ورطة ترامب
رغم غبار المعركة الذي ما يزال يحجب كثيرا من تفاصيلها، والضجيج الدعائي الهائل الذي يرافق كل حرب ويخلط الوقائع بالأماني، فإن ما تسرب إلى العلن من حقائق، خصوصا عبر صحف ومجلات غربية لا مصلحة لها في المجازفة بما تبقى من صدقيتها، يكفي للقول إن الحرب على إيران لم تسر كما تخيلها دونالد ترامب وبنيامين نتانياهو، بل إن حبلها يلتفّ حول عنقيهما.
ما قُدِّم في البداية على أنه عملية سريعة، وحاسمة، وقادرة على كسر ظهر طهران وإعادة تشكيل موازين المنطقة، بدأ يتحوّل إلى مقامرة باهظة الكلفة، وورطة سياسية واستراتيجية مرشحة لأن تتسع كلفتها على الجميع.
المشكلة الأولى في هذه الحرب أنها بُنيت، منذ لحظتها الأولى، على تقدير متعجل لطبيعة الخصم وطبيعة الميدان معا. لقد راهن ترامب ونتانياهو على أن التفوق الجوي والقدرة التدميرية كافيان لإحداث صدمة تفتح الباب أمام تغيير عميق داخل إيران، أو على الأقل أمام فرض واقع جديد يخرجها من المعادلة الإقليمية.
هذا هو الوهم نفسه الذي سبق أن حكم مغامرات أخرى في المنطقة، أي الاعتقاد أن القصف المكثف يمكن أن يقوم مقام السياسة، وأن الدولة المستهدفة ستنهار تلقائيا تحت وطأة النار، وأن المجتمع المحاصر سيستقبل الحرب كفرصة للخلاص.
لكن ما تكشف، حتى من خلال قراءات غربية لمنابر وازنة مثل “وول ستريت جورنال” و”فاينانشل تايمز” و”فورين أفيرز” و”فورين بوليسي” و”ذي إيكونوميست” و”رويترز”… هو العكس تقريبا.
لا نهاية واضحة للحرب، ولا تصور متماسكا لما بعدها، ولا ضمانة بأن الضغط العسكري سيؤدي إلى النتيجة التي بُني عليها القرار أصلا.
المنابر الغربية “الجادة” التي تناولت هذه الحرب في الأيام الأخيرة تكاد تلتقي، رغم اختلاف زواياها، عند نقطة أساسية، مفادها أن من أشعل الحرب لم يحسن تحديد هدفه، ولم يحسن تقدير عواقبها.
بعض هذه المنابر قالها بوضوح حين تحدث عن أن التصعيد قد يكون خدم إيران أكثر مما أضر بها، كما هو الحال مع مجلة “فورين بوليسي” في مقاليها “Why Escalation Favors Iran” و “What Is the Endgame in Iran?”.
وبعضها الآخر اختار لغة أقل مباشرة، لكنه انتهى إلى أن الحرب التي أُريد لها أن تكون استعراضا سريعا للقوة تحولت إلى اختبار مفتوح للتحمل، وإلى مأزق تتراجع فيه احتمالات الحسم النظيف، فيما ترتفع احتمالات الاستنزاف وتوسّع دائرة الكلفة.
لم تكن إيران تحتاج، في هذه المواجهة، إلى انتصار تقليدي حتى تقلب المعادلة. بل كان يكفيها أن تمنع خصومها من تحقيق النصر الذي وعدوا به، وأن تحرمهم من صورة الحرب السهلة. وهذا ما يبدو أنها نجحت فيه إلى حد بعيد.
وبدل أن تتحول الضربات إلى مدخل سريع لإعادة تشكيل الداخل الإيراني، أخذت الحرب تتجه نحو منطق آخر، هو إطالة أمد المواجهة، وتوزيع الكلفة على الجميع، وإرباك الحسابات، ودفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى التعامل مع أسئلة لم يحضّرا أجوبتها قبل الحرب، من قبيل: ماذا بعد الضربات؟ وما هو السقف السياسي؟ وما هي حدود التورط في هذه الحرب؟
هذا ما يحصل عندما تبدأ حرب بلا تصور سياسي واضح لنهايتها. وخيار إنهاء سريع للحرب ينطوي على مخاطر أكبر من الهزيمة، فيما استمرارها ينطوي على كلفة أكبر، أما الرهان على أن الخصم سينهار من تلقاء نفسه فقد بدا، يوما بعد آخر، أقرب إلى التمني منه إلى التقدير الواقعي. ترامب ونتانياهو دخلا الحرب على أساس أنها فرصة لإعادة ترتيب المنطقة، فإذا بها تتحول إلى عبء على حساباتهما وعلى حلفائهما وعلى الأسواق الدولية معا.
بعيدا عن أي تحيّز إيديولوجي أو تفكير بمنطق التمني، ما تقوله المصادر الغربية التي يصعب اتهامها بالتحيز لإيران، هو أن الحرب لم تحقق بعد ما دخلت من أجله، وأنها تكشف حدود القوة حين تُستخدم دون استحضار للمآلات.
لقد اعتقد ترامب ونتانياهو أن إيران يمكن أن تتحول إلى نسخة أخرى من عراق أُنهك ثم أُعيد تشكيله تحت القصف والاحتلال والفوضى. لكن الذي جهلاه، أو تجاهلاه، هو أن دروس العراق نفسها تقول إن الحروب التي تبدأ على أساس الغطرسة وسوء التقدير لا تنتج استقرارا، بل فوضى أوسع وكلفة أعلى وندوبا أبعد مدى.
الحقيقة أن ما يتكشف اليوم من بين ركام الدعاية ليس مشهد نصر سريع، بل بدايات مأزق حقيقي. فالحرب التي ظنها ترامب ونتانياهو نزهة جوية خاطفة لتطويع إيران، تنقلب تدريجيا إلى ورطة سيدفعان ثمنها سياسيا واستراتيجيا، وسندفع نحن معهما ثمنا معيشيا واجتماعيا قاسيا.
بالنسبة إلينا كمغاربة، فإن أخطر ما في هذه الورطة أن كلفتها لن تبقى محصورة في غرف القرار ولا في الميدان العسكري. فالحروب الكبرى لا يدفع ثمنها من يقررونها فقط، بل تدفعه أيضا الشعوب الأضعف، البعيدة عن القرار والقريبة من الفاتورة.
نحن أيضا، في هذا الجزء المنسي من العالم، سندفع مع الآخرين ثمن هذه المغامرة تضخما جديدا، وغلاء أشد، واضطرابا في أسعار الطاقة والنقل والغذاء، وانكشافا أكبر أمام جشع المضاربين والوسطاء وتجار الأزمات… ألم تسمعوا بحملة “العلاقات العامة” التي تحضّرنا لتقبّل غلاء أكباش العيد؟
كما كان الحال في جائحة كورونا وحرب أوكرانيا، سيخرج أغنياء الحرب أكثر غنى، وسيجد “الفراقشية” في الخوف العام سوقا جديدة للربح، فيما تتسع هشاشة الفئات التي لا تملك أصلا ما يكفي لتحمل صدمة أخرى.
حين يخطئ الأقوياء التقدير، لا يسقط الثمن عليهم وحدهم، بل يتوزع على ظهور المستضعفين، من جيوبهم وأقواتهم وأمنهم اليومي، بينما يواصل أغنياء الحرب وسماسرة الأزمات عدَّ أرباحهم على مهل.