10 دروس من الكان
1 ـ نجح المغرب في تقديم بنية تحتية رياضية مدنية بمستويات تستحق الإشادة. هذه مكاسب يجب تثمينها، ولا عقل في تحقير قيمتها. ستبقى هذه البنية التحتية ملكاً للمغاربة.
2 ـ تنظيم البطولة وكل مُرْفَقَاتِه كان سلساً. لم تحصل مشاكل ذات بالٍ، إلا شغبَ مشجعين سنغاليين لسنا مسؤولين عنه، بل ضحاياه، وتعليقات شاردة “ممّن في قلوبهم مرض”. غير ذلك، كل المؤسسات المنخرطة في التنظيم قدّمت تجربة محترمة، كما المتطوعون الذين ساهموا في النجاح. بكل ثقة، مستعدون لتنظيم المونديال في 2030. لا مجال للتشكيك في هذه القدرة.
3 ـ الشعب المغربي، بدون أيّ حملات تواصلية بشأن ما يجب أن تكون عليه الأمور، أظهر أنه كريم ومضياف “حتى زاد هذا الكرم عن حدّه”، في نظر كثيرين. في الشوارع حفاوة أقرّ بها مشجعون أجانب. بل تشجيع منتخبات منافسة، وخاصة منتخب مصر، في أكادير، كان خارج المألوف، حتى تَصاغَر من تصاغر، كعادته، لقتل هذه المشهدية.
4 ـ لئن كانت نهائيات كأس أفريقيا محطة لإظهار صورة مغرب يتطوّر، ويختطّ طريقاً في عالمٍ يمور ويموج، فإنها أظهرت قصورا في مواجهة دعاية سوداء تواجه بلدنا. سُجّلت في مرمى المغرب كثيرٌ من الأهداف على هذا الصعيد. تبدو كمن يرفع معايير التنظيم والبنية التحتية عالياً، بالمقارنة مع أغلب المحيط والقارّة، لكنك كمُلاكم يقدر على “تسديد اللّكمات”، لكنه لا يقدر على صدّ الضربات.
5 ـ من يحقّق النجاحات يجب أن يتوقّع الضربات. لا يكفي أن تبني أحسن المنشآت والطرق والملاعب والمرافق. يجب أن تحمي هذا المنجز من التبخيس الذي صار عملاً قائما بذاته في كثير من البلدان التي نتقاسم معها المجال الإقليمي. الأمر جزءٌ من لعبة تنافسٍ يتحوّل عدوانياً وبلا أخلاق.
6 ـ ربطا بالدرْسين أعلاه، لا تُرفعُ كل التحديثات في عالم الصور والخبر والدعاية إلا بإعلام وطني قويّ ومهني وجادّ، قادر على تقديم خدمة الإخبار، للمغاربة والعالم، بمسؤولية واقتدار، وبما يُلزم بالاحترام للمغرب وإنجازاته، ويسدّ الباب على تصيّد الأخطاء فيه. الصحافة القوية فضلا عن أنها حقّ للمجتمع، هي أيضاً عونٌ في إظهار الحقائق وتبديد الأكاذيب، ومحاصرة الدعايات الفاسدة. للأسف، كثير من الوقت المهدور في زمن المجرّبين المخرّبين في الصحافة المغربية، الذين يريدون تسييد نموذج إعلامي بلا تأثير غير إفساد الذوق المجتمعي وتسليح النقاش العمومي الداخلي، دون قدرة على أي تأثير خارجي.
7 ـ نحتاجُ جهداً جماعياً لتحصين مواطني هذا البلد عن الانزلاق والخضوع لأفكار مسمومة تحت تأثير الاستفزاز والغضب. الخطاب العنصري المقيت لا مكان له في مغرب المستقبل والانفتاح. كادت تنحرف نقاشات بشأن الكان إلى مهابط لا تليق بتسامح المغاربة وبتاريخهم، ولا بلحظة التنظيم الناجح. الأحاديث عن الانغلاق وسدّ الأبواب تضرّ بالمغرب. يربح المغرب بانفتاحه، وبتحمّله. الفكرة والسلوك الصواب ينتصران دوماً. ولا يصحّ إلا الصحيح.
8 ـ أفريقيا هي أفريقيا. لن يتغيّر شيء كثير في الأفق المنظور، وعلى هذا يجب أن نتعلّم كيف نفوز في قارتنا السمراء. أثبت منتخب السنغال، وقبله مصر والكاميرون وساحل العاج، وكثيرون، أن الأفضل ليس من يربح اللقب دوماً. لعبت معنا السنغال الكرة، وربحتنا بكثير من الخبث الكروي. لا نطلبُ خبثاً كروياً، بل اكتساب القدرة على مواجهته وصدّه ومنعه من تحقيقه أهدافه، التي تعني تلقائياً حرماننا من حقّنا.
9 ـ عند بداية الكان، انتشرت مشاهد عفوية لعلاقة أكثر من طيبة بين مغاربة وجزائريين، كان المغاربة فيها المبادرون إلى “اليد الممدودة” باعتبارهم “مالين الدار”. لكن.. وبعد أيام دخلت على الخط مليشيات إلكترونية تحمل لواء العداوة والبغضاء، لإفساد اللحظة. إعلام الجزائر، بما فيه الرسمي، وكعادته، بالغ وشطّ في الإساءة و(الشيء من مأتاه لا يُستغرب). تحفظ الذاكرة كلاماً طيباً من زوار جزائريين، لكنها تحفظ أيضاً بؤساً مُعمّماً. المنطق والعقل يقتضي قولاً واضحاً: السلطة الحاكمة الآن في الجزائر تُصعّب أي إمكانية للتقارب، وهي تُفسد شعبها بحملات تحريض عمياء ضد المغرب. لا خيار هنا غير مزيدٍ من التحمّل. والله يهدي ما خلق.
10ـ مطلب المغاربة لتحقيق النجاعة في تدبير كثير من الملفات يكتسب وجاهته. البلد الذي شيّد منشآت تفتخر بها في أعوام قليلة، قادرٌ على رفع التحدي في أكثر من مجال، متى امتلك الإرادة السياسية، والموارد اللازمة، والفكرة الواضحة، والرجال والنساء حَمَلَة الفكرة. النجاح يجب أن يطرق باب التعليم والصحة. هذا مجالات حيويان. يسبقان الكرة والملاعب، والمغرب قادرٌ على أن يحقّق فيهما إنجازات. النموذج أمام أعيننا، ويجب أن يُعَمّم.
قصارى القول
بلاغ الديوان الملكي ليلة الخميس (22 يناير) وضع كل الأمور في نصابها:
رياضة نحقّق فيها نجاحات تتجاوز ما يتحقق لدى منافسينا كروياً. تنظيم كان من منظور الدولة محطة “مكّنت من قياس الطفرة النوعية التي حققتها المملكة على طريق التنمية والتقدم”. نجاح تنظيمي مشهود. الشعب كله في صورة هذا النجاح. تقاسم المشاعر بشأن “الأحداث المؤسفة التي شهدتها الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية”. تأكيد وجود “مخططات معادية” يجزم البلاغ أنها “لن تبلغ أبدا مرادها”. والأهم مخاطبة “الأمّة” في هذه اللحظة. المغرب أمّة، تعرف موقعها الجغرافي، وامتدادها الطبيعي، وتاريخها. لسنا لقطاء ولا على حاشية التاريخ، ولا جغرافيا مُسْتَحدثة.
بهذا يكون الهدف واضحاً “بمجرد أن تتراجع حدة الانفعال والعواطف”: ضرورة “انتصار روابط الأخوة الإفريقية بشكل طبيعي”، وأيضا أن “الشعب المغربي يدرك كيف يميز بين الأمور، ولن يقبل بالانسياق وراء الضغينة والتفرقة”، وأنه “لا شيء يستطيع أن يمس بالتقارب الذي تم نسجه على مدى قرون بين شعوبنا الإفريقية”، ثم التشديد على أن “المملكة المغربية كانت وستظل بلدا إفريقيا كبيرا وفيا لروح الأخوة والتضامن والاحترام الذي كرسه على الدوام تجاه قارته”.