story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

هل السقوط الأخلاقي مفتاح فهم الصراع الدولي الراهن؟

ص ص

كنتُ قد كتبت سابقا عن وعي الهامش   —في مقال بعنوان “العالمالإسلامي والوعي الكوني: دعوة للتمرد على وعي الهامش”— وعن أثر المكان في بناء الوعي، فالمكان ليس مجرد موضع جغرافي، بل شرط معرفي. ومن يقيم في الهامش لا يملك تلقائيا أدوات العبور النفسي والمعرفي نحو المركز، ولذلك لا يستطيع بناء وعي حقيقي بالعالم، بل يكتفي بوعي مشوه عنه، ذلك أن العالم لا يُفهم من هوامشه، بل بما يعتمل في مراكز نفوذه وقواه الكبرى.

فالمكان تجربة وجودية تؤسس لزاوية الرؤية، وتموضعنا على هامش العالم لا يحدّد موقعنا على الخريطة العالمية فحسب، بل يعيد تشكيل وعينا بالعالم نفسه وطريقتنا في تفسيره. وحين نقيم في الهامش نرى العالم من زاوية منخفضة مشوَّشة، تفتقر إلى أدوات الفهم الشامل، وهو ما يُنتج عائقا بنيويا أمام الناظر من دول الأطراف لإبصار العالم في صورته الكلية. ولا يتحرر المرء من هذا القيد إلا عبر وعيٍ نقديٍّ صارم بالتموضع—أو ما سمّيته التمرّد على وعي الهامش—حين ينتبه إلى موقعه في الخريطة وإلى محدودية الزاوية التي تُنتج أحكامه وتؤطر تأويلاته.

ويتأكد هذا القيد في كل مناسبة دولية، حيث يظهر الارتباك التحليلي والتبسيط المجحف، كما تتأكد صعوبة الإمساك بخيوط اللعبة الدولية. يسير المنتظم الدولي اليوم في منعرج كبير، حيث أخذت صخوره الضخمة تتحرّك بحثا عن توازنات جديدة، ولا أحد يدري على ماذا ستستقر. ويكتب بعضنا مفسِّرًا مسار العالم الراهن بما يسمّيه السقوط الأخلاقي للمنظومة الدولية، معتبرا هذا السقوط عنصر التحليل الرئيس للتحولات الجارية، ولا سيما في ضوء همجية العدوان الصهيوني التي عرّت شعارات الغرب وكشفت تناقضاته.

لكن، منذ متى كانت هذه المنظومة الدولية قائمة على الأخلاق حتى يصح تفسير سقوطها اليوم بسقوط تلك الأخلاق؟ هل منذ مآسي البوسنة والهرسك؟ أم منذ غزو العراق وما ترتّب عنه من قتل لمئات الآلاف وخراب واسع؟ أم منذ الدعم المزمن لأنظمة الاستبداد التي تؤمّن للمراكز مصالحها وتضمن استمرار نهب موارد الشعوب المقهورة؟ لقد كان هذا “السقوط الأخلاقي” جزءا بنيويا من اشتغال النظام، لا طارئا عليه.

ألم يصرّح رئيس وزراء كندا مؤخرا، بوضوح تام، بما يفيد أن المشكلة لم تكن جهلا بالحقيقة بل قبولا واعيا بها؟ كانوا يعرفون أن النظام الدولي غير عادل، وكانوا يتعايشون مع ذلك ما دام نصيبهم محفوظا من الغنائم—غنائم الضعفاء من دول الهامش. لم تُزعجهم فظاعة المعادلة الأخلاقية طالما كانت تُدار لصالحهم.

من هنا، فإن اتخاذ “السقوط الأخلاقي” للمنظومة الدولية نقطة انطلاق لفهم التحولات العالمية الجارية يبدو—في تقديري—منطلقا غير دقيق، لا يعكس بنية النظام الدولي بقدر ما يعكس تجربتنا نحن مع ظلمه الواقع علينا.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية فضح تهافت الشعارات الأخلاقية للقوة المهيمنة، ولا الانتقاص من الأساس الأخلاقي لما ينبغي أن تكون عليه هذه المنظومة، لكن “ما ينبغي أن يكون” شيء، و”ما هو كائن” شيء آخر.

فما الذي تغير اليوم إذًا؟

يرى المحللون في دول المركز أن المستجدّ الأكثر إرباكا للنظام الدولي هو صعود الصين بوصفها قوة عالمية تنافس القطب الأمريكي. وعليه، فإن تفسير ما يجري عبر مزاج رئيس أو فظاعة حرب تقع في هامش العالم المهيمن—من قبيل حماقة ترامب أو وحشية العدوان على غزة—يبقى تفسيرا قاصرا لا يمسّ “المتغيّر البنيوي” الذي يعيد ترتيب العالم.

لا شك أن أسلوب ترامب في إدارة الصراع، كما أن فظاعة العدوان الصهيوني، قد طبعت المشهد الدولي بلون فاقع، لكن إن كنّا نبحث عن التناقض الأكبر في بنية النظام الراهن، فالأجدر أن نفتّش عنه في الأسس التي قام عليها.

لقد أنشأت الولايات المتحدة سوقا عالمية ضخمة سمّتها “العولمة”، ونصّبت نفسها شرطيا لهذه السوق، أمّنت خطوطها التجارية، وحمت طرق إمدادها، ورسّخت قواعدها، وفرضت العقوبات على من يحاول الخروج عن نظامها أو إعادة تعريف شروطها. وكان كل شيء يسير على ما يرام ما دامت أمريكا هي المستفيد الأول من هذا الترتيب.

غير أن فاعلا جديدا دخل اللعبة من داخل قواعدها نفسها، تعلّم كيف يراكم القوة داخل السوق التي صاغتها أمريكا، وكيف يحوّل بعض أدوات الهيمنة إلى أدوات ارتداد على صاحبها، على طريقة فنّ القتال الصيني “تاي تشي”، الذي لا يكسر حركة الخصم من الخارج بل يعيد توجيهها من الداخل. ومع الزمن، أخذ هذا الفاعل يكبر ويتوسع حتى صار قاب قوسين من منافسة موقع “سيد السوق”. وتفهم أمريكا جيدا المعنى الحادّ لفقدان المركز الأول في نظام دولي “فوضوي”، فأن تُزاح إلى المرتبة الثانية ليس انتقالا رُتبيًا بسيطا، بل انتقالا من موقع صانع القواعد إلى موقع الخاضع لها.

ولهذا يذهب بعض المحللين إلى أنها لن تسمح بذلك، وأنها ما دامت تمتلك تفوقا عسكريا—ولو مؤقتا—يمكّنها من فرملة الصعود الصيني فلن تمتنع عن استعماله. وما الذي قد يزجرها؟ القانون الدولي؟ منذ متى زجر القانون الدولي الدول الكبرى؟ إن القانون الدولي، للأسف، لا يعمل قيدًا فعليا على القوى الكبرى، بل خطابًا يُستدعى حين يلائم المصالح ويُهمَل حين يصبح عائقا. ويكفي—لتمرير التحولات الصلبة—أن يُلقى العبء على “رئيس أحمق”، بينما الصراع في عمقه أعقد من نزوة فرد وأوسع من شخصية رئيس.

تتعامل القوى الكبرى مع العالم باعتباره سوقا تتنافس على زعامته والهيمنة على شروطه، فلا ينبغي أن نكتفي نحن، سكان الهامش، بنصر أخلاقي على مَن لا يفهم الأخلاق—في أحسن أحواله—إلا باعتبارها منفعة قومية ضيقة، ولو كان ذلك على حساب بقية شعوب العالم.

وعلى كل حال، لن يتأخر الخطاب الأخلاقي عن اللحاق بالواقع الذي يُفرض بالقوة. وبعد أن يأخذ المنعرج مداه ويستقر العالم على شكلٍ ما، سيبدع المنتصرون—كعادتهم—لغةً أخلاقية جميلة تبرّر هيمنتهم، وتخفي نفوذهم تحت مسميات قديمة/جديدة، وتعيد إنتاج السيطرة عبر مؤسسات دولية تُلطّف بشاعة الصورة، لا لتبني عدلًا عالميا حقيقيا، بل لتجعل العالم أقل فجاجة في وصف ما هو قائم بالفعل.

هل هي إذًا دعوة للاستسلام لواقع دولي ظالم؟ قطعًا لا.