story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
دولي |

من اختراق معاقل الجمهوريين إلى تقييد ترامب.. ماذا تعني عودة الديمقراطيين للكونغرس؟

ص ص

استعاد الحزب الديمقراطي السيطرة على مجلسي الكونغرس الأمريكي، عقب نجاحه في انتزاع الأغلبية من الجمهوريين خلال الانتخابات النصفية التي جرت يوم الثلاثاء 3 نونبر 2026، في تحول سياسي بارز يضع الرئيس دونالد ترامب أمام واقع تشريعي جديد خلال العامين الأخيرين من ولايته.

وتمكن الديمقراطيون من قلب سبعة مقاعد على الأقل في مجلس الشيوخ كانت تحت سيطرة الجمهوريين، لاسيما في ولايات ظلت لعقود معاقل تقليدية للحزب الجمهوري، مثل تكساس وكانساس وساوث كارولاينا، إلى جانب أيوا وأوهايو ومين ونورث كارولاينا.

كما حقق الحزب مكاسب تجاوزت عشرين مقعداً في مجلس النواب، شملت دوائر سبق أن صوتت لصالح ترامب بفوارق مريحة في الرئاسيات الأخيرة.

اختراق المعاقل التاريخية

وفي هذا الصدد، يرى حمزة الأنفاسي، الباحث في العلوم السياسية والمهتم بالشأن الأمريكي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن الانتخابات شكلت محطة تاريخية للحزب الديمقراطي بفضل قدرته على اختراق قلاع جمهورية صلبة.

وأوضح الأنفاسي أن الديمقراطيين استطاعوا اختراق معاقل تاريخية للحزب الجمهوري، خصوصاً في تكساس وساوث كارولاينا، و”تحديداً في كانساس التي لم ترسل سيناتوراً ديمقراطياً إلى مجلس الشيوخ منذ عام 1932″.

وأشار إلى أن ولاية تكساس لم تنتخب هي الأخرى سيناتوراً ديمقراطياً منذ عام 1988؛ حيث شهدت السباقات الأخيرة فوز المرشح الديمقراطي الشاب جيمس تالاريكو، بالتوازي مع تحولات مماثلة في ساوث كارولاينا التي شهدت غياباً ديمقراطياً عن مجلس الشيوخ لعدة عقود.

وبين المحلل السياسي أن أهمية هذه النتائج تتضاعف بالنظر إلى طبيعة السلوك الانتخابي في الاستحقاقات النصفية؛ إذ يُعد من المعتاد والمألوف أن ينتصر حزب المعارضة في انتخابات مجلس النواب، غير أن الحسم في مجلس الشيوخ “جاء بعد منافسة محتدمة في 12 سباقاً رئيسياً، تمكن الديمقراطيون خلالها من قلب 7 مقاعد لصالحهم”.

ولفت الأنفاسي إلى أن اختراق الديمقراطيين لولايات مثل نورث كارولاينا، وساوث كارولاينا، وكانساس، وتكساس، وأوهايو؛ “وهي مناطق معروفة تاريخياً بولائها للجمهوريين وصوتت لصالح ترامب في الانتخابات الرئاسية الأخيرة”، يعكس الوقع الكبير لهذه الانتخابات النصفية.

غلاء المعيشة وتبعات حرب إيران

وفي تفسيره لأسباب تراجع الجمهوريين، ربط الأنفاسي نتائج الانتخابات بالوضع الاقتصادي الضاغط وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن القدرة الشرائية مثلت الموجه الأساسي لسلوك الناخبين داخل صناديق الاقتراع.

وأوضح الأنفاسي أن “غالبية الأمريكيين يصوتون وفق ما يُعرف بـ ‘Pocketbook voting’، أي التصويت بحسب الوضع المالي للجيب”، مضيفاً: “لمستُ هذا الأمر بنفسي خلال زيارتي الشهر الماضي إلى الولايات المتحدة، حيث لاحظتُ مدى معاناة المواطنين من موجة غلاء الأسعار، ولا سيما الارتفاع الحاد في أسعار المحروقات، وتحديداً الديزل”.

وشدد الباحث في العلوم السياسية على المركزية الاقتصادية للديزل في الولايات المتحدة، موضحاً أنه “يُعد الوقود الأساسي لشرايين الاقتصاد الأمريكي؛ فهو العصب الرئيسي لقطاع النقل والعمليات الزراعية داخل الحقول وتشغيل الآلات الفلاحية، فضلاً عن شحن ونقل كافة المنتجات والسلع”.

وعزى الأنفاسي هذا الارتفاع إلى القرارات الخارجية لإدارة ترامب، قائلاً إن “هذا التضخم يعزى بالأساس إلى الحرب التي خاضها ترامب ضد إيران، وهي الحرب الأقل دعماً وشعبية من قِبل الأمريكيين في تاريخ الولايات المتحدة”.

تبعات حرب إيران وإبادة غزة

ويأتي ذلك في وقت أضافت فيه الحرب على إيران ضغوطاً اقتصادية وسياسية متزايدة على الإدارة الجمهورية؛ إذ أدت الاضطرابات الممتدة في سلاسل توريد النفط بالشرق الأوسط إلى قفزات قياسية في أسعار الوقود محلياً.

وبلغ متوسط سعر البنزين، حسب وكالة أسوشيتد برس، 4.33 دولارات للغالون؛ بزيادة 45% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، بينما ارتفع سعر الديزل بنسبة 68% ليصل إلى 6.33 دولارات للغالون، مما انعكس مباشرة على تكاليف نقل البضائع والخدمات الأساسية عبر الولايات.

وعلى الصعيد السياسي، عكس هذا السخط الاقتصادي تراجعاً واسعاً في الشارع الأمريكي؛ حيث كشف استطلاع لمركز “بيو” للأبحاث أن 65% من الأمريكيين يرفضون طريقة إدارة ترامب للعمليات العسكرية ضد إيران، بينما أعرب 73% عن قلقهم البالغ من تداعيات الحرب على أسعار الوقود.

وامتد ذلك إلى داخل أروقة الحزب الجمهوري نفسه؛ إذ حمّل نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، المواجهة العسكرية مسؤولية الانتكاسة الانتخابية، ملخصاً المشهد في تدوينة عقب إعلان النتائج بقوله: “سبب خسارتنا هو الحرب”.

إلى جانب ملف إيران، ألقى الاستقطاب حول السياسة الخارجية بظلاله على الحملات الانتخابية، ولا سيما موقف الإدارة من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة واستمرار الدعم العسكري الأمريكي لتل أبيب.

وبرز هذا الملف بوضوح في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان؛ حيث ارتكز المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد في حملته على معارضة المساعدات العسكرية غير المشروطة لإسرائيل ووصف العمليات العسكرية في غزة بالإبادة الجماعية، في حين سعى منافسه الجمهوري مايك روجرز لاستقطاب الناخبين المتخوفين من تلك المواقف.

ضعف المرشحين والرمزيات التاريخية.. كيف تهاوت قلاع الجمهوريين؟

الجمهوريون تحت الاختبار

وإلى جانب العامل الاقتصادي، عزا الأنفاسي تراجع الجمهوريين إلى طبيعة ونوع المرشحين الذين دفع بهم الحزب، مؤكداً أن خيارات ترامب الشخصية أربكت الحسابات الانتخابية في عدة سباقات رئيسية.

وقال الأنفاسي إن “هناك محددٌ آخر لخسارة الجمهوريين يتعلق بطبيعة وجودة المرشحين الجمهوريين الذين اختار جزءاً كبيراً منهم دونالد ترامب بنفسه؛ فقد اختار ترامب كين باكستون في تكساس، وأخت السيناتور الراحل ليندسي غراهام في ساوث كارولاينا، بالإضافة إلى مرشحين آخرين كانت جودتهم ضعيفة”.

وأوضح الباحث أن هذا الضعف الميداني منح المنافسين الديمقراطيين فرصة أكبر لإقناع القواعد الانتخابية، “كما ظهر بوضوح في تكساس مع جيمس تالاريكو، وفي ميشيغان مع عبد الرحمن السيد، وفي سباقات أخرى”.

وعلى مستوى التطبيق العملي لهذه الاختيارات، اعتمد ترامب في ساوث كارولاينا على دعم دارلاين غراهام (شقيقة السيناتور الراحل ليندسي غراهام)، غير أن المرشحة الديمقراطية آني أندروز تمكنت من انتزاع المقعد، لتصبح أول امرأة تمثل الولاية في مجلس الشيوخ.

وتكرر المشهد في تكساس بانتصار جيمس تالاريكو على كين باكستون، وفي ميشيغان بفوز عبد الرحمن السيد على منافسه الجمهوري مايك روجرز.

رمزية تاريخية

ولم تقتصر النتائج على إعادة رسم الخريطة الحزبية، بل تجاوزتها لتسجيل انتصارات تاريخية غير مسبوقة على مستوى التمثيل السياسي والتنوع الديمغرافي داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية.

وفي هذا الصدد، توقف الأنفاسي عند الأبعاد الرمزية للنتائج، مشيراً إلى أن “هذه الانتخابات شهدت نجاح أول سيناتور مسلم في تاريخ الولايات المتحدة وهو عبد الرحمن السيد في ميشيغان”، إلى جانب فوز أول حاكمة ولاية من أصول السكان الأصليين في نيو مكسيكو، في إشارة إلى ديب هالاند.

هذا بالإضافة إلى كشيا لانس بوتومز “كأول حاكمة من أصول أفريقية في تاريخ الولاية”، فضلاً عن وصول جيمس تالاريكو إلى مجلس الشيوخ بعمر 37 سنة.

حضور لافت للمسلمين

وتسجل نتائج الانتخابات النصفية قفزة نوعية في حضور المسلمين داخل الكونغرس، بعد تمكن سبعة مرشحين من الفوز بمقاعد في المؤسسة التشريعية بمجلسيها.

وتتوزع هذه الخريطة بين عبد الرحمن السيد، السيناتور عن ولاية ميشيغان، وهو أمريكي من أصول مصرية، ولد ونشأ في ميشيغان لأسرة مصرية مهاجرة؛ وآدم حموي، النائب عن نيوجيرسي، وهو طبيب أمريكي من أصول مصرية ولد في القاهرة وانتقلت أسرته إلى الولايات المتحدة عندما كان رضيعا.

وتضم القائمة أيضا دارياليزا أفيلا شوفالييه، النائبة عن نيويورك، وهي أمريكية من أصول دومينيكانية، وتنتمي إلى خلفية أفرو-لاتينية، إذ تعود أصول والديها إلى جمهورية الدومينيكان، وقد اعتنقت الإسلام؛ إلى جانب رشيدة طليب، النائبة عن ميشيغان، وهي أمريكية من أصول فلسطينية، ولدت في ديترويت لأبوين مهاجرين من فلسطين.

كما تشمل القائمة إلهان عمر، النائبة عن مينيسوتا، وهي من أصول صومالية، ولدت في العاصمة مقديشو قبل أن تهاجر أسرتها إلى الولايات المتحدة؛ وأندريه كارسون، النائب عن إنديانا، وهو أمريكي من أصول أفريقية، ولد في مدينة إنديانابوليس؛ ولطيفة سيمون، النائبة عن كاليفورنيا، وهي أمريكية سوداء ولدت في سان فرانسيسكو وتنتمي إلى منطقة خليج سان فرانسيسكو.

ويرسخ هذا الحضور المعزز، بوجود عضو في مجلس الشيوخ وستة في مجلس النواب، التنوع داخل الكونغرس الأمريكي، سواء من حيث الأصول العربية والأفريقية واللاتينية، أو الخلفيات الاجتماعية والثقافية، بما يوسع تمثيل المسلمين داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية، ويعزز حضور قضايا الحقوق المدنية والسياسة الخارجية والدعم العسكري في الشرق الأوسط ضمن النقاشات البرلمانية المقبلة.

ترامب.. بطة عرجاء وكونغرس معارض

وعلى مستوى تداعيات هذه النتائج على ما تبقى من الولاية الرئاسية، يرى حمزة الأنفاسي أن استعادة الديمقراطيين الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب ستحد بشكل كبير من قدرة ترامب على تمرير أجندته، وتفتح الباب أمام مواجهة سياسية وتشريعية محتدمة بين البيت الأبيض والكونغرس.

وأكد الأنفاسي أن “هذا الانتصار الديمقراطي سيجعل من ترامب رئيساً مكبلاً لا يستطيع تمرير قوانينه إلا عبر التفاهم مع الديمقراطيين الذين باتوا يملكون الغالبية في مجلسي الشيوخ والنواب”، مشيراً إلى أن هذا الواقع الجديد “سينبئ بفتح تحقيقات وتشكيل لجان تقصي حقائق واسعة للتحقيق في ممارسات الرئيس ترامب خلال السنتين الأوليين من ولايته”.

وتمنح السيطرة على مجلس النواب الديمقراطيين الحق في ترؤس اللجان البرلمانية وتوسيع نطاق الرقابة التنفيذية، بما يشمل استدعاء المسؤولين وطلب الوثائق وفتح تحقيقات حول القرارات الحكومية، فيما تتيح لهم أغلبية مجلس الشيوخ عرقلة التعيينات الحكومية والقضائية التي تتطلب مصادقة المجلس.

وفي المقابل، فإن سيطرة الديمقراطيين لا تعني القدرة على فرض أجندتهم التشريعية بالكامل؛ إذ يملك ترامب حق الاعتراض الرئاسي (الفيتو)، في حين يتطلب إسقاط الفيتو أغلبية الثلثين في كلا المجلسين، وهو ما لا تتيحه الأرقام الحالية للديمقراطيين.

وفي هذا السياق، لفت الباحث في العلوم السياسية حمزة الأنفاسي إلى أن ترامب “تعهد باستخدام حق الفيتو ضد أي مشاريع قوانين يقرها الديمقراطيون”؛ وهو ما انعكس في أولى ردود فعله عقب النتائج حين نشر صورة لقبعة تحمل كلمة “VETO” على منصته الاجتماعية.

ويخلص الأنفاسي إلى أن هذه التطورات تضع الرئيس الأمريكي أمام سنتين من المواجهة المباشرة مع خصومه السياسيّين، يدخل معها عملياً مرحلة “البطة العرجاء” (Lame Duck)، حيث يتقلص هامش تحركه السياسي وقدرته على فرض خياراته التشريعية حتى نهاية ولايته.