ميسي ويمال.. النبوءة
المعجزات لا تأتي دائما من خارج قوانين العالم. بعضها يبدأ بورقة صغيرة نملأها، أو حافلة عابرة للحدود نركبها، أو حقنة دواء نتجرّعها، أو قرعة لا ينتبه إليها أحد نشارك فيها. ثم تمضي السنوات، وتتداخل الطرق التي بدت متباعدة، حتى يجتمع طرفا الحكاية في ليلة واحدة، تحت أضواء العالم كله، فيبدو الماضي كأنه كان يرتب المشهد على مهل.
لهذا لم يكن نهائي كأس العالم بين إسبانيا والأرجنتين ليلة أمس مجرد مباراة دبّرتها الخطط والتداريب والأندية والميزانيات. بل كان وراءه، بلا شك، عمل طويل ونَفَس مؤسساتي واستثمار في الإنسان قبل اللاعب. وكانت إسبانيا الأجدر بالكأس لأنها بنت فريقا لا ينتظر المعجزة، بل يصنع شروطها، عبر منظومة تعرف كيف تكتشف الموهبة، وكيف تصبر عليها، وكيف تحميها من الهدر، ثم كيف تحوّلها من وعد هش إلى قوة جماعية.
لكن ما أحاط بذلك النهائي تجاوز ما تستطيع غرف التحليل تفسيره. ثمة شيء أقرب إلى الحكاية منه إلى المباراة. رجل في التاسعة والثلاثين، يقف عند آخر درجات السلم، وفتى بالكاد أتم التاسعة عشرة قبل النهائي بستة أيام، يضع قدمه الأولى على طريق لا يعرف أحد أين سينتهي.
وبين الرجل والفتى صورة التقطت قبل نحو 19 عاما، كان فيها الأول شابا خجولا يحمل الثاني رضيعا، ويساعد أمه على تحميمه في حوض بلاستيكي أزرق. كأن الزمن أخرج الصورة من درج قديم، ووضعها أمامنا ليقول إن بعض النهايات تكون مختبئة في البدايات.
يبدو ميسي في تلك الصورة القديمة مترددا أمام الطفل. لم يكن قد اعتاد حمل الرضّع، وكان هو نفسه ما يزال طفلا في حضرة المجد. كان في التاسعة عشرة، لم يحصل بعد على الكرة الذهبية، ولم يرفع كأس العالم، ولم يتحول إلى أحد أشهر الوجوه التي عرفتها البشرية.
وكان لامين يمال في شهره الثالث، لا يعرف من العالم سوى حضن أمه، ولا يعرف أن الشاب المرتبك الذي يحمله سيصبح أسطورة، وأنه سيقف أمامه بعد تسعة عشر عاما في أكبر مباراة يمكن أن يلعبها إنسان عاش فوق الكرة الأرضية.
كان اللقاء ثمرة قرعة نظمت في سياق نشاط لفائدة اليونيسف. وكان يمكن أن يقع اختيار الأسرة على رونالدينيو أو تشافي أو إنييستا أو بويول أو غيرهم من نجوم برشلونة. لكن القرعة دفعت بالرضيع إلى ميسي، وظلت الصورة شبه منسية، حتى عاد الطفل نفسه لاعبا في برشلونة وقائدا لهجوم إسبانيا.
وفي التاسع عشر من يوليوز 2026، كان يمال في التاسعة عشرة، يواجه الرجل الذي حمله وهو في التاسعة عشرة أيضا. أما الرقم 19، فكان الرقم الذي حمله ميسي مع برشلونة في السنوات التي سبقت انتقاله إلى القميص رقم 10.
يشبه المشهد، من بعيد وبشيء من التفكير الرمزي، حكاية فرعون وموسى. رجل يحمل رضيعا سيأتي يوم يقف فيه في الجهة المقابلة ليواجهه. لم يكن ميسي فرعونا، ولم يكن يمال نبيّا ولا خصما خرج من بيت النجم الأرجنتيني ليهدم ملكه. كان كلاهما ابنا ليد واحدة امتدت إليهما اسمها إسبانيا.
الأول وصل إليها مهاجرا صغيرا، والثاني وُلد فيها بعد أن شقت جدته طريق الهجرة قبله. لم يكن اللقاء مواجهة بين صاحب فضل ومن تلقى الفضل، بل بين ثمرتين مختلفتين للشجرة نفسها.
جاء ميسي إلى برشلونة في الثالثة عشرة، قادما من روساريو، بجسد صغير وعليل، وموهبة أكبر من احتمالات أسرته. كان يعاني نقصا في هرمون النمو، ويحتاج إلى علاج لا تستطيع العائلة تحمّل كلفته بصورة مستقرة.
فعلت برشلونة كل شيء. تكفلت بالعلاج، وساعدت الأسرة على الاستقرار، وأدخلت الطفل إلى “لاماسيا”، ومنحته الوقت الذي تحتاجه الموهبة حتى تخرج من ضعف الجسد. وقبل ذلك كله، صدقت أن وراء ذلك الصبي الانطوائي ما يستحق المخاطرة.
لم تصنع إسبانيا ميسي من العدم؛ فالعبقرية لا تُستورد من المصانع. لكنها أعطت الطفل ما لا تستطيع الموهبة أن تمنحه لنفسها، من علاج، واستقرار، وأمان… وحين صار الرجل الذي يعرفه العالم، ظل أرجنتينيا. احتضنته إسبانيا دون أن تمحو روساريو من قلبه، ومنحته برشلونة لغته الكروية، لكنه حين اضطر إلى الاختيار اختار علم مولده.
أما لامين يمال، فلم يأت إلى إسبانيا مهاجرا. بل أتاها نطفة، وولد فيها. لكن طريقه نحو نهائي كأس العالم بدأ قبل ولادته، حين غادرت جدته المغربية فاطمة بلدها وحيدة، وتسللت إلى حافلة، وعبرت الجزيرة الخضراء وغرناطة حتى وصلت إلى ماتارو.
اشتغلت الجدة صباح مساء، وفي الليل والنهار، لا لتصنع نجما لم تكن تعلم أنه سيخرج من صلب ابنها، بل لتجمع أسرة. وحين وفرت ما يكفي، أحضرت طفلها منير وشقيقته من المغرب. كان منير في سنّ الثالثة؛ كبر في إسبانيا، ثم التقى شيلا إبانا، القادمة من غينيا الاستوائية، ومن التقائهما وُلد الطفل الذي سيحمل لاحقا القميص الإسباني.
وراءه لامين يمال إذن أب مغربي حملته الهجرة طفلا، وأم غينية اشتغلت في وظائف متواضعة، وحي عمالي متعدد الأعراق، كان يُنظر إليه طويلا بوصفه عنوانا للهامش، قبل أن يحوله يمال إلى رقم يرفعه بيديه كلما سجل: 304، الأرقام الأخيرة من رمزه البريدي.
لا يرفع يمال الرقم ليقول إنه نجا من الحي، بل ليقول إن الحي نجح معه. لا يخفي الفتى اليافع العلم المغربي ولا الغيني، ولا يرى في اختياره إسبانيا نفيا لأصوله الإفريقية. إنه يحمل الطبقات الثلاث في جسد واحد: المغرب في سيرة الأب والجدة، وغينيا الاستوائية في الأم، وإسبانيا في الميلاد واللغة والمدرسة والمنتخب.
في النهائي، وقف البلد الذي أنقذ موهبة ميسي أمام البلد الذي اختاره ميسي، ممثلا بفتى أنقذت المنظومة نفسها موهبته من هامش اجتماعي مختلف. كأن إسبانيا كانت تواجه في الرجل جزءا من نجاحها القديم، وتدفع في الفتى بجزء من نجاحها الجديد.
لذلك لم تكن المباراة بين ميسي ويمال وحدهما. بل كانت بين مرحلتين من عمر بلد نهض من تحت أنقاض التخلّف. بين عبقرية فردية طبعت عصرا كاملا، ومنظومة تريد أن تثبت أن المستقبل لا ينتظر ولادة العبقري نفسه مرة أخرى. وبين مهاجر وصل ومعه مرضه وحلمه، وحفيد مهاجرة وصلته ثمرة تعبها بعد جيلين.
حين فازت إسبانيا، لم يكن المعنى أن يمال هزم الرجل الذي حمله رضيعا. بل المعنى الأعمق أن المجتمع الذي مد يده مرة إلى طفل قادم من وراء المحيط، مدها مرة أخرى إلى طفل خرج من حي المهاجرين. استثمر في الإمكان، وترك للزمن أن يقدم العائد.
هذا هو الدرس الذي يتجاوز كرة القدم. البلدان لا تعرف دائما أي طفل سيصبح ميسي، ولا أي حي سيخرج منه يمال. لذلك لا يكون الاستثمار العادل في الإنسان رهانا على النوابغ وحدهم، بل ببناء شروط تسمح لكل موهبة بأن تظهر.
لقد كان ميسي في الصورة يمسك رضيعا لا يعرف اسمه. ولم تكن أم لامين تعرف أن الشاب الخجول أمامها سيصبح أسطورة. ولم يكن المصور يعرف أنه يلتقط صورة ستبدو لاحقا كأنها خرجت من أسطورة قديمة.
شبّهت الفيفا المشهد بالمباركة، وبعد النهائي، تعانق الرجل والفتى. تعانق المنتصر والمهزوم، البداية والنهاية… رأينا الماضي وهو يسلم على المستقبل.