story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رياضة |

نهائي “كان 2025”.. من ليلة تاريخية إلى أزمة كروية تنتظر نهايتها

ص ص

في عالم كرة القدم، عادة ما تحسم هوية البطل في النهائيات بجزئيات صغيرة، بقدر حجم الكرة نفسها، هدف قاتل، تمريرة حاسمة، أو حتى عبر ركلة ترجيح، ثم تطوى الصفحة نهائيا ويدون البطل في سجلات التاريخ، غير أن نهائي كأس أمم إفريقيا المغرب 2025، خرج عن هذا السياق تماما، ليتحول إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيدا في تاريخ اللعبة داخل القارة السمراء .

في تلك الليلة الممطرة، يوم 18 يناير 2026، على أرضية ملعب الأمير مولاي عبد الله بالعاصمة الرباط، لم يكن الصراع بين المنتخب المغربي والمنتخب السنغالي مجرد مواجهة على لقب، بل بداية لمسار طويل من الجدل، امتد من أرضية الملعب إلى مكاتب القرار داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، قبل أن يصل صداه إلى أروقة محكمة التحكيم الرياضي (طاس).

توتر مبكر

منذ لحظة اكتمال طرفي النهائي، لم تكن الأجواء طبيعية، فبعد عبور السنغال عقبة مصر هناك في أقصى شمال المملكة المغربية، مدينة طنجة، وتأهل المغرب على حساب نيجيريا في الرباط، كان يفترض أن تتجه الأنظار إلى قمة كروية بين منتخبين يملكان من الجودة والتوازن مايكفي ليكونا طرفي النهائي، لكن بدل ذلك، سارت الأمور على نحو معاكس للتوقعات خصوصا من منتخب السنغال، الذي يعرف باسم “أسود التيرانغا”، أي الأسود اللطيفة.

الوفد السنغالي، الذي كان يقيم في طنجة في ظروف مريحة، انتقل إلى فندق في الرباط اعتبره آنذاك “غير مناسب” لنهائي قاري بحجم كأس أمم إفريقيا. هذا الاعتراض لم يكن اعتراضا بسيطا، بل تحول إلى موقف رسمي، دفع المسؤولين إلى مراسلة الكاف، قبل أن يتم تغيير مقر الإقامة إلى فندق آخر.

ومع اقتراب موعد النهائي توالت الإعتراضات وزادت حدتها، إلى أن ظهرت نقطة خلاف أخرى تتعلق بملاعب التداريب، إذ طلب من المنتخب السنغالي خوض تدريباته في مركب محمد السادس لكرة القدم، وهو نفس المركز الذي يعتمد عليه المنتخب المغربي في تحضيراته، هذا الأمر أثار مخاوف واضحة لدى الجانب السنغالي، الذي تحدث عن غياب ما وصفه “بالسرية التكتيكية”، في إشارة إلى إمكانية كشف خططه.

في المقابل، شددت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم على أن جميع الترتيبات كانت محددة مسبقا، وأن أي تعديل تم فقط لتلبية طلبات المنتخب السنغالي، مؤكدة أن لا نية لأي تمييز أو أفضلية.

الوفد السنغالي، وفور وصوله إلى الرباط، لم تهدأ أجواءه كما كان منتظرا، بل ازدادت توترًا. فقد اعتبر أن “الترتيبات الأمنية لم تكن في المستوى المطلوب”، خاصة في محطة القطار، حيث تجمع عدد كبير من الجماهير حول الفريق، وهو أمر عادي بالنسبة لمنتخب له وزنه في القارة و يملك نجوما ينشطون في أقوى الدوريات العالمية

غير أن الاتحاد السنغالي لم يرى الأمور من هذا المنطلق، مادفعه إلى إصدار بيان رسمي عبر فيه عن “مخاوف جدية” بخصوص “عدة اختلالات”، من بينها التنظيم الأمني وعدد التذاكر المخصصة لجماهيره، وهو بيان غير معتاد في هذا التوقيت الحساس من البطولة.

غير أن رد الاتحاد الإفريقي لكرة القدم كان حازما، حيث أصدر بيانا أكد فيه أنه تعامل مع جميع الطلبات وفق المعايير المعتمدة، نافيا وجود أي تقصير من جانبه، لكن التوتر لم يتوقف عند البلاغات النافية، بل امتد إلى الندوات الصحافية، حيث انتقد مدرب السنغال بعض الظروف المحيطة بالمباراة، في حين دافع مدرب أسود الأطلس حينها، وليد الركراكي عن نزاهة المنافسة، رافضا أي حديث عن تفضيل منتخب على آخر.

وقبل ساعات من المباراة، تفجرت أزمة جديدة تتعلق بالحكم، بعدما تقدمت السنغال بطلب رسمي لتغييره، مستندة إلى سوابق سلبية معه، غير أن الطلب قوبل بالرفض، ليدخل يوم المباراة في أجواء مشحونة من جميع الجوانب.

نهائي الغضب

مع انطلاق النهائي، بدا واضحا أن كل ما سبق ترك أثره على أرضية الملعب، المباراة كانت قوية ومتكافئة من الجانبين، والحذر طغى على أداء المنتخبين معا، وسط صراع مفتوح على من سيعتلي المجد النهائي.

ومع اقتراب المباراة من نهايتها، جاءت اللحظة التي غيرت كل شيء، وهي اللحظة التي سقط فيها إبراهيم دياز داخل منطقة الجزاء نتيجة عرقلة واضحة من أحد لاعبي منتخب السنغال، عرقلة أكدها حكم اللقاء بإعلان ضربة جزاء للمنتخب المغربي بعد العودة إلى تقنية الفيديو المساعد “فار”.

هذا القرار كان نقطة التحول الحقيقية، بعدما احتج لاعبو السنغال بشدة كبيرة، معتبرين أن القرار غير منصف، قبل أن يتخذوا قرارا غير مسبوق بمغادرة أرضية الملعب بطلب من مدربهم بابي ثياو، في مشهد نادر في مباراة نهائية بهذا الحجم.

وعلى إثر ذلك، توقفت المباراة لأكثر من 15 دقيقة، وسط فوضى امتدت إلى المدرجات، حيث حاولت الجماهير السنغالية النزول للملعب باستعمال القوة، ما استدعى تدخل رجال الأمن لإعادة الأمور إلى حالها.

بعد الإنسحاب، عاد اللاعبون إلى أرضية الملعب، واستكملت المباراة وكأن شيئا لم يحدث، فأضاع إبراهيم دياز ضربة الجزاء التي سددها بطريقة “بانينكا” الشهيرة وسط صدمة كبيرة في المدرجات، قبل أن يتمكن المنتخب السنغالي من تسجيل هدف الفوز في الوقت الإضافي، ليحسم المواجهة ميدانيا.

قرار مؤجل

رغم نهاية المباراة وإعلان منتخب السنغال “بطلا” لكأس أمم إفريقيا المغرب2025، إلا أن الجدل لم يتوقف، بل دخل مرحلة جديدة أكثر تعقيدا، فقد تقدمت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم باحتجاج رسمي للإتحاد الإفريقي لكرة القدم “كاف”، اعتبرت فيه أن مغادرة لاعبي السنغال لأرضية الملعب تعد خرقا واضحا للوائح المعمول بها، ما يستوجب اعتبار الفريق منهزما.

في المقابل، تمسك الجانب السنغالي بموقفه، ولقبه الثاني، بعد الأول في تاريخه سنة 2021، معتبرا أن المباراة استكملت بقرار من الحكم، الذي لم يعتبر ما حدث “انسحابا رسميا”، وهو ما يجعل النتيجة النهائية صحيحة.

وبعد دراسة الملف، قررت لجنة الانضباط التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم تثبيت فوز السنغال، مع فرض عقوبات مالية وتأديبية بسبب الأحداث التي رافقت المباراة.

غير أن المغرب لم يتوقف عند هذا الحد، بل لجأ إلى لجنة الاستئناف التابعة لـ “الكاف”، ليصدر لاحقا قرار جديد يقضي باعتبار السنغال منهزمة بنتيجة 3-0 في هذا النهائي والمغرب بطلا لإفريقيا، وهو ما أدخل الملف في مرحلة أكثر تداخلا وتعقيدا.

هذا التضارب في القرارات كشف عن ارتباك واضح داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم “كاف”، الذي وجد نفسه أمام واحدة من أصعب القضايا في تاريخه، قضية كشفت الضعف الموجود رغم ما بني ويبنى إلى اليوم.

رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي اكتفى بالتأكيد على احترام قرارات اللجان، مشيرا إلى أن الحسم النهائي سيكون بيد محكمة التحكيم الرياضية (طاس) في سويسرا.

وفي انتظار هذا القرار، يعيش الطرفان واقعين مختلفين، السنغال احتفل باللقب وجال به شوارع داكار معتبرا نفسه بطلا لإفريقيا وسيدها، في وقت فضل فيه المغرب التريث، متمسكا بحقه القانوني.

هكذا، لم يعد نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 مجرد مباراة عادية، بل أصبح قضية مفتوحة، تتداخل فيها الرياضة بالقانون، والنتيجة بالقرار.

وبين فوز فوق أرضية الملعب، وآخر على مستوى الهيئات الكروية القارية المختصة، يبقى لقب النسحة الـ 35 من كأس إفريقيا للأمم معلقا، في انتظار كلمة الفصل من طرف محكمة التحكيم الرياضية “طاس” بلوزان السويسرية، وهو ما يجعل هذا النهائي التاريخي استثناء في تاريخ كرة القدم الإفريقية والعالمية.

*خديجة اسويس.. صحافية متدربة