story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

هل كان العالم يوما قابلا للتنبؤ؟

ص ص

تبدو فكرة “القدرة على التنبؤ” في العلاقات الدولية وكأنها خرافة حديثة آمنا بها طويلا، ثم استيقظنا فجأة لنكتشف هشاشتها. فهل العالم اليوم هو الذي أصبح أقل تنبؤية، أم أننا نحن الذين استبشرنا واطمأنّت قلوبنا لفترة وجيزة في جزيرة من “الاستقرار الزائف” وظننا أنها القاعدة الثابتة؟

تاريخيا، كان التنبؤ هو التحدي الأكبر للعقل البشري؛ فمنذ فجر التاريخ والسياسة تعيش في حالة “سيولة” دائمة، حيث تنهار ممالك بمفاجأة غير متوقعة، كما حدث في “معركة عين جالوت” (1260م)؛ حيث أجبرت وفاة الخان الأعظم “مونكو خان” هولاكو على سحب جلّ جيشه للمشاركة في اختيار الخان الجديد، تاركا قوة صغيرة خلفه كُسرت هيبتها في لحظة لم يكن أحد يجرؤ على التنبؤ بها. أو تندثر حضارات ودول جراء كوارث طبيعية لم تخطر على بال، كما وقع في أوروبا العصور الوسطى مع ظهور “الموت الأسود” (الطاعون) عام 1347م؛ الذي أطاح بنصف سكان القارة، وهدم أسس النظام الإقطاعي الراسخ، وغير وجه الاقتصاد والسياسة في لحظة خاطفة لم تكن في حسبان ملوك ذلك الزمان.

وكما رصد المقريزي في مصر، فإن مثل هذه “الأوبئة والمجاعات” (كما في الشدة المستنصرية) كانت القوة الكامنة التي تمزق نسيج الدول بأسرع مما تفعل الجيوش الغازية.

بيد أن الفارق الجوهري يكمن في أننا، وبعد الحرب العالمية الثانية، شيدنا “جدران خرسانية” من القواعد والمؤسسات الدولية (مثل الأمم المتحدة، والنظام المالي العالمي) أوهمتنا بأن المستقبل أصبح مرسوما سلفا تحت مظلة “الأمن الجماعي”. بيد أن هذا الجمود المؤسسي بدأ يتصدع أمام زحف الواقع؛ فما نعيشه اليوم ليس مجرد “فوضى عارمة”، بل هو عودة العالم إلى طبيعته “الفجائية” بعد عقود من “التدجين السياسي” الذي حاول قولبة التاريخ في أطر بيروقراطية.

هذا الارتداد نحو “الأصل الفوضوي” أعاد فتح النقاش بين الفلاسفة والمؤرخين حول ما إذا كانت قدرتنا على التوقع مجرد وهم تبدده رياح الواقع. حيث ثمة تيار فكري يرى أننا نبالغ في وصف “اللايقين” الراهن؛ فالتاريخ في جوهره ليس إلا سلسلة من الصدمات العنيفة التي تباغت الجميع، وهو ما ينسجم مع مقولة أن الاستقرار هو “الاستثناء” وليس “الأصل”. وانطلاقا من هذه الرؤية التي تجعل من الاضطراب حتمية تاريخية، يتبنى هذا المنحى المؤرخ البريطاني نيل فيرغسون، الذي يصور التاريخ كنظام معقد يميل دوما نحو الانهيار المفاجئ، ليتقاطع في طرحه مع مفهوم “البجعات السوداء” لنسيم طالب؛ تلك الأحداث التي تقع خارج نطاق الحسابات لتقلب وجه البسيطة في لحظة.

وقد كان لعلماء المسلمين السبق في رصد “صعوبة التنبؤ” هذه؛ حيث سجل المقريزي في كتابه “إغاثة الأمة” رؤية استشرافية مبكرة لمفهوم “انهيار الأنظمة المعقدة”. فالمقريزي لم ير الكوارث كحوادث معزولة، بل كـ “تراكم عضوي” للخلل السياسي (فساد الإدارة والمحسوبية) والخلل الطبيعي (القحط والوباء)، محذرا من أن “الأمان دثار زائف”؛ إذ إن استقرار أي دولة قد يكون مجرد قشرة رقيقة تخفي تحتها غليان السخط وسوء التدبير الذي ينتظر شرارة واحدة لينفجر. بالنسبة للمقريزي، التنبؤ ليس رصدا للنجوم، بل هو مراقبة لمدى “نزاهة المؤسسات” وقدرتها على امتصاص الصدمات.

ومن هذه الرؤية المشرقية، نجد صداها في الغرب عند زلزال لشبونة 1755؛ ذلك الحدث الذي سرّع من أفول الإمبراطورية البرتغالية وهزّ أركان الفكر الأوروبي هزا عنيفا. فبسببه سقطت نظرية “التفاؤل الساذج” التي كان يروج لها “لايبنتز” (التي تزعم أننا نعيش في “أفضل العوالم الممكنة”)، وانبرى فولتير وكانط لمساءلة جدوى النظام العالمي والعدالة الإلهية، مما أدى في النهاية إلى تسريع علمنة الفكر السياسي الأوروبي وإعادة صياغة مفهوم “الدولة الحارسة” التي يجب أن تستعد للأسوأ بدلا من الركون لليقين.

ومن تلك الصدمة التي أعادت تشكيل فلسفة الحكم، ننتقل إلى رصاصة سراييفو 1914 التي وأدت تفاؤل العولمة الأولى وحولت شبكات التجارة المترابطة إلى خنادق دماء، وصولا إلى سقوط جدار برلين الذي باغت الجميع بانهيار قطب عظيم دون طلقة رصاص واحدة؛ هنا ندرك، بعين المقريزي وفلسفة لشبونة، أن فترات “النظام” لم تكن إلا “استراحات محارب” قصيرة في تاريخ طويل من الفوضى الأصلية.

وعلى الجانب الآخر، نجد أن ما نعيشه اليوم ليس “فوضى عارمة” بالمعنى العشوائي، بل هو “اضطراب الانتقال” الذي يرافق خريف الإمبراطوريات. هذا المخاض التاريخي يعكس حتمية الصراع حين تتآكل مراكز الثقل التقليدية؛ إذ يرى جون ميرشايمر وبول كينيدي أن العالم يفقد قدرته على التنبؤ لأن القوة المهيمنة تعاني من “التمدد الإمبراطوري المفرط”، مما يخلق فراغا يثير شهية الصاعدين ويجعل السلوك الدولي خارجا عن السيطرة.

وهنا تبرز عبقرية ابن خلدون حيث لم يرَ التاريخ كخط مستقيم بل كـ “دورة حياة” عضوية (صعود، نضج، ثم هرم). ومن رحم هذا المنطق الحيوي، توسع ابن خلدون في شرح كيف أن “الهرم” إذا نزل بالدولة لا يرتفع؛ فعندما تذوب “العصبية” (التي يمكن استبدالها اليوم بالاتفاق الوطني أو التحالفات الصلبة) في أتون الترف وانغماس النخبة في مصالحها الضيقة، تبدأ الدولة المركزية في فقدان هيبتها. وهذا التآكل الداخلي لا يلبث أن ينعكس على المحيط الخارجي؛ إذ يرى ابن خلدون أن هذا الانحلال يؤدي حتما إلى “الهرج والمرج”، حيث تبدأ الأطراف في التمرد وتظهر قوى جديدة لم تكن تُحسب لها حساب، مستغلة “تخلخل مركز القوة”.

هذا المشهد الخلدوني هو ما يفسر الخوف المتبادل بين “شيخوخة” القوة القائمة (أمريكا) و”فتوة” القوة الصاعدة (الصين)؛ حيث تنزلق القوى العظمى إلى قرارات انتحارية لا تخضع لمنطق الربح، بل لمنطق البقاء، مما يدخل العالم في دوامة تبتلع القواعد القديمة لتبصق قوى ونظم لم تكن يوماً في الحسبان.

وهذا الانسداد في أفق التنبؤ ليس مجرد أزمة سياسية عابرة، بل هو تجسيد لـ “سنة التدافع” التي صاغها المفكر والفقيه الأندلسي “أبو بكر الطرطوشي” في كتابه “سراج الملوك”؛ إذ يتقاطع مع ابن خلدون في رؤيته بأن “الدول لها أعمار كأعمار البشر”، مؤكدا أن السلطان (أو القوة المهيمنة) إذا دخل مرحلة “الهرم السياسي”، فإنه يبدأ في ارتكاب أخطاء فادحة نتيجة شعوره بالتهديد الوجودي، مما يسرع من زواله.

ويوسع الطرطوشي هذا المفهوم بربطه بين “اضطراب الأمن” وبين “تغير النحل والملل”، مشيرا إلى أن اللحظات التي يفقد فيها العالم بوصلته هي اللحظات التي تتصارع فيها “شرعية قديمة آخذة في الأفول” مع “قوة جديدة متعطشة للظهور”. ففي هذه المرحلة، لا يعود الصراع على الموارد فحسب، بل يصبح صراعا على “صورة العالم” القادمة، وهو ما يجعل السلوك الدولي غير قابل للقياس بالمعايير العقلانية، لأن القوة الهرمة تصبح مستعدة لحرق السفن خلفها لتعطيل صعود منافسها، مما يحول الساحة الدولية إلى “مسرح لليقين المفقود”.

وقد تجسد هذا الوعي بوضوح في خطاب “مارك كارني” رئيس وزراء كندا خلال منتدى دافوس، حين حذر من أن الأمان الحقيقي في هذا العصر لم يعد يأتي من الاحتماء بظلال الإمبراطوريات المتذبذبة، بل من بناء “حصانة سيادية” متكاملة. لقد رسم كارني ملامح البقاء في القدرة على تحصين الشرايين الحيوية للدولة –ماليا ورقميا ووطنيا– لجعلها عصية على “الانتقام الاقتصادي” أو الابتزاز الجيوسياسي الذي تمارسه القوى الكبرى في لحظات احتضارها.

وهنا يبقى السؤال قائما: إذا كان “وهم السيطرة” قد سقط فعليا، فهل تمتلك دولنا “المرونة السائلة” الكافية للملاحة في هذا البحر المتلاطم؟ وهل نحن مستعدون لقبول حقيقة أن التنبؤ الوحيد الممكن اليوم هو توقع “ما لا يمكن توقعه”؟ أم سنظل ننتظر عودة استقرار تاريخي أثبتت سنن المقريزي وابن خلدون أنه ليس إلا استثناء عابرا؟