وجدة تبتهج.. “عروس الشرق” ترتدي فستانها الأبيض بعد غياب عقد
في مشهد استثنائي حبس أنفاس سكان وجدة، استيقظت “عروس الشرق”، يوم الأربعاء 7 يناير 2025، وهي ترتدي فستاناً أبيض ناصعاً، بعد أن حلّ بها الزائر الأبيض بتساقطات ثلجية أعادت للمدينة سحرها الخاص الذي افتقدته لأكثر من عشر سنوات.
ومنذ ساعات المساء الأولى من يوم الثلاثاء 6 يناير، امتلأت شوارع المدينة وساحاتها الشهيرة، كساحة “16 غشت” و”ساحة زيري بن عطية”، بالشباب والأطفال الذين توافدوا لتوثيق هذه اللحظات النادرة؛ إذ اكتست الفضاءات العامة حلة بيضاء، وتحولت إلى لوحات طبيعية جذبت أنظار المواطنين وعدسات الهواتف، في لحظة جماعية اختلطت فيها الدهشة بالحنين.
فرحة بيضاء عارمة
وتعالت الضحكات وسط “كرات الثلج” المتطايرة، وتحولت الهواتف الذكية إلى نوافذ تنقل سحر “مدينة الألفية” باللون الأبيض إلى بقية ربوع الوطن عبر منصات التواصل الاجتماعي، التي امتلأت بمقاطع تبرز مشاهد استثنائية لم يألفها الجيل الجديد.
ولم يخلُ المشهد من لمسات إبداعية؛ إذ تكتل مجموعات من الشباب في أحد شوارع المدينة لصناعة “رجل ثلج” ضخم، ليتحول في وقت وجيز إلى “مزار” يتسابق المارّة لالتقاط صور “السيلفي” بجانبه توثيقاً لهذه اللحظة.
وعبر مواطنون عن سعادتهم الكبيرة، مؤكدين أن الثلج ليس مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل هو “بشارة خير” لموسم فلاحي واعد، وجرعة أمل تكسر رتابة الجفاف الذي طبع السنوات الأخيرة، كما أعربوا عن تفاؤلهم بهذه التساقطات التي من شأنها أن تساهم بشكل مباشر في تعزيز الفرشة المائية للمنطقة.
هذه الحلة البيضاء أعادت للأذهان ذكريات جيل التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، حين كانت الثلوج تزور وجدة بشكل متقطع، وتزين قمم جبال “سيدي معافة” المحيطة بها.
من ذاكرة البياض
وبالعودة إلى الذاكرة المناخية للمدينة، يتضح أن الثلوج غابت عن وجدة لأكثر من عقد من الزمان؛ إذ تشير المعطيات وروايات المواطنين إلى أن سنة 2012 كانت آخر سنة شهدت تساقطات ثلجية ملموسة، بعد مواسم سابقة كان أبرزها 1999 و2008.
وحسب أرشيف المناخ، فقد سجلت المدينة بتاريخ 5 فبراير 2012 درجات حرارة دنيا بلغت درجتين تحت الصفر (-2°C)، في سياق موجة برد قطبية استثنائية شملت آنذاك مناطق واسعة من المغرب.
في ذلك الوقت، عاشت المدينة تحت وطأة منخفض جوي قطبي اجتاح حوض المتوسط، ورغم أنه أدى إلى شلل جزئي في الحركة المرورية،فإنه رسم في المقابل لوحات طبيعية في أحياء “لازاري”، و”القدس”، و”وسط المدينة”، لا تزال تفاصيلها محفورة في ذاكرة الوجديين.
لكن مديرية الأرصاد الجوية أفادت في تصريح، خصت به صحيفة “صوت المغرب”، أن حدوث التساقطات بمثل كثافتها في الليلة الماضية لم يتكرر منذ نحو عقدين، مشيرة إلى أن سماكات الثلوج في 26 و27 و28 يناير 2005 بلغت حوالي 6 سنتيمترات، فيما تم تسجيل تساقطات خفيفة لاحقة أبرزها في عام 2008.
وتبقى هذه التساقطات الثلجية حدثاً استثنائياً يعيد ترتيب ذاكرة المدينة المناخية، ويؤكد أن “عروس الشرق” مهما طال غياب زائرها الأبيض، تظل وفية لجمالها الاستثنائي حينما تكتسي حلتها البيضاء.
تفسير علمي
ويأتي هذا الزخم الثلجي تماشياً مع التوقعات الصادرة عن المديرية العامة للأرصاد الجوية، والتي أفادت بمرور كتل هوائية باردة أدت إلى انخفاض ملموس في درجات الحرارة وتساقطات مطرية وثلجية شملت مرتفعات وهضاب الجهة الشرقية.
وفي حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، قال الحسين يوعابد، رئيس مصلحة التواصل بالمديرية العامة للأرصاد الجوية، إن تساقط الثلوج بمدينة وجدة يُعد ظاهرة نادرة، ولا يحدث إلا عند تزامن ظروف جوية استثنائية ودقيقة في آن واحد.
وأوضح يوعابد أن هذه التساقطات الثلجية جاءت نتيجة تضافر ثلاثة عوامل جوية رئيسية، في مقدمتها وصول كتلة هوائية قطبية قارية أدت إلى انخفاض حاد في درجات الحرارة، لتصل إلى مستويات أدنى بكثير من المعدلات الموسمية المعتادة.
كما تزامن هذا البرد الشديد مع تدفّق تيارات هوائية رطبة قادمة من البحر الأبيض المتوسط، ساهمت في تكوّن السحب وتوفير الشروط الملائمة للتساقطات، ويشير المتحدث إلى أن العامل الحاسم تمثل في الانخفاض الاستثنائي لمستوى الصفر المئوي، أي الارتفاع الذي تتجمد عنده المياه، إذ هبط إلى علوّات منخفضة سمحت للتساقطات بالوصول إلى سطح الأرض على شكل ثلوج بدل أمطار.
وأشار المتحدث نفسه إلى أن ارتفاع مدينة وجدة، الذي يُقدّر بحوالي 500 متر، يُعد متوسطًا، غير أن قربها من الهضاب العليا وانفتاحها على الرياح الشمالية والشمالية الشرقية الباردة سهّل تسرّب الهواء القطبي دون عوائق كبيرة، ما ساهم في حدوث هذه الظاهرة المناخية الاستثنائية.
وكشف رئيس مصلحة التواصل بالمديرية العامة للأرصاد الجوية عن تسجيل سماكات متفاوتة للثلوج بعدد من مناطق الجهة الشرقية، حيث بلغت حوالي 2 سنتيمتر بمدينة وجدة، و10 سنتيمترات بمدينة تويسيت بإقليم جرادة، و7 سنتيمترات بقرية تنيسان التابعة لعمالة وجدة-أنكاد.