story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

هل يتكرر السيناريو الأوكراني في ألمانيا؟

ص ص

يعرف الجميع بأن الدافع الرئيسي وراء الحرب الروسية الأوكرانية هو طموح أوكرانيا من أجل الانضمام للحلف الأطلسي وطموح الناتو للتوسع في الجوار المباشر لروسيا، وهو ما لم تكن موسكو لتسمح بحدوثه، حيث إن الأمر يعتبر تهديدا مباشرا لأمنها ونفوذها الإقليمي والدولي .

لكن السياسة الدفاعية المنتهجة مؤخرا من طرف برلين، تنذر بتكرار السيناريو الأوكراني على بعد دولتين (بيلاروسيا وبولندا) من روسيا، أي في ألمانيا.. خصوصًا أن بيلاروسيا تكاد تكون جزءً من روسيا وهي تعيش تحت المظلة النووية الروسية، بينما تعتبر بولونيا الدولة الأكثر عدوانية اتجاه روسيا داخل حلف الناتو، كيف يمكن إذا أن تتسبب ألمانيا في حرب جديدة في المنطقة؟

بداية يجب التذكير بأن ألمانيا الحالية هي نتيجة لتوحيد ألمانيا الشرقية والغربية سنة 1990 (أو لنقل إعادة توحيد ألمانيا لتمييزها عن اتفاقية توحيد ألمانيا لسنة 1871). وجاء توحيد ألمانيا هذا على إثر انهيار الاتحاد السوفياتي الذي كانت ألمانيا الشرقية جزءً من معسكره السياسي والعسكري في إطار حلف وارسو، وقد تمت عملية التوحيد هذه من خلال معاهدة ما يسمى ب”معاهدة التسوية النهائية” التي وَقَّعَت عليها كل من روسيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، والتي كان من بين أهم شروطها أن تظل الأراضي التي كانت تدخل ضمن “ألمانيا الشرقية” بشكل دائم منزوعة من السلاح النووي والأسلحة التي من شأنها تهديد أمن روسيا .

الأحداث الأخيرة المتعلقة ببعض الخطوات التي بدأت ألمانيا تقوم بها من أجل نشر أسلحة الناتو على امتداد التراب الألماني بما في ذلك شرقًا، والتي تعتبر خرقا واضحا لاتفاق إعادة توحيد ألمانيا، من شأنها أن تُدخل المنطقة برمتها في نفق مظلم قد يتوج بتكرار السيناريو الأوكراني في ألمانيا ولكن بشكل أوسع وأخطر، لأن ألمانيا اليوم تعتبر عضوا في الحلف الأطلسي وتقع تحت حماية البند الخامس من معاهدة الحلف التي تعتبر الاعتداء على إحدى دول الحلف اعتداء على باقي الدول، وتستدعي الرد الجماعي، وخصوصًا أن المرور نحو ألمانيا لا بد أن يمر عبر بولونيا.

وبعيدا عن كون الحرب الروسية- الأطلسية تكاد تكون حتمية بحكم التطورات المتلاحقة، فإن الخطوات الألمانية تنم عن ثلاثة أشياء هامة:

أولها أن ألمانيا بهذا تكاد تكون فاقدة للسيادة، لأن خطواتها الأخيرة لا يمكن أن تنبع من تقييم سيادي للمصالح الوطنية بقدر ما تعبر عن خضوع أعمى من طرف برلين للأجندة الأمريكية وللرغبة في منافسة بولونيا على التحول إلى أكبر قوة عسكرية في أوروبا كما سبق أن صرح بذلك المستشار الألماني،

ثانيها أن ألمانيا لا تُقَدر ما يمكن أن يسفر عنه ذلك من تدمير لريادتها الاقتصادية على الصعيد الأوروبي والعالمي، وأن انهيار ألمانيا الاقتصادي يعني حتميا انهيار الاتحاد الأوروبي السياسي والاقتصادي، وثالثها أن روسيا، بحكم معرفتها بالوضع الذي تتمتع به ألمانيا كعضو في الحلف الأطلسي، لن تخوض معها حربا طويلة الأمد ولا حربا بالصواريخ الباليستية والمسيرات بل ستُفَعِّل موسكو مباشرة مقتضيات عقيدتها النووية الجديدة كما تمت المصادقة عليها من طرف الدوما قبل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، بما يعني التدمير التام والفوري لألمانيا قبل أن يرف جفن المستشار الالماني وأركان جيشه .

واتقاء لمصير مثل هذا، قامت موسكو باستدعاء السفير الألماني أمس على خلفية إنشاء مقرٍ للقيادة البحرية لحلف شمال الأطلسي في روستوك شرقي ألماني، وهو ما اعتبرته موسكو خرقا للاتفاق المذكور أعلاه، وأنه يمهد لتمدد الحلف الأطلسي نحو شرق ألمانيا وأنه قد يتوج بنصب أسلحة دمار شامل غير بعيد عن حدود روسيا.

لست أدري ما الذي ستقرره ألمانيا في هذا الشأن، وهل ستتراجع عن هذا القرار والقرارات المشابهة له والتي تدخل في إطار التصور الجديد من طرف برلين لدورها الاستراتيجي في أوروبا بعدما انحل عقد الحلف الفرنسي-الألماني أو يكاد، ولكن تقييمي للواقع، ولمدى استقلالية القرار السياسي في برلين يجعلني في الحقيقة جد متشائم حيال ذلك .