جدل في طنجة حول تأثير الأغاني الخادشة للحياء على قيم الأجيال الصاعدة

أثار ظهور مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لحفل موسيقي في مدينة طنجة، بمناسبة عيد الفطر، جدلًا واسعًا بسبب ما تضمنه من أغاني خادشة للحياء، أمام حشد من الأطفال والمراهقين، بعبارات تتناول مواضيع مثل الكحول والسهر، ما اعتبره العديد من النشطاء والمعلقين “خرقًا سافرًا لقيم المناسبة الدينية” و”تجاوزًا غير مقبول” في حق فئة عمرية لا زالت في سن المراهقة.
وفي ظل هذا الجدل، برزت تساؤلات حول تأثير هذا النوع من الأغاني على القُصّر، ومدى انعكاسها على قيمهم وتوجهاتهم الثقافية، وبينما يرى البعض أن هذه الظاهرة تعكس تحولًا طبيعيًا في الذوق الفني بين الأجيال، اعتبر البعض أنها ضرب متعمد في الهوية الثقافية والدينية، واستهتار بالمبادئ التربوية التي يجب الحرص على غرسها في الأجيال الصاعدة.
وفي هذا السياق، أكد الأستاذ الباحث في علم الاجتماع علي الشعباني، أن انتشار بعض الظواهر الثقافية الجديدة بين الشباب، بما في ذلك ترديد أغاني ذات محتوى “فارغ”، يعود إلى التأثير القوي لوسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتيك توك والمنصات الرقمية الأخرى، والتي أتاحت لأي شخص التعبير عن نفسه ونشر محتوى دون رقابة أو توجيه.
وأوضح الشعباني، في حديثه لصحيفة “صوت المغرب”، أن هذه الظاهرة ليست حديثة، لكنها تفاقمت مع تراجع آليات الضبط الاجتماعي والتربوي، مما جعل بعض الشباب ينحرفون نحو أنماط ثقافية وسلوكية غير مألوفة.
وأضاف أن تبني هذه الفئة لمظاهر جديدة في اللباس أو الخطاب يعكس غيابًا واضحًا للانضباط الأخلاقي داخل المجتمع، مقارنة بالماضي حيث كانت هناك منظومة قيمية صارمة تُخضع الشباب لتنشئة اجتماعية قائمة على الاحترام والانضباط.
وأشار الباحث إلى أن هذا الانفتاح الواسع على العالم، دون تأطير تربوي كافٍ، دفع بعض الشباب إلى الشعور بالتحرر من أي التزام تجاه الأسرة أو المجتمع أو المؤسسات، ما أدى إلى انتشار نوع من الاستهتار بالقيم الأخلاقية واحترام الآخر.
وشدد الشعباني على أن مسؤولية معالجة هذه الظاهرة لا تقع على الآباء فقط، بل هي مسؤولية المجتمع ككل، داعيًا إلى إعادة إحياء دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي تخلّت عن وظائفها الأساسية في غرس المبادئ والقيم.
ولمواجهة هذا التغير، دعا الشعباني إلى ضرورة أن تتحمل الدولة مسؤوليتها في إعادة الضبط الأخلاقي والتربوي والاجتماعي، من خلال تفعيل دور المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، لضمان الحد الأدنى من المبادئ والقيم التي تحافظ على التوازن داخل المجتمع.
وأكد أن الحرية لا تعني الفوضى، بل يجب أن يكون هناك نوع من التوازن الذي يضمن احترام القيم المجتمعية، مع الحفاظ على حقوق الأفراد، من أجل بيئة يسودها الاحترام والأمان للجميع.
ومن جانبه، أكد عزيز أحلوى، الأستاذ الباحث في علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن التفاعل الكبير للشباب مع بعض الأغاني المتداولة يعكس تحولًا في الذوق الفني، ما يتطلب مقاربة جديدة لفهم الظاهرة بدل الحكم عليها بمعايير الأجيال السابقة.
وأوضح الباحث، في حديثه لصحيفة “صوت المغرب”، أن ما لوحظ في أحد الفيديوهات المتداولة بمدينة طنجة، حيث كان الشباب يرددون كلمات الأغنية مع المغني بحماسة، يدل على أن هذه الأغاني ليست غريبة عليهم، بل هي متداولة مسبقًا بينهم، مما يؤكد أن هناك طلبًا حقيقيًا على هذا النمط الفني، إذ أن كلما وُجد جمهور مهتم، نشأ عرض يلبي تطلعاته.
وأشار أحلوى إلى أن المضمون الفني في حد ذاته ليس بجديد، فالحديث عن بعض المواضيع مثل الكحول والمسكرات موجود منذ عقود في الأغاني الشعبية والراب وألوان موسيقية أخرى، كما هو الحال في بعض أغاني الشاب خالد والشاب حسني وغيرهما، وعليه، فإن الإشكال لا يكمن فقط في المحتوى، بل في مدى تأثيره على الفئة الشابة، خصوصًا القاصرين واليافعين، وهو ما يستدعي تحليلًا أعمق لعملية التلقي.
وفي هذا السياق، طرح الباحث عدة تساؤلات حول كيفية استقبال الشباب لهذا النوع من الموسيقى، وهل يتم ذلك بشكل إرادي أم أنه ناتج عن عوامل أخرى؟ وهل هناك آليات بيداغوجية كما هو الحال في التعليم، أم أن المسألة تتعلق فقط بالاستمتاع الفني العفوي؟.
وفيما يخص المخاوف المثارة حول هذا النوع من الغناء، اعتبر أحلوى أن الخطر لا يبدو كبيرًا كما يتم تصويره في وسائل التواصل الاجتماعي، موضحًا أن ما يحدث هو لحظات فرح يتقاسمها الشباب فيما بينهم، حتى وإن كان مضمون الأغاني لا يروق للكثيرين، خصوصًا الآباء الذين يسعون إلى توجيه أبنائهم نحو محتوى ثقافي وتربوي مختلف.
وأضاف أن الاختلاف بين ما يحاول الآباء تلقينه لأبنائهم من قيم تربوية، وبين ما يجذب الشباب في المهرجانات والفعاليات الفنية، يعكس التباين الطبيعي بين الأجيال، “ولا يعني بالضرورة وجود صدام ثقافي جذري”.
وللخروج من هذا الجدل، دعا أحلوى إلى إشراك وزارة الثقافة والجمعيات المختصة في اختيار فنانين شباب يقدمون محتوى فنيًا يحمل أبعادًا تربوية وثقافية وبيداغوجية، بدل الاقتصار على أسلوب المنع والتحريم، “الذي لن يكون مجديًا في ظل انتشار المنصات الرقمية مثل يوتيوب وتيك توك وإنستغرام”، حيث يمكن للشباب الوصول إلى أي محتوى بسهولة.