14 وزيرا فازوا بمقاعد برلمانية.. إشكال التنافي يطرح أسئلة قانونية على حكومة تصريف الأعمال
تطرح وضعية 14 وزيرا وكاتب دولة من حكومة عزيز أخنوش، الذين فازوا بمقاعد في مجلس النواب خلال انتخابات 23 شتنبر 2026، أسئلة قانونية ومؤسساتية بشأن حدود تصريف الأعمال ومدى احترام قواعد التنافي بين العضوية الحكومية والعضوية البرلمانية.
فبعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على الاستحقاق الانتخابي، لا يزال الوزراء المعنيون يحتفظون بمناصبهم الحكومية، في وقت لم يشاركوا فيه في جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب الجديد، أحمد التويزي، كما لم يشاركوا في جلسة انتخاب أعضاء مكتب المجلس ورؤساء اللجان الدائمة، وهو ما يعيد النقاش حول كيفية تدبير المرحلة الانتقالية بين حكومة انتهت ولايتها وأخرى قيد التشكل.
ويستند هذا النقاش إلى مقتضيات المادة 14 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، التي تؤطر حالة التنافي بين العضوية البرلمانية والعضوية الحكومية، والمادتين 36 و37 من القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، اللتين تنظمان استمرار الحكومة المنتهية مهامها في تصريف الأمور الجارية.
غير أن التوفيق بين المبدأين يطرح تساؤلات بشأن مدى إمكانية استمرار الوزراء المنتخبين في مهامهم الحكومية خلال هذه المرحلة، والآليات القانونية المتاحة لتسوية وضعيتهم، خاصة في ضوء سابقة في حكومة عبد الإله ابن كيران سنة 2016، حين صدر ظهير ملكي بإعفاء 12 عضوا من الحكومة من مهامهم بناء على استقالتهم، بناء على الفصل 47 من الدستور، وذلك بعد فوزهم بمقاعد برلمانية، 13 يوما بعد ذلك.
ويثير استمرار هذه الوضعية تساؤلات حول حدود تصريف الأعمال والمسؤولية السياسية والمؤسساتية عن تسويتها من جهة، ومن جهة أخرى حول مدى قدرة النصوص الدستورية والتنظيمية على تأطير هذه المرحلة الانتقالية دون أن تتحول إلى مجال للغموض في تطبيق القواعد القانونية.
14 وزيرا.. أين ينتهي تصريف الأعمال؟
تتعلق وضعية التنافي بكل من فاطمة الزهراء المنصوري، ومحمد المهدي بنسعيد، وعبد اللطيف وهبي، وعز الدين الميداوي، وأديب بن إبراهيم، وهشام صابري، ومصطفى بايتاس، وأحمد البواري، ولحسن السعدي، وزكية الدريوش، ونزار بركة، وعبد الصمد قيوح، ورياض مزور، وعمر حجيرة.
ويضع استمرار هؤلاء الوزراء في مناصبهم مبدأ التنافي في صلب النقاش، خصوصا أن عدم مشاركتهم في جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب الجديد لا يحسم، في حد ذاته، وضعيتهم القانونية.
وفي هذا السياق، سجل الباحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري ياسين بويركل أن هذه الوضعية الانتقالية “تطرح إشكالا قانونيا ومؤسساتيا يتعلق بالتوفيق بين مبدأ استمرارية العمل الحكومي ومبدأ التنافي بين العضوية الحكومية والعضوية البرلمانية”.
وأوضح الباحث، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” أن المادة 14 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، تقر صراحة التنافي بين الصفتين، في حين تؤطر المادتان 36 و37 من القانون التنظيمي رقم 065.13 استمرار الحكومة المنتهية ولايتها في تصريف الأمور الجارية، ضمانا لاستمرارية المرافق العمومية.
غير أن مبدأ الاستمرارية، بحسب الباحث، لا يقتضي بالضرورة الاحتفاظ بجميع أعضاء الحكومة السابقة، مسجلا أنه يمكن إنهاء مهام الوزراء وفق المسطرة المنصوص عليها في الفصل 47 من الدستور، مع ضمان استمرار العمل الحكومي.
ومن الناحية القانونية، شدد بويركل على ضرورة التمييز بين قيام حالة التنافي ومسطرة تسويتها، موضحا أن المادة 14 تنظم صراحة حالة النائب الذي يُعين عضوا في الحكومة، بينما تختلف الوضعية الحالية لكونها تتعلق بوزراء انتُخبوا أعضاء بمجلس النواب أثناء تصريف الأعمال.
وفي هذا السياق، أبرز الباحث أهمية المادة 18، في صيغتها المحينة، التي تتيح اللجوء إلى المحكمة الدستورية عند وجود شك أو نزاع بشأن حالة التنافي، وفق الشروط والإجراءات القانونية المقررة.
وبخصوص غياب الوزراء عن جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب وجلسة انتخاب مختلف هياكله، اعتبر الباحث في العلوم السياسية أن ذلك يعد “إجراء احترازيا لتجنب ممارسة الاختصاصات البرلمانية أثناء استمرارهم في مهامهم الحكومية، لكنه لا يشكل في حد ذاته تسوية قانونية لحالة التنافي”.
وعلى المستوى السياسي، اعتبر أن “استمرار هؤلاء الوزراء في مناصبهم يسمح لهم بالاحتفاظ بوضعيتهم الحكومية وما يرتبط بها من صلاحيات وامتيازات، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن هذا هو الدافع وراء استمرارهم، أو أنه يضمن بقاءهم في الحكومة المقبلة”.
وسجل الباحث أن هذه “الوضعية تكشف عن اختيار في تدبير المرحلة الانتقالية يقوم على الإبقاء مؤقتا على التركيبة الحكومية القائمة”، مبرزا أن ذلك “يطرح سؤالا حول حدود المرونة التي تتيحها مرحلة تصريف الأعمال، ومدى إمكانية التوفيق بين استمرارية العمل الحكومي واحترام قواعد التنافي”.
سابقة 2016.. استقالة 12 وزيرا
تجربة سنة 2016 تقدم سابقة في تدبير حالة التنافي في العضوية بين الحكومة والبرلمان مقارنة مع الوضع الحالي لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، وذلك بعدما صدر ظهير شريف رقم 1.16.177 بإعفاء 12 عضوا من الحكومة من مهامهم في 20 أكتوبر، استناد إلى الفصل 47 من الدستور، وبناء على طلب رئيس الحكومة عبد الإله ابن كيران وذلك بناء على استقالة الوزراء.
وتبرز أهمية هذه “السابقة” في كونها أظهرت إمكانية إنهاء مهام الوزراء المعنيين مع ضمان استمرارية العمل الحكومي، من خلال توزيع القطاعات التي كانوا يشرفون عليها على وزراء آخرين لا يوجدون في وضعية تناف.
وفي قراءته لهذه السابقة، اعتبر بويركل أنها تقدم نموذجا عمليا لإمكانية التوفيق بين مبدأ استمرارية العمل الحكومي واحترام قواعد التنافي، موضحا أن إعفاء اثني عشر وزيرا من الحكومة المنتهية ولايتها بعدما انتُخبوا أعضاء بمجلس النواب، سمح بضمان استمرارية العمل الحكومي دون الإبقاء على الوزراء المنتخبين في وضعية جمع بين الصفتين.
وأضاف الباحث أن تدبير الوضع الحالي “يتجه نحو الإبقاء على التركيبة الحكومية القائمة إلى حين استكمال تشكيل الحكومة الجديدة، دون اعتماد الآلية نفسها التي جرى اللجوء إليها سنة 2016”.
ومن الناحية القانونية، أكد بويركل أن “القاعدة الأساسية المتعلقة بالتنافي لم تتغير، إذ ما زالت المادة 14 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، في صيغته المحينة سنة 2026، تقر عدم جواز الجمع بين العضوية الحكومية والعضوية البرلمانية”، مضيفا أيضا أن الفصل 47 من الدستور يتيح إنهاء المهام الحكومية وفق المسطرة الدستورية المحددة، دون أن يتعارض ذلك مع استمرار الحكومة في تصريف الأمور الجارية.
وفي تفسيره لاختلاف التدبير الانتقالي بين تجربتي 2016 و2026 ، اعتبر الباحث أن “الأمر لا يعكس بالضرورة وجود خصوصية دستورية جديدة، بقدر ما يعكس اختلافا في المقاربة السياسية والمؤسساتية المعتمدة لتدبير الانتقال الحكومي”.
وشدد بويركل على أن “سابقة سنة 2016 تؤكد أن استمرارية العمل الحكومي واحترام قواعد التنافي ليسا مبدأين متعارضين بالضرورة، وأن بالإمكان التوفيق بينهما من خلال الآليات الدستورية المتاحة”.
ولفت الباحث إلى أن “استمرار الوضعية الحالية يطرح سؤالا حول مبررات عدم اللجوء إلى تسوية مبكرة مماثلة، خاصة أن مرحلة تصريف الأعمال يفترض أن تظل محدودة زمنيا ووظيفيا”.
حدود الرقابة خلال تصريف الأعمال
ومع اقتراب استحقاقات دستورية مهمة، سواء تعلق الأمر بتقديم البرنامج الحكومي أو إحالة مشروع قانون المالية 2027 على البرلمان، يبرز النقاش حول حدود ممارسة الاختصاصات البرلمانية والمسؤولية السياسية لأعضاء الحكومة المنتهية ولايتها.
وفي هذا السياق، أقر الباحث في العلوم السياسية بوجود إشكالات مؤسساتية على مستويين أساسيين، بسبب استمرار هذه الوضعية، ويتعلق أولهما بممارسة الاختصاصات البرلمانية، فيما يرتبط ثانيهما بحدود المسؤولية السياسية لحكومة تصريف الأعمال.
وأوضح بويركل أنه على المستوى البرلماني، ينص الفصل 60 من الدستور على أن أعضاء مجلس النواب يستمدون نيابتهم من الأمة، بينما يؤطر الفصل 62 انتخاب رئيس المجلس وأجهزته، موضحا أن “عدم مشاركة الوزراء المنتخبين في هذه العمليات يطرح إشكالا بشأن ممارسة الحقوق والالتزامات المرتبطة بالانتداب البرلماني”.
وأضاف أن امتناعهم عن الحضور، وإن كان “يجنبهم ممارسة فعلية للاختصاصات البرلمانية أثناء استمرارهم في مهامهم الحكومية، فإنه لا يشكل تسوية قانونية لحالة التنافي، التي تخضع لمقتضيات المادتين 14 و18 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب”.
وبخصوص المسؤولية السياسية، أكد الباحث أن “استمرار الحكومة في تصريف الأمور الجارية لا يعني تحررها من الرقابة البرلمانية، وإن كانت وضعيتها تختلف عن الحكومة المنصبة التي تمارس كامل صلاحياتها”.
واستحضر في هذا الإطار “الفصل 88 من الدستور الذي يربط تنصيب الحكومة بثقة مجلس النواب، بينما ينظم الفصل 105 آلية ملتمس الرقابة، وهو ما يثير نقاشا دستوريا بشأن حدود تفعيل آليات المسؤولية السياسية في مواجهة حكومة انتهت ولايتها وتواصل ممارسة اختصاصات محدودة”.
وأضاف بويركل أن هذا الإشكال يكتسي أهمية إضافية مع اقتراب الأجل القانوني لإيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027، مبرزا أن “المادة 37 من القانون التنظيمي رقم 065.13 تستبعد، من حيث الأصل، المصادقة على مشاريع القوانين من نطاق تصريف الأمور الجارية، مع مراعاة ما قد تفرضه حالات الضرورة وفق التحفظ الذي أقره المجلس الدستوري في قراره رقم 955/15”.
واعتبر الباحث أن “استمرار التأخر في تشكيل الحكومة الجديدة قد ينقل النقاش من مجرد تسوية الوضعية القانونية للوزراء المنتخبين إلى إشكال مؤسساتي أوسع، يتعلق بضمان السير المنتظم للمؤسسات واحترام الآجال الدستورية والقانونية، خصوصا في ما يرتبط بالمسطرة المالية”.
من يتحمل مسؤولية التسوية؟
وفي ظل استمرار مسار تشكيل الحكومة الجديدة، يبرز التساؤل بشأن الجهة التي تتحمل مسؤولية تسوية وضعية الوزراء المنتخبين، وحدود صلاحيات المؤسسات المعنية بإنهاء المهام الحكومية والبت في حالات التنافي.
كما يطرح الأمر سيناريوهات تدبير هذه الوضعية، سواء من خلال تسوية مبكرة على غرار ما حدث سنة 2016، أو انتظار استكمال تشكيل الحكومة الجديدة.
وفي هذا الإطار، أوضح بويركل أن تسوية الوضعية تقتضي التمييز بين المسؤولية السياسية عن تدبير المرحلة الانتقالية، والاختصاصات الدستورية المتعلقة بإنهاء المهام الحكومية، فضلا عن دور المحكمة الدستورية في البت في حالات التنافي.
وأشار إلى أن الفصل 47 من الدستور يؤطر تعيين أعضاء الحكومة وإعفاءهم وفق الشروط الدستورية المحددة، مضيفا أن رئيسة الحكومة المكلفة لا تملك، بمجرد تعيينها، صلاحية إنهاء مهام وزراء الحكومة السابقة بقرار منفرد.
وفي المقابل، أكد أن رئيس الحكومة المنتهية ولايتها يظل معنيا بضمان استمرارية العمل الحكومي، ويمكنه المساهمة في تسوية الوضعية عبر الآليات الدستورية المتاحة.
وحدد الباحث مسارين أساسيين لتسوية الوضعية، يتمثل أولهما في اعتماد تسوية مبكرة على غرار سابقة سنة 2016، من خلال إنهاء مهام الوزراء المنتخبين وإعادة توزيع اختصاصاتهم مؤقتا على وزراء آخرين، بما يضمن استمرارية المرافق العمومية واحترام قواعد التنافي.
أما المسار الثاني، فيرتبط بحسب الباحث باستكمال تشكيل الحكومة الجديدة، بما يسمح بحسم الوضعية القانونية للوزراء المعنيين، سواء الذين سيستمرون في التشكيلة الحكومية المقبلة وتطبق بشأنهم مقتضيات المادة 14 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، أو الذين ستنتهي مهامهم الحكومية وتزول بالنسبة إليهم علة التنافي.
كما أشار بويركل إلى إمكانية اللجوء إلى المحكمة الدستورية، وفق مقتضيات المادة 18 من القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، في صيغتها المحينة سنة 2026، من أجل الحسم في وجود حالة التنافي وترتيب آثارها القانونية، وفق المسطرة والآجال المقررة.
وخلص الباحث إلى أن الرهان الأساسي لا يتعلق فقط بإنهاء وضعية الجمع بين الصفتين، بل بضمان انتقال حكومي وبرلماني منتظم، يحترم استمرارية المؤسسات وقواعد التنافي في الوقت نفسه، دون أن تتحول الطبيعة المؤقتة لمرحلة تصريف الأعمال إلى مصدر للغموض القانوني والمؤسساتي.