ناصر الخليفي.. عراب زواج المال بالرياضة

ص
ص
ناصر الخليفي رئيس نادي باري سان جيرمان الفرنسي، يراه الكثيرون وفق فكرة نمطية قديمة، أي أنه مجرد “شاب” خليجي عابث منحدر من عائلة ثرية يبعثر أمواله على كرة القدم وعلى نجومها بغير حساب، ووجد في مصادر هذه الأموال القادمة من عائدات النفط والغاز في قطر، ما يشجعه على السعي نحو طموحات كروية بأي ثمن.
لكن الواقع يقول شيئا آخر، وتفاصيل حياة المالك القطري للنادي الباريسي تنفي كل هذه “الكليشيهات”، وترسم صورة أخرى مختلفة عن الرجل، فالخليفي بنى ثروته بمعزل عن أي دعم أسري أو رسمي من نظام الحكم في قطر، بفضل تكوينه الدراسي الجيد في الإقتصاد وعوالم المال والأعمال، وأيضا بفضل ذكائه الإستثماري وقدرته الكبيرة على العمل المتواصل، واندماجه في الثقافة الأوروبية من خلال سنوات عيشه في العاصمة الفرنسية باريس.
فمن أين جاء هذا المستثمر القطري الناجح؟ وما هي ظروف نشأته الأولى في الدوحة؟ ومن أين صنع كل هذه الثروة التي تضعه في لوائح مجلة “فوروبس” لأغنياء العالم؟ وكيف استطاع التحول إلى واحد من أشهر رجال الأعمال المستثمرين في كرة القدم وفي الرياضة بصفة عامة؟
ابن صيادي اللؤلؤ
وُلد ناصر غانم الخليفي في 12 نونبر من سنة 1973 في العاصمة القطرية الدوحة، وسط عائلة ممتدة، كان أبوه وجده وأعمامه فيها يمتهنون صيد اللؤلؤ في سواحل الإمارة الصغيرة، وهو الطريق الذي خالفه الشاب ناصر بالسعي إلى إتمام مساره الدراسي بالحصول على الماستر في الإقتصاد من جامعة الدوحة، الشيء الذي أهله للالتحاق رسميا بقناة الجزيرة عام 2003، وسجل إسمه صعودا لافتا في الأوساط القطرية بعد أن أصبح في العام التالي مديرًا لاستثمارات قطر الرياضية (QSI)، وهي شركة تابعة للصندوق السيادي القطري (QIA)، حيث تولى إدارة عقود التسويق وحقوق البث التلفزيوني للرياضة في قطر.
لاعب دولي في التنس
كان ناصر الخليفي منذ ريعان شبابه شغوفًا بالرياضة، وخصّص جزءًا كبيرًا من وقته لممارسة التنس بين عامي 1992 و2003. في هذه الفترة، كان على اتصال وثيق مع تميم بن حمد آل ثاني، ولي عهد قطر آنذاك ورئيس الهيئة القطرية للاستثمار، والذي أصبح فيما بعد أمير قطر.
بين عامي 1998 و2000، قام بالخضوع لعدد من التدريبات في نيس مع منتخب قطر الوطني، وشارك في العديد من المسابقات في البطولة الفرنسية للأندية. وكان تصنيفه الفرنسي في ذلك الوقت 2/6.
مثل ناصر قطر في كأس ديفيس لمدة 11 عامًا بين 1992 و2002، محققًا 24 فوزًا مقابل 47 هزيمة. كما شارك في خمس مباريات في المجموعة الثانية للمنطقة الآسيوية بين 1995 و1999.
في عام 1993، أصبح الخليفي أول لاعب تنس قطري يشارك في بطولة ATP في الدوحة. في منافسة زوجية مع اللاعب الروسي أندريه تشيركاسوف، خسر في الجولة الأولى. وبعد تلقي الدعم المالي من مؤسسات قطر، شارك الخليفي في العديد من البطولات الثانوية في أوروبا والشرق الأوسط.
وفي عام 1996، لعب مباراة في سانكت بولتن ضد النمساوي توماس موستار، المصنف الثاني في العالم آنذاك، حيث خسر في 36 دقيقة (6-0، 6-1). بعد أن شارك في التصفيات السبع لبطولة الدوحة، حصل في عام 2002 على بطاقة دعوة للبطولة الرئيسية حيث خسر أمام اللاعب الأوزبكي أوليغ أوغورودوف (6-1، 6-2).
هذه الهزيمة جعلته يحتل المركز 995 في تصنيف ATP في نوفمبر من نفس العام، كما أن ناصر الخليفي يشغل أيضًا رئيس الاتحاد القطري للتنس والإسكواش والريشة الطائرة، ونائب رئيس الاتحاد الآسيوي للتنس.
مؤسس شبكة “بي إن سبورت”
في عام 2006، أصبح ناصر الخليفي المدير العام لقناة الجزيرة الرياضية، حيث أنشأ 14 قناة وحصل على حقوق بث نحو خمسين مسابقة رياضية في إفريقيا والشرق الأوسط. وفي 1 يناير 2014، تم تغيير اسم قناة الجزيرة الرياضية إلى “بي إن سبورت أرابيا”.
وفي 1 يونيو 2012، تم إطلاق فرع في فرنسا تحت اسم “بي إن سبورتس فرنسا”، بهدف بث الدوري الفرنسي (ليغ 1)، حيث حصل على حقوق البث في آخر مناقصة تم عقدها مع رابطة الدوري الفرنسي لكرة القدم. كما تم تعيين شارل بييتري، الرئيس السابق لنادي باريس سان جيرمان، على رأس الفرع الفرنسي.
وفي نفس الوقت، حصل الخليفي على حقوق بث دوري أبطال أوروبا بين 2012 و2015 لفرنسا. في الواقع، بثت قناة “بي إن سبورتس” 133 مباراة من البطولة الأوروبية، مع حصولها على هذه الحقوق التي كانت تملكها قناة “كانال+” سابقًا بمبلغ 61 مليون يورو.
كما قامت “بي إن سبورت” بشراء حقوق بث الدوري الفرنسي الدرجة الثانية، الدوري الأوروبي، ثم الدوري الإسباني (الليغا)، والدوري الإيطالي (السيريا A)، مباراة من الدوري الألماني (البوندسليغا)، كأس إنجلترا، كأس كوبا ليبرتادوريس، المباريات الدولية، وبطولة يورو 2012.
الإستحواذ على “بي إس جي”
في عام 2011، أصبح ناصر الخليفي رئيسًا لمجلس الرقابة في نادي باري سان جيرمان بعد شرائه لبعض أسهم النادي تمهيدا للإستحواذ على جميع أسهمه، ثم تولى بعدها منصب الرئيس المدير العام، وخلال فترة توليه لهذا المنصب، بدأ بتعلم اللغة الفرنسية، وانخرط شيئا فشيئا في دواليب الكرة الفرنسية والأوربية وربط داخلها علاقات كثيرة، بعدما وضع أهدافًا طموحة منذ الأيام الأولى من ولايته، حيث حصل على ميزانية ضخمة من استثمارات قطر الرياضية (QSI)، المساهم الرئيسي الجديد في النادي، والتي بلغت 100 مليون يورو للتعاقد مع لاعبين في صيف 2011.
كان هدفه أن يفوز الفريق ببطولة الدوري الفرنسي، بالإضافة إلى جميع الكؤوس التي يشارك فيها النادي محليا.
ثم عين البرازيلي ليوناردو، القادم من نادي ميلان الإيطالي، مديرًا رياضيًا للفريق، حيث كان مسؤولًا عن تقييم عمل المدرب أنطوني كومبواري، الذي تم استبداله في منتصف موسم 2011-2012 بالمدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي، كما تم تعيين جان-كلود بلان لاحقًا مديرًا عامًا مفوضًا للنادي.
في هذه الفترة وصل العديد من اللاعبين الدوليين إلى باريس سان جيرمان في تلك الفترة، مثل سالفاتوري سيريجو، جيريمي مينيز، إزيكييل لافيتزي، لوكاس، تياغو سيلفا، وزلاتان إبراهيموفيتش. كان الخليفي يتحدث أيضًا عن بناء فريق على المدى الطويل ويريد الاستثمار في اللاعبين الشباب الموهوبين، حيث صرح مرارًا بأنه “يبحث عن ميسي الجديد”.
في البداية، كان يعتقد أنه عثر عليه في اللاعب خافيير باستوري، ولكن بعد ذلك بدأ يشكك في ذلك ويرغب في أن يستمر النادي في اكتشاف اللاعبين الموهوبين.
نجحت رؤية الخليفي للنادي في الأشهر الأولى من ولايته، حيث كان النادي يتصدر الدوري الفرنسي في فترة الشتاء، مما أثار ردود فعل إيجابية من الصحافة. كما زاد متوسط عدد الحضور في المباريات، وبدأ النادي في تنفيذ استراتيجية “التدويل”.
كما أصبح باريس سان جيرمان حديث وسائل الإعلام عندما دخل في منافسة مع العديد من الأندية الكبرى للتعاقد مع دايفيد بيكهام وكارلوس تيفيز. كما كان الخليفي يطمح لجعل النادي يحقق الأرباح “خلال ثلاث إلى خمس سنوات”، وهو هدف طموح بالنظر إلى أن النادي كان يعاني من الخسائر المالية منذ موسم 1997-1998.
نجوم وفشل أوروبي
رغم أن باريس سان جيرمان تحت قيادة ناصر الخليفي استطاع استقطاب أفضل نجوم العالم، فذلك لم يمكنه من تحقيق طموحه الكبير في الظفر بكأس رابطة الأبطال الأوربية، فحتى ليونيل ميسي ونيمار وديماريا و فيراتي وسيرخيو راموس وأشرف حكيمي وقبلهم كافاني وإبراهيموفيتش، كلهم كانوا يعرفون طريق الإقصاء قبل دور النصف إلا في العام 2021 عندما بلغوا النهائي وخسروا أمام باييرن ميونيخ القوي في سابقة لم تتكرر إلى اليوم.
التحول الذي وقع في باريس سان جيرمان، حدث بعد مجيء المدرب الإسباني لويس إنريكي المعروف بصرامته وقوة شخصيته، ورغبته الدائمة في السيطرة على مستودع الملابس التي يفرض بها مشروعه وتصوراته التقنية وخططه أثناء المباريات، فبدأ “بغربلة” التشكيلة من النجوم التي تلعب لنفسها ولا تقدم شيئا للفريق.
وأبعد كل من لا ينصاع لتعليماته وخططه التكتيكية (تسريب طريقة حديثه المنفرد الصارم مع كيليان مبابي)، واحتفظ بلاعبين عاديين لا ينتمون إلى نجوم الصف الأول، واشتغل معهم على طريقة لعب فعالة فيها الكثير من ملامح الكرة الشاملة التي يساهم فيها الجميع في الدفاع كما الهجوم.
وظهرت ثمار تركيزه على الإنسجام وروح المجموعة، ومقاومة اللحظات الضاغطة في المباريات الحارقة، وهكذا أصبح الفريق الباريسي يتوفر على طريقة لعب معروفة، وصار مستواه يتطور من مباراة لأخرى حتى أصبح يُضرَب له ألف حساب من طرف الجميع.
فروع رياضية أخرى
في يونيو 2012، أصبح ناصر الخليفي رئيسًا لنادي باريس هاندبول في دوري الدرجة الأولى، بعد استحواذ استثمارات قطر الرياضية (QSI) على النادي، ليصبح بذلك قسم كرة اليد في نادي باريس سان جيرمان. بفضل الخليفي، بدأ النادي في التعاقد مع لاعبين من فئة الأبطال العالميين مثل لوك أبالو، ديدييه دينار، صمويل هونروبيا، الإسباني أنطونيو غارسيا روبليدو والدنماركي ميكيل هانسن.
تم الاحتفاظ ببرونو مارتيني في منصب المدير العام للنادي، حيث تم التوصل مع الخليفي إلى اتفاق لجلب فيليب غاردنت ليشغل منصب المدير التقني للفريق. بدأت ميزانية النادي في تلك الفترة بثمانية ملايين يورو، وهو نفس ميزانية نادي مونبليي لكرة اليد.
كما أطلق ناصر الخليفي قسم الرياضات الإلكترونية لنادي باريس سان جيرمان بالتعاون مع مجموعة “ويبيديا”. وأعلن عن التعاقد مع لاعبين في لعبة FIFA، هما الدنماركي أوغست روزنماير والفرنسي لوكاس كوييليي. تحت إدارة اللاعب المحترف السابق في “ليغ أوف” بورايلوستار كيم، الذي سيقود الفريق نحو الدوري الممتاز ويعمل على إنشاء فريق متخصص.
مناصب وألقاب متعددة
بالإضافة إلى رئاسته لمجلس إدارة مجموعة “بي إن ميديا” القطرية، وأيضا لاستثمارات قطر الرياضية (QSI)، ومدير عام نادي باريس سان جيرمان الفرنسي (PSG)، فهو أيضا عضو في اللجنة التنفيذية للاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA) بصفته ممثلًا لرابطة الأندية الأوروبية، التي يشغل رئاستها منذ 21 أبريل 2021، كما أنه يتمتع أيضا في بلاده بمنصب وزير بدون حقيبة في الحكومة القطرية، بالإضافة إلى ذلك، يشغل ناصر الخليفي منصب رئيس “بريميير باديل”، وهو أكبر وأهم دوري احترافي للباديل في العالم.
وفي عام 2015، تم تصنيف الخليفي من قبل ESPN في المرتبة السابعة ضمن قائمة أكثر الشخصيات تأثيرًا في عالم كرة القدم. كما أن مجلة “فرانس فوتبول” صنفته في ماي 2020، كأكثر شخصية تصنع تحولات مؤثرة في كرة القدم الأوروبية. وحصل أيضا على جائزة “مبتكر العام في مجال الرياضة” من مجلة “سبورت بيزنس إنترناشونال” سنة 2011.