جزر القمر..أرخبيل ساحر وطموح كروي بحجم المحيط
بعد لقائهما في مطلع دجنبر ضمن كأس العرب في قطر، سيكون السيلاكانتس على موعد مع مواجهة جديدة أمام أسود الأطلس في 21 من الشهر ذاته، خلال نهائيات كأس إفريقيا بالمغرب. هذا التقارب الزمني يفتح نافذة أوسع للتعرّف على المنتخب وأرضه؛ ذلك الأرخبيل العربي الصغير الذي يتمسّك بهويته الإفريقية وسط المحيط الهندي، وانتمائه المتجذّر إلى دول العالم الإسلامي التي يُشكّل حدَّها الجنوبي.
صحوة منتخب
لم تكن جزر القمر ضمن المنتخبات التقليدية في القارة، لكن العقد الأخير شكّل نقطة تحوّل حقيقية. فقد عرف السيلاكانتس – كما يُلقّب المنتخب استلهاماً من السمكة الأسطورية – مساراً صاعداً قوامه الاستثمار في المواهب المنحدرة من الجالية القمرية في أوروبا، والاعتماد على جيل جديد أعاد رسم صورة المنتخب في المشهدين الإفريقي والعربي.
تُعدّ سمكة السيلاكانتس واحدة من أعجب الكائنات البحرية؛ إذ كان يُعتقد أنها انقرضت مع الديناصورات قبل نحو 66 مليون سنة، قبل العثور عليها حية عام 1938 قبالة الساحل الشرقي لجنوب إفريقيا. وتعيش هذه السمكة في أعماق البحار، وتتحرك ليلاً، وترتبط بشدة ببيئتها. كما يمكن أن تعيش نحو قرن من الزمن، وتحمل الأنثى صغارها لمدة تصل إلى خمس سنوات، وهي أطول فترة حمل معروفة لدى أي كائن حي.
قبل 3 سنوات، حقق منتخب جزر القمر إنجازاً تاريخياً بوصوله للمرة الأولى إلى مرحلة خروج المغلوب في كأس الأمم الإفريقية 2022، قبل أن يُجبَر – في ظل غياب حُرّاس مرماه الثلاثة بداعي الإصابة أو الإصابة بفيروس كوفيد-19 – على الاستعانة بمدافع لحراسة المرمى في مواجهة ثمن النهائي أمام الكاميرون، التي انتهت (2-1). وقد أكّدت تلك المباراة، التي بقيت محفورة في ذاكرة كرة القدم الإفريقية لما شهدته من إثارة وتشويق، قدرة جزر القمر على مقارعة عمالقة القارة رغم كل الصعاب.
واصل المنتخب القُمري تقدّمه خلال السنوات العشر الماضية، مؤكداً صحوته الأخيرة بفوزه على غانا وجمهورية إفريقيا الوسطى في التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2026، وهو ما يفسّر قفزته في التصنيف العالمي، حيث أنهى عام 2024 في المركز 103 عالمياً والـ20 قارياً، محققاً أفضل ترتيب في تاريخه.
سحر القمر
تقع جزر القمر، وعاصمتها نيروبي، في أقصى الجنوب الشرقي للقارة الإفريقية، حيث تلتقي زرقة المحيط بسواحل استوائية هادئة تملؤها أشجار النخيل. وهي دولة فتية متعددة الجذور، تجمع بين ملامح إفريقيا والعالم العربي والمحيط الهندي في آنٍ واحد، وتستمد اسمها من كلمة “القمر” التي ارتبطت قديماً بلمعان جزرها ورونقها البحري، إذ تبدو في ليالي البدر كعروسٍ تغتسل بنور القمر فيزيدها بهاءً وسحراً.
وتتكوّن جزر القمر، أو “جمهورية القمر الاتحادية الإسلامية” وفق اسمها الرسمي، من أربع جزر رئيسية: القمر الكبرى (أنجزيجة)، موهيلي (موالي)، أنجوان (أنزواني)، ومايوت التي تخضع للإدارة الفرنسية بوصفها المقاطعة رقم 101، إضافة إلى عدة جزر صغيرة.
وتشتهر الجزر بجبالها البركانية وغاباتها الاستوائية وشواطئها الهادئة. وعلى الرغم من ضيق مساحتها، فإن الأرخبيل غني بخصائص بيئية فريدة، من أبرزها نبتة الإيلنغ-إيلنغ والفانيليا والياسمين، مما جعل البلاد من أبرز منتجي العطور التقليدية.
ثقافياً، تعكس جزر القمر تمازجاً عربياً إفريقياً آسيوياً متجذّراً في قرون من التواصل البحري عبر طرق التجارة القديمة. لغاتها الرسمية هي العربية والفرنسية والقمرية، والإسلام هو الدين السائد.
اضطراب خلف الهدوء
رغم ما يبدو عليه الأرخبيل من هدوء وخمود براكينه، فإن خلف هذا الجمال تاريخاً صاخباً من الاستعمار والاضطرابات والانقلابات. ففي العام نفسه الذي وُقّعت فيه وثيقة الحماية الفرنسية بالمغرب، أصبحت جزر القمر مستعمرة فرنسية رسمياً بعد تنازل سلطان أنجوان، سعيد محمد، عن العرش، لتخضع لحكم المقيم العام الفرنسي في مدغشقر عام 1941.
بعد 63 عاماً، أعلن برلمان جزر القمر في شتنبر 1975 الاستقلال من طرف واحد، إثر اتفاقية أُبرمت مع فرنسا عام 1973. وقد امتنع نواب مايوت عن التصويت، ثم صوّتت ثلاث جزر لصالح الاستقلال فيما رفضته مايوت، فبقيت تحت الحكم الفرنسي. وأعلن أحمد عبد الله استقلال دولة جزر القمر في 5 شتنبر 1975، ليصبح أول رئيس لها قبل أن تدخل البلاد دوامة من الانقلابات.
شهدت جزر القمر منذ ذلك الحين حوالي 20 انقلاباً أو محاولة انقلاب، كان للمرتزقة، وعلى رأسهم الفرنسي بوب دينار، دور محوري فيها، إذ شارك في أربعة انقلابات وتورط في اغتيال رؤساء. كما أثّرت النزاعات الداخلية والتدخلات الخارجية في استقرار البلاد.
في 1976 تولى علي صويلح السلطة بعد انقلاب، محاولاً تحويل البلاد إلى جمهورية علمانية اشتراكية، قبل أن يُقتل عام 1978 ليعود أحمد عبد الله إلى الحكم بدعم من دينار. واتسمت فترة حكم عبد الله بالاستبداد، وشهدت تغيير اسم البلاد إلى “جمهورية جزر القمر الإسلامية الاتحادية”. وفي 1989 قاد دينار انقلاباً جديداً أدى إلى اغتيال عبد الله.
انتُخب سعيد محمد جوهر رئيساً عام 1990 قبل إقالته في انقلاب عام 1995 قاده دينار، لكن فرنسا لم تدعمه هذه المرة فاستسلم. وفي 1996 انتُخب محمد عبد الكريم تقي، ثم وُسّعت صلاحيات الرئيس وجُعل الإسلام أساس التشريع. وبعد وفاته عام 1998 خلفه تاج الدين بن سعيد ماسوندي، الذي وقع اتفاقاً للحكم الذاتي، رفضته جزيرتا أنجوان وموهيلي، ما فجّر مظاهرات عنيفة.
من مكناس إلى نيروبي
وفي خضم هذا الاضطراب، كان هناك رجل في المغرب يستعد لدور محوري في مستقبل بلاده. فبعد التحاق غزالي عثماني بالكلية العسكرية الملكية بمكناس عام 1977 وتخرجه سنة 1980، عاد إلى بلاده ليتدرّج في مناصب الجيش ويصبح قائداً لأركانه عام 1998. وفي 1999 قاد انقلاباً أنهى حكم تاج الدين بن سعيد، معتبراً أنه منع حرباً أهلية كانت تلوح بسبب النزعات الانفصالية في أنجوان.
أطلق عثماني مسار مصالحة وطنية تُوّج بوضع دستور يمنح الجزر حكماً ذاتياً واسعاً ويُقرّ تداول الرئاسة بينها. وبموجب ذلك تُنظّم انتخابات 2002 التي قادته إلى الحكم حتى 2006. وفي 2016 عاد للرئاسة بانتخابات اتهمها خصومه بالفوضى، مؤكداً أن مغادرته السابقة للسلطة كان “خطأ لن يكرره”.
بعد عودته، حلّ المحكمة الدستورية وعدّل الدستور عام 2018 بما يسمح له بفترتين رئاسيتين جديدتين، ملغياً مبدأ التداول بين الجزر. كما أطلق حملة ضد خصومه، وعلى رأسهم الرئيس السابق عبد الله سامبي الذي حُكم عليه بالسجن المؤبد في محاكمة تقول المعارضة إنها غير نزيهة.
في 2023 تولى عثماني رئاسة الاتحاد الإفريقي، كأول رئيس قمري يحظى بهذا المنصب. وفي 2024 خاض الانتخابات بشعار “الضربة القاضية”، رغم قضائه أكثر من 15 سنة في الحكم متقطعة، وفاز بولاية جديدة.
ويُحسب للرئيس القمري – العسكري الذي تخرّج من مكناس – أنه أرسى مصالحة وطنية وأوقف سيل الانقلابات الذي عرفته البلاد، فيما يتهمه خصومه بتنفيذ أجندة فرنسية وبالتخلّي عن رفاقه الذين واجهوا محاولة بوب دينار الانقلابية عام 1995.