“صوماليلاند”… هل همست أبوظبي في أذن تل أبيب؟
ما العلاقة أو الدور الذي يمكن أن يكون لدولة الإمارات العربية المتحدة في اعتراف إسرائيل بدولة “أرض الصومال” أو صوماليلاند؟
قد يبدو الأمر بعيدا نسبيا، ولكنني أظن أن ما قامت به إسرائيل جاء استجابة لنصيحة إماراتية وتنسيق وثيق بين الطرفين. صحيح أن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال (صوماليلاند) تحرّكه أساسًا اعتباراتٌ استراتيجية وأمنية، ولكنها اعتبارات تتقاسمها مع أبرز شركائها الإقليميين: الإمارات العربية المتحدة، بحكم التقارب في الأهداف، بشكل خاص في المنطقة الاستراتيجية للبحر الأحمر، و على الخصوص فيما يتعلق بمواجهة التهديد المشترك الذي تمثّله جماعة الحوثي في اليمن… هل قلنا اليمن؟
نعم تلك المنطقة التي تلعب فيها الإمارات العربية المتحدة أدوارا غير ودية من خلال السعي إلى تفتيت اليمن عبر دعم ما يسمى “المجلس الانتقالي الجنوبي” والذي يهدف إلى إعادة خلق دويلة يمنية مستقلة في الجنوب تحت مسمى اليمن الجنوبي. وإذا حدث ذلك فسيتلوه بدون تأخير، اعتراف إسرائيلي بتلك الدولة، فتطبيع، فسيطرة على باب المندب .
بالإضافة إلى ما سبق، فإن من أبرز الأهداف الاستراتيجية التي تربط تحركات البلدين، إسرائيل والإمارات، وربما بتزكية ودعم من “الهيئة العربية للتطبيع” التي ما فتىء عدد أعضائها يتزايد طوعاً وكرها، نجد ما يلي :
ضمان وجود عسكري وأمني استراتيجي إسرائيلي في المنطقة من خلال تمكين تل أبيب من امتلاك منصة جغرافية قريبة من اليمن لأغراض الاستخبارات والعمليات العسكرية، بعد الدور المؤلم الذي لعبه اليمن في حرب غزة. ومن الواضح أن ما يسمى “أرض الصومال”، الذي يستعد زعيمه عبد الرحمن محمد عبد الله، الذي تولى منصبه في 12 ديسمبر 2024، باعتباره “الرئيس” السادس للإقليم الذي أعلن استقلاله من جانب واحد عن الصومال في التسعينيات، لن يتردد في منح إسرائيل هذا الموقع.
ويتوضح التنسيق الإسرائيلي الإماراتي حين نعرف أن الإمارات العربية المتحدة تتوفر أصلا، على قاعدة عسكرية في بربرة، وسط شمال ما يسمى “أرض الصومال”، في سياق المساعي المزعومة لمواجهة نفوذ الحوثيين وإيران.
وتسعى الإمارات من خلال التوسع في تلك المنطقة إلى تضخيم دورها الإقليمي على حساب كل من السعودية وقطر، وأيضا تركيا التي بدورها تتوفر منذ 2017 على قاعدة عسكرية غير بعيد من هناك، في جيبوتي .
ويتجاوز طموح التحالف الإماراتي الإسرائيلي مسألة الضغط على السعودية من أجل الالتحاق باتفاقات أبراهام، إلى السعي لتمهيد الطريق أمام إسرائيل لتحقيق نبوءة “إسرائيل الكبرى” عبر تدمير العوائق الثلاث المتبقية في طريقها شرقا، بعد تدمير العراق وسوريا، في انتظار التفرغ لمصر غربا، ويتعلق الأمر بكل من السعودية وإيران وتركيا .
المناورات التي تقودها إسرائيل والإمارات تسعى على المدى المتوسط لتوريط الرياض في نزاع إقليمي يمرغ مصداقيتها السياسية والدبلوماسية في الوحل، في أفق الزج بها في عزلة دولية بمبررات حقوقية، عزلة ستضطر السعودية معها للانخراط صاغرة في عملية التطبيع للخروج منها. وقد كانت الإشارة لهذا الأمر واضحة من خلال إعلان تل أبيب تعليقا على اعترافها بدولة “أرض الصومال” بأن اعترافها هذا يأتي «في روح» هذه الاتفاقيات.. يا روحي .
طيب، ما الذي قد يترتّب إذا على هذا التحالف المعلن بين إسرائيل والإمارات في منطقة الشرق الإفريقي؟
أولا: سيجد السعوديون أنفسهم فجأة في صف المصالح الاستراتيجية المشتركة مع الحوثيين وإيران، وهو خيار على نفس درجة مرارة التطبيع تقريبا بالنسبة للسعوديين، اعتباراً لإعلان الحوثيين أن «أي وجود إسرائيلي في أرض الصومال سيُعدّ هدفًا عسكريًا»، بمعنى أن التحالف مع الحوثيين وإيران سينتهي بشكل ما بالرياض إلى الدخول في مواجهات مسلحة مع إسرائيل، وإلا فإن الخيار الوحيد المتبقي للقيادة السعودية هو الهرولة نحو التطبيع وبالتالي الدخول في حرب باتت بوادرها قريبة.. ضد إيران. أي أن السعودية بسبب هذا “القالب” الإماراتي باتت مضطرة للدخول في حرب حتمية سواء ضد إيران أو ضد إسرائيل.
ثانيا: وجود قواعد عسكرية إسرائيلية في “أرض الصومال” سيسهل كذلك على إيران ضرب المصالح الإسرائيلية هناك، بل إن الأمر قد يمتد إلى مواجهات بين الإمارات وإيران بحكم التحالف الإماراتي الإسرائيلي، ووجود قواعد إماراتية في بربرة بصوماليلاند .
الأكيد هنا هو أن العلاقات السعودية الإيرانية ستعرف منعطفا جوهريا في أقرب وقت، بحكم التقاء أو افتراق المصالح بينهما حسب ما سينتهي إليه تقدير القيادة السعودية، وبالتالي قد نصل إلى ما يمكن تسميته “حرب الخليج الحقيقية”، أي تلك التي قد تندلع بين السعودية والإمارات وإيران وفق سيناريوهات مختلفة اختلاف تقديرات تلك الدول لمصالحها العليا، ليبقى الرابح الأكبر في كل ذلك هو إسرائيل.
ثالثا، لن يستمر ما يسمى مجلس التعاون الخليجي طويلا في الوجود بعد هذه التطورات، لأن المصالح السعودية والإماراتية وحتى القطرية، لم تعد على نفس الضفة من الأحداث.
رابعا، على غرار الفرصة الذهبية التي منحها ترامب لروسيا من خلال تهديده دولة فنزويلا، والتي مكنت موسكو من توقيع اتفاقيات ذات طابع عسكري واستراتيجي واقتصادي غير مسبوقة مع كاراكاس، بما يمكن روسيا من التواجد أمام النافذة الجنوبية لواشنطن، كذلك الأحداث في منطقة باب المندب ستوفر لموسكو وحليفتها الصين، عبر التحالف مع إيران الفرصة لتعزيز تواجدها في المنطقة بشكل غير مسبوق، وقد تنبت قواعد عسكرية روسية وصينية بسرعة لم يتخيلها أحد في الصومال قريبا جدا.
خامسا، الفوضى ستمتد إلى الاتحاد الإفريقي الذي يرفض القرار رسميا وبقوة، ويعتبر عدم اعتراف الاتحاد الإفريقي بدولة جديدة تحت اسم “أرض الصومال” إعداما سياسيا لهذه المبادرة ولكنه يبقى من الناحية الجيوسياسية حصاة في حذاء القارة والمنظمة الإفريقية لأنه يهدد بتطور الملف إلى مصدر للخلاف بين الدول التي سيتم استدراجها بحكم التقاء مصالحها مع المستجدات في المنطقة، للاعتراف بالدولة الجديدة، مثل إثيوبيا التي تسعى للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر من خلال “أرض الصومال” مثلما تسعى للتحالف مع إسرائيل في مواجهة مصر فيما يتعلق بتهديدات القاهرة لأديس أبيبا على خلفية سد النهضة، وبين الدول التي ترى في الاعتراف ب”أرض الصومال” سابقة قد تتحول لعدوى تفتت ما تبقى من الدول الأفريقية وتهدّد استقرار القارة بالكامل.
ومن نافلة القول أن الإمارات العربية المتحدة ستكون من أوائل المعترفين بالدولة الجديدة بل ومن الأكيد أن أبو ظبي ستمدها بالمال والعتاد لنشر الخراب في المنطقة برمتها بتنسيق وطيد مع تل أبيب، وقد عبر عن ذلك إيدي كوهين في تغريدة له على منصة إكس رد على القصف السعودي على المكلا جنوب اليمن، قائلا: “دولة الجنوب ستقوم ودولة الفاشر (السودان) ستقوم، ودولة سرت والجفرة (ليبيا) ستقوم …”.
الولايات المتحدة من جهتها عبرت عن مباركتها للخطوة الإسرائيلية الإماراتية عن طريق الصمت الذي يعتبر في الأعراف السياسية الأمريكية، موافقة ضمنية عليه، وتمهيدا لاعتراف لاحق محتمل بما يزيد الوضع تعقيدا فأمريكا، مثل روسيا أو الصين، تعتبر دولا دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وبالتالي لا أتوقع أن يصدر أي تنديد أممي بما يجري، يكفي أن واشنطن عبرت عن موقفها من خلال التأكيد على “حق إسرائيل في إقامة علاقات دبلوماسية!”، تماما كما تفعل واشنطن مع تايوان… إنها مسألة جينية على ما يبدو.
الصين من جهتها تعتبر أهم المتضررين من تغيير الخريطة الإقليمية للمنطقة لسببين رئيسيين:
أولهما توفر بكين على قاعدة عسكرية في جيبوتي، وهو ما يفرض عليها تحيينا عاجلا لعقيدتها العسكرية في بعدها الخارجي، وثانيهما الأهمية الاستراتيجية القصوى من الناحية التجارية للطريق البحرية التي تمر عبر البحر الأحمر وباب المندب.
لذلك أعتبر أنّ اعتراف إسرائيل بأرض الصومال يتجاوز كونه خطوة دبلوماسية معزولة؛ فهو جزء من لعبة جيوستراتيجية إقليمية في سياق لعبة جيواستراتيجية أوسع، تسعى فيها إسرائيل والإمارات إلى تحقيق أهداف أمنية مشتركة كبرى. وقد أدرك الشرق والغرب ذلك بوضوح .
أما ما يتم تداوله من أن الاعتراف الإسرائيلي ب”دولة أرض الصومال” يهدف إلى إعادة توطين الفلسطينيين هناك فهو مجرد تمويه وتحويل للأنظار ولا يستحق الالتفات إليه، فالهدف هو التقسيم، أما إيجاد مأوى للفلسطينيين فليس من أولويات أحد على ما يبدو.