَين المغربي والسنغالي.
كما دعت الهيئات الطلابية والطبية إلى تغليب لغة الحوار واحترام القوانين والمؤسسات، والتنبيه إلى ضرورة عدم الانسياق وراء الأخبار غير الموثوقة، والاعتماد فقط على المعلومات الرسمية الصادرة عن الجهات المختصة، حفاظا على الأمن والاستقرار.
وخلص البيان بالتأكيد على أهمية العمل المشترك من أجل صون مناخ يسوده الصفاء والأمن والإخاء، وفاء لقيم الوحدة والتضامن التي تجمع الشعبين.