3000 درهم للمعاش ومليون منصب شغل.. وعود قابلة للإنجاز أم أرقام انتخابية؟
مع اقتراب الانتخابات التشريعية، تتسابق الأحزاب السياسية على تقديم وعود اجتماعية تستهدف تحسين دخل الأسر وتقوية الحماية الاجتماعية، من بينها رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم، ورفع الدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم، وتمديد الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل، إلى جانب إعفاءات ضريبية ودعم الأسر وخلق مليون منصب شغل.
لكن هذه الوعود، التي تبدو جذابة انتخابياً، تفتح في المقابل أسئلة حول كلفتها المالية ومصادر تمويلها ومدى قدرتها على الصمود أمام الإكراهات الديموغرافية والمالية التي تعرفها الدولة، خصوصاً في ما يتعلق بإصلاح أنظمة التقاعد واستكمال ورش الحماية الاجتماعية.
في هذا الصدد، يرى الخبير في الحماية الاجتماعية سعد الطاوجني أن جزءاً كبيراً من هذه الوعود “يفتقد، في صيغته الحالية، إلى المعطيات العلمية والمالية التي تسمح بالحكم على قابليته للتنفيذ”، معتبراً أن الإصلاحات الهيكلية “لا يمكن أن تُبنى على أرقام تُطرح خلال الأسابيع التي تسبق الانتخابات، وإنما تحتاج إلى دراسات دقيقة تحدد الكلفة ومصادر التمويل وآليات التنفيذ”.
ويذهب الطاوجني، في حديثه مع صحيفة “صوت المغرب”، إلى أن الوعود الانتخابية للأحزاب ليست ملزمة بالمعنى السياسي أو القانوني، خصوصاً أن طبيعة المشهد الحزبي المغربي “تجعل تشكيل الحكومة قائماً على تحالفات بين عدة أحزاب”، ما يعني أن البرامج الحزبية ستحتاج بعد الانتخابات إلى الاندماج في برنامج حكومي واحد، قبل أن تصطدم جميعها بالإمكانات التي تسمح بها الميزانية العامة للدولة.
3000 درهم للمعاش.. وعد يصطدم بتعقيدات التقاعد
من أكثر الوعود الاجتماعية إثارة للانتباه، تعهد حزب الأصالة والمعاصرة برفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم، وهو وعد يطرحه أيضاً حزب التقدم والاشتراكية ضمن برنامجه الانتخابي.
غير أن الطاوجني يحذر من التعامل مع هذا الالتزام باعتباره قراراً مالياً بسيطاً، موضحاً أن رفع معاش شخص يتقاضى مثلاً 1000 درهم إلى 3000 درهم “يقتضي أولاً إجراء دراسات اكتوارية دقيقة لتحديد الكلفة الحقيقية للإجراء وانعكاساته على أنظمة التقاعد”.
ويشير الخبير إلى أن إصلاح التقاعد ظل مطروحاً على الحكومات المغربية المتعاقبة منذ عقود، بما فيها حكومتا عبد الرحمن اليوسفي وإدريس جطو، من دون أن يتم الحسم فيه بشكل نهائي، وهو ما يعكس حجم التعقيد المالي والاجتماعي والسياسي الذي يحيط بالملف.
ولا تتعلق الصعوبة، بحسب الطاوجني، بقيمة المعاش وحدها، بل أيضاً بالتحولات الديموغرافية، وفي مقدمتها ارتفاع أمد الحياة وتزايد عدد الأشخاص الذين يتجاوزون سن الستين، بما يعني ارتفاع عدد المستفيدين من المعاشات وتزايد النفقات المرتبطة بها.
وأوضح أن استدامة الأنظمة تفرض النظر في العلاقة بين عدد المساهمين وعدد المتقاعدين، ومتوسط مدة الاستفادة من المعاش، وتطور أمد الحياة؛ فكل تحسن في أمد الحياة يعني، من الناحية المالية، سنوات إضافية من صرف المعاشات، وهو ما يجعل أي إصلاح للتقاعد مرتبطاً بشكل مباشر بالتغيرات الديمغرافية.
ومن هنا، فإن رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم قد يعالج جانباً من ضعف دخل المتقاعدين، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال: كيف ستضمن الدولة تمويل هذه المعاشات على المدى الطويل؟
وهو ما يعيد ملف إصلاح أنظمة التقاعد إلى الواجهة، بعدما ظل لسنوات من أكثر الملفات حساسية، بالنظر إلى ارتباطه بحقوق ملايين المنخرطين والمتقاعدين، وبالقرارات الصعبة المتعلقة بمستويات الاشتراك وسن التقاعد ومصادر التمويل.
وعود اجتماعية متزايدة.. من يدفع الكلفة؟
ولا يقتصر الأمر على المعاشات. فالأحزاب تقترح في برامجها حزمة واسعة من الالتزامات الاجتماعية والمالية.
فإلى جانب وعد 3000 درهم للمعاش، يقترح “البام” رفع الدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم مع حذف المؤشر، ورفع معاش الأرامل إلى 100%، وإعفاء الأجور الخام التي تقل عن 15 ألف درهم من الضريبة على الدخل، فضلاً عن مجانية استهلاك الكهرباء للأسر التي يقل استهلاكها عن 100 درهم، مع تمويل هذا الإجراء عبر مساهمة تضامنية تتحملها الأسر الأكثر استهلاكاً.
أما حزب التجمع الوطني للأحرار، فيقترح ربط الدعم الاجتماعي المباشر بالتضخم عبر آلية تسوية تلقائية، إلى جانب خصم ضريبي يصل إلى 5000 درهم سنوياً عن كل طفل لفائدة الأسر المتوسطة لتغطية تكاليف التمدرس، مع تجديد التعهد بخلق مليون منصب شغل، والذي كان أبرز وعد انتهى للفشل خلال ولايته الحكومية.
ويطرح حزب التقدم والاشتراكية بدوره دعماً للأسر بقيمة 1000 درهم شهرياً، ورفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3000 درهم، وتعميم التأمين الإجباري عن المرض، وإصلاح التقاعد، إلى جانب رفع مدة الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل من ستة أشهر إلى سنة كاملة، ورفع سقف التعويض الشهري إلى 7500 درهم، فضلاً عن خلق مليون منصب شغل.
في المقابل، يركز حزب الاستقلال على مراجعة مؤشر الدعم، ومنح 5000 درهم للمقبلين على الزواج، وإقرار منحة للسكن الأول، وعطلة لرعاية الأطفال، بينما يتعهد الاتحاد الاشتراكي بتعميم التغطية الاجتماعية بنسبة 100%.
أما حزب العدالة والتنمية، فيقترح تنفيذ “مدخول كرامة” بقيمة 1000 درهم شهرياً للمسنين البالغين 65 سنة فما فوق، في وضعية هشاشة وغير المستفيدين من نظام تقاعد.
وتطرح هذه الالتزامات مجتمعة سؤالاً مركزياً: هل تتناسب الكلفة المحتملة لهذه الوعود مع الواقع الذي تعيشه الدولة، خصوصاً عندما تجتمع الزيادة في الإنفاق الاجتماعي مع تخفيضات وإعفاءات ضريبية ووعود برفع المعاشات وخلق فرص الشغل؟
فـ3000 درهم، في نظر الطاوجني، لا يمكن أن تكون مجرد عتبة سياسية يجري الإعلان عنها خلال الحملة الانتخابية، وإنما “ينبغي أن تستند إلى دراسة تحدد عدد المعنيين، والكلفة الإجمالية للرفع، وكيفية تمويله، وتأثيره على توازنات أنظمة التقاعد وعلى ميزانية الدولة”.
وينطبق الأمر نفسه على الدعم الاجتماعي المباشر. فرفع قيمة الدعم إلى 1000 درهم يقتضي معرفة عدد الأسر التي ستستفيد من الزيادة، وما إذا كانت القيمة ستمنح بشكل موحد أم ستختلف بحسب تركيبة الأسرة وعدد الأطفال والوضعية الاجتماعية، فضلاً عن الكلفة السنوية المترتبة عن ذلك.
الحماية الاجتماعية.. أربعة أوراش لم تُحسم بعد
ولا تتوقف إشكالية الوعود الانتخابية عند قيمة المعاشات أو مبالغ الدعم المباشر، إذ ترتبط أساساً بمدى قدرة الدولة على استكمال أوراش الحماية الاجتماعية التي ما تزال مفتوحة.
ويضع سعد الطاوجني الحماية الاجتماعية ضمن أربعة محاور رئيسية؛ التأمين الإجباري عن المرض، والدعم الاجتماعي المباشر، وإصلاح أنظمة التقاعد، ثم التعويض عن فقدان الشغل.
وبينما قطعت الدولة أشواطاً في تعميم التغطية الصحية وإطلاق الدعم الاجتماعي المباشر، يرى الخبير أن ورشي التقاعد والتعويض عن فقدان الشغل لم يُحسما بالقدر نفسه، وهو ما يجعل الوعود الجديدة بحاجة إلى إجابات أكثر دقة “حول ما إذا كانت ستشكل امتداداً لإصلاحات قائمة أم ستضيف التزامات مالية جديدة إلى خزينة الدولة”.
ويبرز هذا الإشكال بشكل أكبر في ملف التقاعد، الذي ظل مطروحاً على الحكومات المتعاقبة منذ عقود دون الوصول إلى صيغة نهائية للإصلاح. فرفع الحد الأدنى للمعاشات، بحسب الطاوجني، “لا يمكن أن يتم بقرار سياسي منفصل عن دراسة اكتوارية تحدد عدد المستفيدين، ومتوسط مدة صرف المعاش، وتطور أمد الحياة، ومصادر تمويل الزيادة”.
ويعني ذلك أن أي وعد برفع المعاشات إلى مستوى محدد ينبغي أن يجيب، قبل دخوله حيز التنفيذ، عن أسئلة أساسية؛ كم سيكلف سنوياً؟ ومن سيتحمل الكلفة؟ وهل ستأتي من ميزانية الدولة أم من اشتراكات إضافية؟ وهل ستتطلب تعديلات في سن التقاعد أو نسب الاشتراك؟
الإصلاح الجبائي.. الحلقة المفقودة في تمويل الوعود
وتقود هذه الأسئلة مباشرة إلى ملف آخر حاضر بقوة في البرامج الانتخابية، هو الإصلاح الجبائي.
فبعض الأحزاب تقترح في الوقت نفسه رفع الدعم أو المعاشات، وتخفيف العبء الضريبي عن فئات من الأجراء، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وخلق مئات الآلاف من فرص الشغل. غير أن الجمع بين هذه الالتزامات يفترض وجود موارد إضافية أو إعادة ترتيب واسعة لأولويات الإنفاق العمومي.
ويعتبر الطاوجني أن أي تخفيض للضريبة على الدخل بالنسبة إلى الأجراء لا يمكن النظر إليه بمعزل عن سؤال تعويض الموارد التي ستفقدها الدولة، خصوصاً أن الضريبة على الدخل تُحصّل بالنسبة إلى الأجراء بشكل مباشر عبر الاقتطاع من الأجور.
ويربط الخبير ذلك بمشكلة أوسع تتعلق ببنية التحصيل الضريبي، معتبراً أن “توسيع الوعاء الضريبي ومحاربة الاقتصاد غير المهيكل يظلان من المداخل الأساسية لتوفير موارد إضافية، بدل تحميل العبء نفسه باستمرار للفئات التي توجد أصلاً داخل النظام الجبائي”.
ويشير في هذا السياق إلى انتشار التعاملات النقدية، وإلى قطاعات ومهن يصعب فيها تتبع المعاملات بشكل كامل، معتبراً أن “إصلاح هذه الاختلالات يمكن أن يوفر للدولة هامشاً مالياً أكبر لتمويل السياسات الاجتماعية”.
لكن الطاوجني يشدد على أن الإصلاح الجبائي لا يمكن اختزاله في رفع الضرائب أو خفضها، بل يحتاج إلى إعادة بناء شاملة لمنظومة التحصيل والامتثال الضريبي، بما يوسع قاعدة المساهمين ويحد من الفوارق بين من يؤدون الضرائب بانتظام ومن يظلون خارج دائرة التصريح.
مليون منصب شغل
ولا يقتصر التنافس الانتخابي على المعاشات والدعم، بل يمتد إلى سوق الشغل، حيث يتكرر وعد خلق مليون منصب شغل خلال الولاية الحكومية المقبلة في عدد من البرامج الانتخابية.
ويطرح تكرار الرقم نفسه تقريباً بين أكثر من حزب سؤالاً حول طبيعة هذه الوعود، خصوصاً أن خلق مليون منصب خلال خمس سنوات يعني إحداث ما يقارب 200 ألف منصب سنوياً، بشكل صافٍ عندما يتعلق الأمر بالوعود التي تستخدم صراحة مفهوم صافي مناصب الشغل.
ويرى الطاوجني أن الرقم، في حد ذاته، لا يكفي لإثبات قابلية التنفيذ، لأن خلق مليون منصب شغل يفترض نمواً اقتصادياً واستثمارات ومصادر تمويل قادرة على امتصاص الوافدين الجدد إلى سوق العمل، فضلاً عن الحفاظ على المناصب القائمة.
فخلق فرص الشغل يرتبط بدوره بمستوى النمو الاقتصادي، والاستثمار، والقدرة التنافسية للمقاولات، وتطور القطاعات الصناعية والخدماتية والفلاحية، فضلاً عن ملاءمة التكوين مع حاجيات سوق العمل.
ومن ثم، فإن الوعد بمليون منصب لا يصبح قابلاً للتقييم فقط بمجرد مقارنة الرقم بالسنوات السابقة، وإنما بالنظر إلى المسار الكامل الذي يفترض أن يقود إليه: ما الاستثمارات المطلوبة؟ وما القطاعات المستهدفة؟ وكم سيكلف دعم المقاولات؟ وما نسبة الوظائف التي ستكون صافية فعلاً وليست مجرد تعويض عن مناصب مفقودة؟
ما الذي ينقص البرامج الانتخابية؟
وبينما تكشف البرامج الانتخابية عن توجه واضح نحو توسيع الإنفاق الاجتماعي وتحسين دخول الفئات الهشة والمتقاعدين، تظل المسألة الأكثر حساسية مرتبطة بمصادر التمويل.
فالدولة مطالبة في الوقت نفسه بتمويل الصحة والتعليم والاستثمار والبنية التحتية وخدمة الدين، إلى جانب تمويل منظومة الحماية الاجتماعية، وهو ما يجعل كل التزام مالي جديد بحاجة إلى تحديد مصدره.
ويعتبر الطاوجني أن المشكلة “وبينما تكشف البرامج الانتخابية عن توجه واضح نحو توسيع الإنفاق الاجتماعي وتحسين دخول الفئات الهشة والمتقاعدين، تظل المسألة الأكثر حساسية مرتبطة بمصادر التمويل.
فالدولة مطالبة في الوقت نفسه بتمويل الصحة والتعليم والاستثمار والبنية التحتية وخدمة الدين، إلى جانب تمويل منظومة الحماية الاجتماعية، وهو ما يجعل كل التزام مالي جديد بحاجة إلى تحديد مصدره.
ويعتبر الطاوجني أن المشكلة “تكمن في أن الأرقام الواردة في البرامج الانتخابية “تُقدَّم باعتبارها أهدافاً سياسية، من دون أن ترافقها بالضرورة التفاصيل التقنية التي تسمح بتقييم قابليتها للتنفيذ”.
فالوعد برفع معاش إلى 3 آلاف درهم، أو تقديم دعم شهري بقيمة ألف درهم، أو خلق مليون منصب شغل، لا يكفي وحده للحكم على جدوى السياسة المقترحة. المطلوب هو معرفة عدد المستفيدين، والكلفة السنوية، ومصدر التمويل، والجدول الزمني للتنفيذ، ثم أثر الإجراء على التوازنات المالية والاجتماعية.
ويؤكد الخبير على أن الإصلاحات ذات الطابع الهيكلي لا يمكن إنجازها بسرعة، لأنها تحتاج إلى دراسات متخصصة وتقييم للآثار المالية والاجتماعية، قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.
وهنا تبرز مفارقة الانتخابات: فالحزب يحتاج إلى تقديم وعود واضحة وجذابة للناخبين، لكن الدولة تحتاج، بعد الانتخابات، إلى تحويل هذه الوعود إلى أرقام داخل قانون المالية وإلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ.
وتزداد صعوبة المهمة، بحسب الطاوجني، في الحالة المغربية بسبب طبيعة تشكيل الحكومات، إذ لا يفوز حزب واحد عادة بتشكيل الحكومة منفرداً، بل تُبنى الأغلبية من تحالفات حزبية. وبالتالي، فإن البرامج الانتخابية المتعددة تنتهي إلى برنامج حكومي واحد، وهو ما يعني أن جزءاً من الوعود قد يخضع للتفاوض أو الأولوية أو التأجيل بحسب موازين الأغلبية والإمكانات المالية.