story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

من حلم أوروبا إلى خيام سبتة.. مغاربة يعيشون على هامش الحياة

ص ص

على أطراف سبتة المحتلة حيث ينتهي الطريق بالنسبة إلى كثيرين ويبدأ المجهول تنتصب خيام بدائية لا تشبه المكان الذي تخيله أصحابها حين قرروا مغادرة المغرب في هجرة جماعية آواخر يوليوز 2026. قطع من القصب والكرتون وأغطية متفرقة تحولت إلى ملاجئ مؤقتة لشباب ونساء وأطفال في انتظار فرصة للعبور إلى الضفة الأخرى.

ولا توفر هذه الخيام سوى حماية محدودة من أشعة الشمس وبرودة الليل، فيما يواجه قاطنيها ظروفا قاسية تتداخل فيها الحرارة والجوع وغياب أبسط شروط الراحة وقلق بشأن المستقبل وما يمكن أن ينتظرهم في حال العودة.

جزء من هذا الواقع القاسي، الذي تجري أحداثه فوق أرض يفترض أن تكون جزءا من الوطن، نشرته صفحة «ماروكـانا» على موقع “فايسبوك. مشاهد مؤلمة من داخل مخيم عشوائي بأطراف سبتة المحتلة، يعيش فيه مجموعة من المهاجرين بينهم شباب ونساء وحتى أطفال.

ووثق الفيديو جانبا من حياة هؤلاء المهاجرين الذين يتقاسمون الظروف نفسها في فضاء يغلب عليه الاكتظاظ وارتفاع درجات الحرارة، حيث شيدت الخيام بمواد بسيطة، بينها القصب والكرتون وكل ما يمكن أن يوفر بعض الظل أو يحمي من تقلبات الطقس.

طوابير طويلة من أجل قطعة خبز

خارج الخيام، تبدو آثار التعب واضحة على عدد من الأشخاص الذين ينتظرون دورهم للحصول على الطعام حيث يصطف المهاجرون المغاربة تحت أشعة الشمس جاثين على ركبهم في انتظار الحصول على قطعة من الخبز وبعض الحليب وقد يبقى بعضهم لساعات تصل أحيانا إلى أربع أو خمس ساعات في نفس الوضعية من أجل الحصول على ما يسد رمق الجوع .

وتختزل هذه اللحظات جانبا من واقع يعيشه أشخاص غادروا المغرب بحثا عن ظروف عيش أفضل ليجد بعضهم نفسه في انتظار مفتوح لا يعرف متى ينتهي ولا إلى أين يقوده.

أسماء.. أم تركت أبناءها خلفها

وسط هذه الوجوه هناك أسماء امرأة تنحدر من مدينة فاس تحمل قصتها أسباب مختلفة وراء وجودها في هذا المكان وتحكي أنها تعرضت في المغرب لسرقة هاتفها، وأن محاولتها استرجاعه انتهت بتعرضها للضرب على مستوى الوجه، بسلاح أبيض، قبل أن يتم توقيف المتهم من طرف الشرطة لكن أفراد عائلته لم تتقبل ذلك وبدأت في تهديدها والبحث عن الانتقام منها.

إلى جانب هذه القصة يوجد الوضع الاقتصادي الذي كان أحد الأسباب التي دفعت أسماء للبحث عن حياة أخرى، إذ تقول إنها لم تتمكن في المغرب من العثور على فرصة عمل تتيح لها إعالة أبنائها وإن ما كانت تكسبه لم يكن كافيا لمواجهة تكاليف المعيشة والكراء.

هذا الأمر دفعها إلى مغادرة فاس والتوجه نحو شمال المغرب حيث أقامت لنحو عامين ونصف، قبل أن تجد طريقها إلى المنطقة التي توجد فيها حاليا. ورغم الظروف الصعبة التي تعيشها داخل المخيم إلا أنها تشعر بأنها محمية في المكان الذي توجد فيه الآن، ولا تريد العودة إلى الوطن، مسقط الرأس وأرض الأجداد.

وترافق أسماء ابنتها الصغيرة، فيما تركت ولدين آخرين في المغرب. وبصوت تختلط فيه المخاوف بالندم توجه رسالة إلى أبنائها قائلة: «اسمحوا لي، وإذا يسر الله سأعود لاصطحابكم معي». لكن العودة بالنسبة إليها ليست خيارا مطروحا. فهي ترى في الوصول إلى إسبانيا فرصة لإنقاذ حياتها وحياة أطفالها حتى لو كان واقعها الحالي لا يتجاوز خيمة تستعد للنوم فيها رفقة ابنتها.

من حلاق إلى بائع متجول

قصة أسماء ليست سوى واحدة من بين قصص كثيرة داخل المخيم، شاب آخر يبلغ من العمر 21 عاما يعيش بدوره داخل هذه الخيام كان يعمل حلاقا في مدينة الدار البيضاء، أما اليوم فأصبح بائعا متجولا داخل المخيم.

وعن دوافعه، يتحدث الشاب عن غياب الأمل في المستقبل وقلة فرص العمل، معتبرا أن ما شاهده من تجارب أشخاص أكبر منه سنا جعله يعيد التفكير في مستقبله وفي الحياة التي يريد أن يعيشها. وبالنسبة له لم يكن البحث عن أوروبا مرتبطا بالمال فقط بل كان أيضا بحثا عن الاستقرار وعن معاملة أفضل.

معتبرا أن المعاملة التي تلقاها في المكان الذي يوجد فيه حاليا كانت أفضل حسب شهادته مما عاشه سابقا في مدينته الأصل.

أوروبا.. بين الصورة والحقيقة

يحمل كثير من هؤلاء الأشخاص معهم تصورا عن أوروبا باعتبارها مساحة للاستقرار والعمل وبناء حياة جديدة غير أن الواقع الذي وجدوا أنفسهم فيه يبدو مختلفا تماما. فبدلا من الاستقرار يعيش بعضهم داخل خيام مؤقتة وينتظرون الطعام لساعات تحت الشمس ويواجهون ظروفا صعبة خلال الليل بينما يبقى مستقبلهم معلقا على أمل العبور.

وفي تلك المخيمات، لا تبدو الهجرة قصة واحدة ولا يحمل جميع الموجودين فيه الدافع نفسه لكن تتقاطع حكاياتهم عند واقع واحد: حياة مؤقتة امتد انتظارها وخيام لا توفر سوى الحد الأدنى من الحماية وأجساد أنهكها الحر والجوع وأسر تنتظر أخبار أبنائها في الجهة الأخرى.

وبينما تبدو سبتة بالنسبة إلى كثيرين مجرد محطة في طريق الهجرة، تحولت بالنسبة لهم إلى مساحة عالقة بين مرحلتين عدم الوصول إلى الحياة التي حلموا بها وفي الوقت نفسه لا يرون في العودة حلا لمشاكل دفعتهم إلى الرحيل.

*شيماء الحياني.. صحافية متدربة