31 حزبا و12 ممثلا في البرلمان.. ورقة تحليلية ترصد «البلقنة الحزبية» في المغرب
في المغرب تتنافس عشرات الأحزاب على أصوات الناخبين، ويبدو المشهد، للوهلة الأولى، وكأنه غني بالأفكار واختلاف البرامج والتصورات، لكن في الحقيقة، فإن كثرة التنظيمات لا تعكس بالضرورة تعددية سياسية حقيقية، وهو ما يجعل الناخب أمام لوائح متعددة، دون أن يجد، في الغالب، فروقا جوهرية تتيح له الاختيار بين مشاريع سياسية متنافسة.
وفي هذا الإطار، أكد المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، أن دور الأحزاب لا يختزل في تقديم المرشحين أو خوض الحملات الانتخابية، موضحا أن الدستور منحها موقعا مركزيا في بناء العلاقة بين المواطنين والدولة.
وأضاف المركز في ورقة تحليلية بعنوان «تجنب القطيعة: إعادة بناء الوساطة والثقة والمسؤولية السياسية في المغرب»، توصلت صحيفة «صوت المغرب» بنسخة منها، أن قسما واسعا من المشهد الحزبي المغربي يبتعد عن هذه الوظيفة الدستورية، مبرزا أن «الحزب يحضر بقوة عند توزيع الترشيحات وتشكيل التحالفات، ثم يتراجع حضوره الفكري والمجتمعي بين الاستحقاقات».
وتتحول هياكل الأحزاب المحلية، وفق الورقة التحليلية للمركز، في حالات كثيرة إلى شبكات انتخابية موسمية، بدل أن تكون منصات مستمرة للإنصات والتكوين والعمل السياسي.
ولفت المركز إلى أن البرامج الحزبية في المغرب تُعد غالبا قبيل الانتخابات، وتجمع تعهدات عامة لا تستند إلى اختيارات اقتصادية واجتماعية متمايزة، أو إلى تقدير واضح لكلفتها وآليات تمويلها.
31 حزبا في انتخابات 2021
وعاد المركز إلى الانتخابات البرلمانية التي أُجريت في 8 شتنبر 2021، مبرزا أنه شاركت فيها 31 هيئة سياسية، ودخل 12 حزبا منها مجلس النواب.
ونبه المركز إلى أن هذا العدد الكبير لا يدل، في حد ذاته، على تعددية سياسية ناضجة، موضحا أن «التعددية لا تُقاس بكثرة التنظيمات، بل بوجود اختلافات فكرية وبرامجية حقيقية تتيح للمواطن الاختيار بين تصورات متنافسة».
واعتبرت الورقة التحليلية للمركز أن المشهد السياسي المغربي يكشف عن «مفارقة تتمثل في تعدد تنظيمي يقابله تقلص في الاختلاف السياسي».
وأشار إلى أن هذا الوضع أدى إلى «توزع النخب والمرشحين على تنظيمات كثيرة تتقارب في خطابها وممارساتها، ويؤدي إلى تشتيت الأصوات والمسؤوليات، وإلى حكومات ائتلافية يصعب فيها تحديد الجهة المسؤولة عن كل سياسة».
كما يسمح للأحزاب، وفق الورقة التحليلية ذاتها، بتبادل المواقع من الأغلبية إلى المعارضة دون مراجعات فكرية عميقة أو تحولات واضحة في اختياراتها.
تدخلات الدولة لتشكيل المشهد
وفي هذا السياق، اعتبر المركز أن واقع المشهد السياسي المغربي لم يظهر بشكل تلقائي، موردا أن الدولة استخدمت أدوات متعددة لإعادة تشكيل المجال السياسي والحد من قدرة الأحزاب الوطنية الكبرى على احتكار التمثيل أو التحول إلى قوة مستقلة في مواجهة السلطة.
وشملت هذه الأدوات، وفق المصدر ذاته، إحداث تنظيمات وُصفت في الأدبيات السياسية بـ«الأحزاب الإدارية»، واستقطاب الأعيان والنخب المحلية، وتشجيع الانشقاقات، وتعديل القواعد الانتخابية بطريقة تحول دون تشكل أغلبية حزبية مهيمنة.
وأدت هذه الممارسات، حسب الورقة التحليلية، إلى إنتاج مشهد موزّع على قوى متعددة، تستطيع المشاركة في المؤسسات، لكنها تجد صعوبة في تحويل رصيدها الانتخابي إلى سلطة سياسية متماسكة.
وأشارت الورقة إلى التوجه المثير للجدل الذي اعتُمد قُبيل انتخابات 2021، والمتمثل في احتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين بدل الأصوات الصحيحة، مشيرة إلى أن هذا التعديل يجزئ التمثيلية أكثر.
وأكدت أن هذا الوضع الذي يتميز بـ«البلقنة الحزبية»، يحد من قدرة أي تنظيم على بناء استقلالية سياسية وبرنامجية قوية، ويدفع الأحزاب إلى البحث عن القبول داخل دوائر القرار أكثر من بحثها عن التجذر داخل المجتمع.
وخلصت الورقة التحليلية في هذا الصدد إلى أن «الحزب، في هذا الوضع، يصبح محتاجا إلى الإشارات القادمة من الأعلى لتحديد موقعه وتحالفاته، بينما تتراجع أهمية قواعده ومناضليه ومؤسساته الداخلية في صناعة القرار».
*المحفوظ طالبي