نعيمة سميح.. أيقونة الأغنية المغربية التي عانقت سماء النجومية بصوت لا يفارق الذاكرة

أيقونة الأغنية المغربية وصاحبة البحّة الصوتية المميزة والحس المرهف التي غنت للحب والحياة والوطن وللإنسان أيضا… ترحل في الساعات الأولى من صباح السبت 8 مارس 2025، عن عمر يناهز 72 عامًا، بعد وعكة صحية حادة أُدخلت على إثرها إلى إحدى المصحات الخاصة بمدينة الرباط في دجنبر الماضي، إذ كانت تعاني منذ سنوات من مرض عضال.
ولدت نعيمة سميح سنة 1954 في درب السلطان بمدينة الدار البيضاء، حيث نشأت في كنف أسرة محافظة لم تكن ترى في الغناء مسارًا مقبولًا لابنتها، تزوجت في بداية مشوارها، من البطل المغربي في رياضة الدراجات مصطفى بلقايد، ورُزقت بابن وحيد، “شمس الدين”، إلا أن شغفها بالموسيقى كان أكبر من القيود العائلية، فبدأت رحلتها مع الفن في سن مبكرة، لم تتجاوز التاسعة من عمرها، قبل أن تلج الفن بصفة شبه رسمية في سن 16 من عمرها.
لم تواصل سميح دراستها، وغادرت مقاعد الدراسة في نهاية المرحلة الابتدائية، وبعد فترة من لزومها البيت، وجدت، بداية السبعينيات، طريقها في برنامج “مواهب” الذي كان يبث على شاشة التلفزيون، حيث كان عبد النبي الجيراري الذي ينشط البرنامج، أول من منحها فرصة الظهور عبر برنامجه، كما شاركت في برنامج إذاعي لاكتشاف المواهب الفنية كان يعده الإعلامي المعروف محمد البوعناني، لتلفت الأنظار ببحة صوتها، التي أصبحت لاحقًا علامتها المميزة.
لم يكن الطريق سهلًا، فقد واجهت الراحلة رفضًا عائليًا قاسيًا، وهي التي تنتمي إلى عائلة محافظة لم تكن لتتحمس لدخول ابنتها إلى عالم الفن، الذي كان ذكوريا بامتياز آنذاك، إلا أنها استطاعت فرض نفسها وبناء هوية خاصة بها، متأثرة بالإيقاعات المغربية الأصيلة والشعر الزجلي، ولم يوافق والدها على دخولها هذا المجال إلا بشرط أن تغني فقط الأغنية العصرية، وتحرص على اختيار شعراء وملحنين جيدين.
وخلال مسيرتها، تعاملت نعيمة سميح مع ملحنين عرفوا بحرصهم على استثمار الإيقاعات المغربية التراثية وصياغتها في قوالب حديثة مثل عبد القادر الراشدي، عبد القادر وهبي، أحمد العلوي، إضافة إلى تعاملها مع شعراء من أعلام الزجل، ومنهم أحمد الطيب العلج وعلي الحداني، مما مكنها في السبعينيات والثمانينيات، من أن تصبح واحدة من أبرز الأسماء في الساحة الغنائية المغربية، إلى جانب عبد الهادي بلخياط وعبد الوهاب الدكالي، ومحمد الحياني، وفتح الله المغاري، محمود الإدريسي، وعبد المنعم الجامعي، وغيرهم.
“ياك أجرحي”، تكاد تكون هي أشهر قطعة أدتها سميح خلال مسيرتها الفنية الحافلة، من ريبيرتوار غني بالأغاني العاطفية والوطنية والدينية، أشهرها “جاري يا جاري”، “ياك آجرحي”، “أمري لله”، “أحلى صورة”، “البحارة”، “راح”، “نحمدو ربي ونشكروه”، “على غفلة”، “غاب علي الهلال”، كما تعاونت مع ملحنين خليجيين، من بينهم يوسف مهنا، فكانت أغنية “واقف على بابك”.
وغنّت “جريت وجاريت”، و”نوارة”، مع محمد بنعبد السلام، ثم “شفت الخاتم وعجبني”، مع عبد الرحيم السقاط، كما غنت مع عبد القادر الراشدي أغنية “على غفلة”، ومع أحمد العلوي، غنّت “أمري لله”، كما غنّت “البحارة”، الأغنية التي وقفت عند قضية الصحراء المغربية، حتى أن الحسن الثاني اعتبرها إحدى أروع الأغاني الوطنية.
وفي عام 1977، أصبحت الراحلة أصغر فنانة عربية تغني على مسرح الأوليمبيا في باريس، بعد أم كلثوم وفيروز، كما دخلت عالم السينما، إلا أنها غادرته سريعاً، حيث شاركت في الفيلم الاستعراضي “الدنيا نغم” لمخرجه اللبناني سمير الغصيني سنة 1978.
حصلت نعيمة سميح عام 2007 على وسام الكفاءة الوطنية من العاهل المغربي محمد السادس تقديرا لمسارها الفني الحافل، وحظيت بالتكريم في العديد من المهرجانات داخل المغرب وخارجه على غرار مهرجان الدوحة للأغنية العربية الذي كرمها في العام 2007.
ورغم النجاح الكبير الذي حققته، لم تسعَ نعيمة سميح إلى الأضواء أو تحقيق الشهرة العابرة، بل ظلت مخلصة للأغنية المغربية، محافظة على اللون الأصيل في اختياراتها الفنية، إلى أن قررت في عام 2007، الاعتزال بهدوء، تاركة الساحة كما دخلتها.
كان آخر ظهور لها سنة 2016 ضمن تظاهرة “أصوات نسائية” في مدينة تطوان شمال المغرب، وبعدها غابت عن حفل تكريم لها برفقة الفنان الراحل محمود الإدريسي كان شعاره “ليلة وفاء”، حيث صرح ابنها شمس الدين عقب تلك المناسبة بأن والدته تركت عالم الغناء، ولن تعود إليه من جديد، بل إنها قررت عدم الظهور.
وفي سنواتها الأخيرة، عانت الراحلة نعيمة سميح من مرض عضال، حتى اختارت أن تودع الحياة في يوم الاحتفاء بالمرأة، لكن صوتها، الذي رافق أجيالًا، لن يموت، بل سيظل خالداً في ذاكرة محبيها وعشاق الفن المغربي الأصيل، وستظل أغانيها، التي تحكي قصص الحب والفرح والحزن، تعيدها إلى ذاكرة عشاقها في كل مرة تتردد فيها نغماتها.