الكونغرس الأمريكي يحتفي بمرور 250 عاماً على العلاقات بين واشنطن والرباط
شهد مبنى الكونغرس في العاصمة الأمريكية واشنطن مناسبة رسمية خُصصت للاحتفاء بتاريخ طويل من العلاقات الدبلوماسية التي تجمع المغرب والولايات المتحدة، تمتد لما يقارب 250 عامًا.
ويعود هذا الإرث الدبلوماسي إلى أواخر القرن الثامن عشر، حين كانت السلطنة الشريفة في المغرب بقيادة السلطان العلوي محمد الثالث قد اعترفت رسمياً باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي تعليق له على الحدث، أبرز السفير المغرب لدى واشنطن، يوسف العمراني، في تغريدة له، يوم الأربعاء 7 يناير 2026، الطابع الاستثنائي للعلاقات الثنائية، مؤكداً على أنها تمثل نموذجًا لشراكة استراتيجية راسخة، تقوم على الثقة المتبادلة والتقارب في الرؤى والمصالح، ولها جذور تاريخية عميقة.
وقال العمراني: “احتفى الكونغرس الأمريكي بما يقارب 250 سنة من التحالف الاستراتيجي الاستثنائي الذي يجمعه بالمملكة المغربية. مسيرة مميزة متجذّرة في التاريخ، تعزّزت بالثقة، وتوجّهها رؤية مشتركة”.
كما عبّر العمراني عن امتنانه لأعضاء مجلس الشيوخ والكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي والمسؤولين الأمريكيين المشاركين، مشيدًا بحضورهم ومواقفهم التي “تعكس متانة الروابط المغربية-الأمريكية”، ومثمّنًا في الوقت ذاته “جهود القائمين على مبادرة Project Legacy Morocco التي ساهمت في تنظيم هذا الحدث”.
وعرفت هذه المناسبة مشاركة عدد من الشخصيات التشريعية الأمريكية البارزة، من بينها السيناتور الجمهوري جو ويلسون والنائب الديمقراطي جيمي بانيتا، وهما من الداعمين لمبادرة تشريعية تدعو إلى إدراج جبهة البوليساريو ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية.
ويُذكر أن براد شنايدر، عن الحزب الديمقراطي، وجو ويلسون، عن الحزب الجمهوري، كانا قد تقدما في مارس الماضي بصفتهما الرئيسين المشتركين لتكتل الكونغرس المعني بالمغرب، بمقترح قرار يدعو إلى الاحتفال رسميًا سنة 2027 بالذكرى الـ250 لاعتراف المغرب باستقلال الولايات المتحدة، وهو الاعتراف الذي صدر في دجنبر 1777 عن السلطان العلوي محمد بن عبد الله، المعروف بمحمد الثالث.
وتعيد ذكرى قرنين ونصف قرن من الاعتراف المغربي باستقلال الولايات الأمريكية المتحدة الاهتمام بأعرق العلاقات الدبلوماسية لواشنطن عبر التاريخ. إذ كان المغرب أول دولة في العالم تعترف رسمياً باستقلالها.
وقد جاء هذا الاعتراف المبكر في وقت حرج كانت فيه الدولة الفتية تخوض معركة لإثبات وجودها على الساحة الدولية، وهو ما يعكس عمق الروابط التي جمعت بين البلدين، والتي توّجت بتوقيع أقدم معاهدة لا تزال سارية في التاريخ الدبلوماسي الأمريكي.
وبدأت العلاقات بين المغرب والولايات المتحدة مع اندلاع الثورة الأمريكية في سبعينيات القرن 18، والتي فقد معها التجار الأمريكيون، الذين كانوا يبحرون تحت العلم البريطاني، الحماية التي كانت توفرها مدفوعات الجزية البريطانية لدول شمال إفريقيا.
فبعدما فشلت محاولات المفوضين الأمريكيين للسلام في باريس في الحصول على ضمانات فرنسية لحماية السفن الأمريكية من هجمات العرب، أعلن السلطان محمد الثالث بن عبد الله الخطيب لجميع القناصل والتجار الأوربيين في موانئ المغرب، بما فيها طنجة وسلا والعرائش والصويرة، أن جميع السفن الأمريكية لها الحق في الدخول بحرية “لأخذ المؤن والتمتع بنفس الامتيازات والحصانات التي تتمتع بها الدول التي في سلام مع جلالة السلطان”.
ومنذ ذلك الحين، اعتبر هذا القرار اعترافاً ضمنياً باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، حتى قبل 10 سنوات من توقيع أي معاهدة رسمية بين الطرفين، وهو ما دفع واشنطن إلى تأريخه لبداية علاقتها مع المملكة المغربية.
وفي 1779، كتب ستيفن دوديبرت كاي، وهو تاجر فرنسي في سلا عيّنه السلطان قنصلاً للدول التي لم يكن لديها تمثيل قنصلي بالمغرب، (كتب) بناءً على تعليمات من السلطان، إلى الكونغرس الأمريكي عبر المفوض الأمريكي في باريس، بنجامين فرانكلين، يخبرهم بتعيينه كقنصل معرباً عن رغبة السلطان في إبرام معاهدة سلام مع الولايات المتحدة.
وفي نونبر 1780، وجه الكونغرس فرانكلين بالتواصل مع كاي والتأكيد على رغبة الولايات المتحدة في “تعزيز أواصر الصداقة الكاملة” مع السلطان والتفاوض بشأن معاهدة تجارية مع المغرب.
وفي دجنبر 1780، أرسل الكونغرس الأمريكي أول رسالة رسمية إلى سلطان المغرب، جاء فيها:
وفي خطوة حازمة، قرر السلطان محمد الثالث في أكتوبر 1784 الاستيلاء على سفينة أمريكية بسبب التأخير في المفاوضات، وأعلن على إثر ذلك أنه سيفرج عن السفينة وطاقمها بمجرد توقيع المعاهدة مع الولايات المتحدة. لتبدأ المفوضات رسمياً في عام 1785 لتعيين القنصل العام للولايات المتحدة في توماس باركلي، من أجل السفر للمغرب وإجراء المفاوضات.
وصل باركلي إلى مراكش في يونيو 1786، وهناك عقد جلستين مع السلطان، أسفرتا عن ختم معاهدة من 25 مادة، شملت توفير الحماية للسفن الأمريكية على طول الساحل المغربي، والتجارة بين البلدين على أساس مبدأ “الدولة الأكثر تفضيلاً”.
المعاهدة التي تم توقيعها، في 23 يونيو 1786، والتصديق عليها من قبل الكونغرس الأمريكي في 18 يوليوز 1787، كانت أول معاهدة توقعها الولايات المتحدة مع دولة عربية، وإسلامية، أو إفريقية. وتم إعادة التفاوض حولها في عام 1836، لتظل سارية المفعول إلى يومنا هذا، مُشكلة بذلك أقدم معاهدة دبلوماسية غير منقطعة في تاريخ الولايات المتحدة.
وبعد تأسيس حكومة الولايات المتحدة بموجب الدستور الجديد، كتب الرئيس جورج واشنطن رسالة تقدير إلى السلطان، بتاريخ 1 دجنبر 1789، واصفاً إياه بـ”صديقه العظيم والكريم”. وأبلغه بأن الولايات المتحدة اعتمدت دستوراً جديداً واعتذر عن التأخير في التواصل مع المغرب،.
وحينما خلف المولى سليمان والده على كرسي الحكم، أرسلت الولايات المتحدة قنصلها في جبل طارق للقيام بالمساعي اللازمة من أجل الحصول من السلطان الجديد على ضمان استمرار الاعتراف بالمعاهدة الأمريكية-المغربية.
وأكد السلطان المولى سليمان التزامه بالمعاهدة في رسالة إلى الرئيس واشنطن قال فيها: “نحن في سلام وطمأنينة وصداقة معكم، كما كنا مع والدنا. سلام”.
وفي عام 1821، عزز السلطان هذه العلاقة بتقديمه منزلاً ليكون مقراً للقنصل العام الأمريكي في طنجة، مما وضع الدبلوماسيين الأمريكيين على قدم المساواة مع ممثلي القوى الكبرى الأخرى. وكتب للقنصل قائلًا: “آمر وأسمح بالتجارة الحرة لجميع الأمريكيين في أي جزء من إمبراطوريتي … الأمريكيون يعنون لي أكثر من أي أمة أخرى، وأي امتياز ممنوح للدولة الأكثر تفضيلاً، سيتم منحهم أكثر منه”.
ويعد مقر المفوضية الأمريكية في طنجة، أقدم مقر دبلوماسي أمريكي في العالم وأول عقار تمتلكه واشنطن خارج أراضيها، والذي تحول اليوم إلى متحف، ليكون المعلمة التاريخية الأمريكية الوحيدة التي تقع خارج الولايات المتحدة.