20 عاماً من الانتظار.. أسود الأطلس يبلغون نهائي “كان 2025” في ليلة تاريخية
بينما كان حكيمي ورفاقه يغادرون المستطيل الأخضر نحو غرف الملابس بملعب الأمير مولاي عبد الله، وفي غمرة الصخب ودموع الفرح، توقف الزمن للحظة. بوجهٍ يحمل تجاعيد الخبرة وابتسامة فخر عريضة، وقف جواد الزايري، ساحر الرواق في جيل 2004، كجسر عبور بين زمنين.
عانق الزايري اللاعبين واحداً تلو الآخر؛ لم يكن تقبيله لرأس “إبراهيم دياز” أو عناقه لـ”يوسف النصيري” مجرد تهنئة عابرة، بل كان أشبه بعملية تسليم لـ”شعلة” ظلت منطفئة لعشرين عاماً. كان مشهداً سينمائياً بامتياز؛ الماضي بقميصه الأخضر الكلاسيكي يبارك للحاضر بقميصه الأحمر المتوهج، معلناً أن قطيعة العقدين مع النهائي قد انتهت رسمياً.
حتى الرمق الأخير
داخل المستطيل الأخضر، لم تكن المباراة ضد نيجيريا مجرد مواجهة تكتيكية، بل كانت “معركة استنزاف” كروية امتدت لـ 120 دقيقة حبست الأنفاس. العشب الذي اهتز تحت أقدام الأسود شهد على استبسال منقطع النظير؛ التحامات بدنية قوية، وسرعات جنونية، وصبر أيوب الذي تحلى به الركراكي وكتيبته.
تقنياً، نجح وليد الركراكي في تحييد خطر أجنحة نسور نيجيريا السريعة بقيادة أوسيمين ولوكمان، بفضل صلابة خط الدفاع الذي قاده نايف أكرد ونصير مزراوي. وفي لحظات ركلات الترجيح، حبس المغاربة أنفاسهم، وبرز العملاق ياسين بونو كجدار صد منيع، بتصديه لضربتي جزاء ببراعة مذهلة، قبل أن ينفجر الملعب مع الركلة الأخيرة التي حسم بها يوسف النصيري الموقعة، معلناً فوز الأسود (4-2) وتأهلاً تاريخياً لنهائي نسخة “المغرب 2025”.
أدرينالين المدرجات
وفي المدرجات، كان الجمهور المغربي “اللاعب رقم 12” الحقيقي، يرسم لوحة تشجيع حماسية ويؤلف سيمفونية بأهازيج اهتزت لها أركان العاصمة، مما رفع منسوب الأدرينالين لدى اللاعبين في اللحظات الحرجة، وصهر عزيمة الخصم كلما دحرج الكرة تحت أقدامه. وفي المنصة الشرفية، لم تغب الروح الشبابية عن المشهد بحضور ولي العهد الأمير مولاي الحسن، الذي تابع تفاصيل المباراة بحماس وتفاعل عفوي يعكس نبض جيله.
المغرب يشتعل فرحاً
بمجرد صافرة النهاية، تحول المغرب إلى ساحة احتفال كبرى. في الرباط، غص شارع محمد الخامس بآلاف المتظاهرين بالفرح، واختلطت أصوات منبهات السيارات بـ”زغاريد” منطلقة من الشرفات. أما في الدار البيضاء، فقد كان “كورنيش عين الذئاب” شاهداً على طوفان بشري لم ينم حتى ساعات متأخرة؛ شباب وعائلات، شيوخ وأطفال، يرفعون العلم الوطني ويهتفون: “مبروك علينا هادي البداية.. ومازال مازال”، في لوحة وطنية أعادت للأذهان ملحمة مونديال قطر، لكن هذه المرة بنكهة إفريقية خالصة.
ولم تكن أكادير بمعزل عن هذا العرس، إذ عاشت العاصمة السوسية ليلة استثنائية امتزجت فيها فرحة التأهل بأجواء الاحتفال برأس السنة الأمازيغية. وتدفقت الجماهير نحو الكورنيش والشوارع الكبرى مرددة شعاراً واحداً: “ديما مغرب.. الكأس تبقى هنا”.
أما في مراكش، فقد كانت ساحة جامع الفنا والكتبية مسرحاً لليلة احتفالية امتزجت فيها الأعلام بالأهازيج الشعبية، في مشهد جسد وحدة المغاربة خلف منتخبهم، وهو ما تكرر في مدن الشمال (طنجة وتطوان) التي خرجت في “ليلة بيضاء” احتفاءً بالعودة إلى الواجهة القارية.
هل يفعلها الأسود؟
نعود إلى مشهد البداية، إلى تلك المصافحة بين جواد الزايري وأسود اليوم. لم تحمل نظرات الزايري التهنئة فحسب، بل كانت “وصية” صامتة، وكأن لسان حاله يقول لهم: “نحن وصلنا إلى باب المجد في رادس عام 2004 ولم نفتحه، أما أنتم اليوم، فتملكون المفتاح”.
كان ذلك تذكيراً بأن التاريخ لا يعترف بالوصافة الطويلة، وأن الجيل الذهبي السابق، الذي بكى ضياع اللقب في تونس، ينتظر من هذا الجيل أن يثأر لتلك الدموع، ويرفع الكأس الغالية في سماء الرباط أمام السنغال. الكرة الآن في ملعبنا، والتاريخ ينتظر عودة “الأسد الأطلسي” ليتوج بلقب غاب عن عرينه لخمسين عاماً.