منتخب تنزانيا.. قوة كروية صاعدة خطّت أولى إنجازاتها على الملاعب المغربية
يعيش منتخب تنزانيا لكرة القدم واحدة من أكثر اللحظات أهمية في تاريخه، بعد أن نجح، وللمرة الأولى، في بلوغ الدور ثمن النهائي من بطولة كأس الأمم الإفريقية بالمغرب. إنجاز يتجاوز كونه اجتيازا تاريخيا لدور المجموعات، ليصبح حدثًا ذا أبعاد رمزية وسياسية واجتماعية، في بلد لازال يبحث عن مكان وسط الدول الإفريقية الواعدة في مختلف المجالات .
التأهل المفاجئ تحقق عقب تعادل بنتيجة 1-1 أمام منتخب تونس في الملعب الأولمبي بالرباط، في مباراة أعادت رسم خريطة المجموعة الثالثة، وفتحت الباب أمام “نجوم تايفا” (نجوم الأمة باللغة السواحيلية) أخيرا لدخول قائمة المنتخبات الإفريقية التي تعبر الدور الأول في نهائيات “الكان” للمرة الأولى في مشوارها التاريخي القاري.
التأهل في المرتبة الثالثة عن المجموعة الثالثة، جعل منتخب تنزانيا أمام اختبار في دور الثمن أمام المنتخب المغربي القوي صاحب الأرض والجمهور، وأيضا المنتخب الذي ترشحه أغلب التوقعات للمنافسة على اللقب.
الكرة ملاذ جماعي في تنزانيا
تقع تنزانيا في شرق إفريقيا، وتُعد من أكثر دول القارة تنوعا جغرافيا وثقافيا، إذ تحتضن جبل كليمنجارو، أعلى قمة إفريقية، إلى جانب أرخبيل زنجبار ذي الامتداد التاريخي العربي الإفريقي.
ويزيد عدد سكان البلاد عن 65 مليون نسمة، غالبيتهم من فئة الشباب، ما يمنح الرياضة بصفة عامة وكرة القدم على وجه التحديد دورا اجتماعيا في خلق متنفس للعديد من ساكنة البلد، وأيضا وسيلة لخلق وحدة وطنية في دولة لازالت تعترضها العديد من المعيقات الإقتصادية والسياسية والإثنية.
وقد لعبت كرة القدم دورا مهما في تحقيق إجماع وطني ناذر، فاللغة السواحيلية، المستخدمة كلغة وطنية جامعة، خلقت هوية جماعية قوية، تُترجم في المدرجات كما في الملعب، حيث يبدو المنتخب الوطني انعكاسًا مباشرا لوحدة شعبية نادرة في محيط سياسي متوتر.
اقتصاديا، تشير تقارير مؤسسات دولية إلى تحقيق تنزانيا معدلات نمو مستقرة نسبيا، مدفوعة بالاستثمار في البنية التحتية والطاقة والسياحة. لكن هذا التقدم الاقتصادي يترافق مع أزمة صورة سياسية، خاصة بعد الانتخابات العامة في أكتوبر 2025، التي أثارت انتقادات حقوقية وإعلامية خارجية كبيرة.
دورة 2027 ودوري محلي واعد
تشير تقارير الإتحاد الإفريقي لكرة القدم، إلى أن الدوري التنزاني أصبح من الأكثر الدوريات في إفريقيا استقرارا ماليا وتنظيميا في شرق وجنوب القارة، بفضل استثمارات الأندية الكبرى مثل سيمبا وعزام ويانغ أفريكانز، ومشاركاتها المنتظمة في الكؤوس القارية، والتي أنتجت تطورا هائلا في مستوى اللاعبين ومكنهم من الإحتكاك بأبرز لاعبي وأندية إفريقيا، مما انعكس على آدائهم مع المنتخب التانزاني.
ثم هناك مشروع “باموجا” المشترك مع كينيا وأوغندا الذي لا يقتصر فقط على استضافة كأس إفريقيا للأمم 2027، بل يشمل تطوير الأكاديميات، التكوين القاعدي، والبنية الإدارية لكرة القدم.
كان المغرب 2025″.. مشاركة للتاريخ
ظل اسم تنزانيا لعقود بعيدا عن الواجهة القارية. إذ أن المشاركة الأولى في كأس الأمم الإفريقية كانت عام 1980 في نيجيريا، وانتهت بخروج مبكر من الدور الأول. بعد ذلك، غاب المنتخب عن البطولة قرابة أربعة عقود، في واحدة من أطول فترات الغياب بين منتخبات شرق القارة.
العودة جاءت في نسخة مصر سنة 2019، ثم المشاركة في نسخة 2023 بالكوت ديفوار، لكن دون تحقيق أي انتصار أو تجاوز حاجز المجموعات. لذلك، فإن ما ينجزه منتخب تنزانيا في نسخة 2025 يمثل قطيعة مع نمط الفشل المتكرر، ويؤسس لمرحلة جديدة، تبرز فيها نتائج العمل العميق الذي همّ إعادة هيكلة كرة القدم التنزانية في السنوات الأخيرة.
اللعب على الإمكانيات المتوفرة
من الناحية التقنية والتكتيكية، يُعد تأهل تنزانيا للدور الثاني واحدا من مظاهر تطور الأداء التكتيكي على مستوى المنتخبات الصغرى في إفريقيا خلال العقد الأخير، والذي يعد منتخب الرأس الأخضر المتأهل لمونديال 2026 رائدها إلى جانب منتخبات أخرى، فمنتخب “نجوم تايفا” كانت القرعة قد وضعته في مجموعة وُصفت في رأي بعض المحللين الأفارقة بـ “مجموعة الموت المصغرة” إلى حانب منتخبات ذات تاريخ وخبرة مثل تونس ونيجيريا.
المدرب الأرجنتيني ميغيل غاموندي بنى مشروعه التكتيكي على الانضباط الدفاعي، تقليص المساحات، والانتقال السريع من الدفاع إلى الهجوم. ولم يسعَ إلى فرض الاستحواذ، بل إلى إدارة المباريات بذكاء، وهو ما ظهر جليًا في مباراة تونس، حيث تفوق المنتخب التنزاني ذهنيًا رغم الفوارق التقنية الكبيرة بين المنتخبين.
ويبقى الدفاع المنخفض، الكثافة العددية في العمق، واللعب على أخطاء الخصم، هي العناصر الأساسية التي ساهمت في عبور الدور الأول وجعلت من تنزانيا خصما صعب التجاوز.
لاعبون موهبون ومدرب متمرس
يمثل العميد مبوانا ساماتا، قائد ورمز منتخب تنزانيا، بحيث أن خبرته الأوروبية، ومروره بمحطات احترافية مختلفة، جعلاه عنصر توازن داخل الملعب وخارجه. إلى جانب نوفاتوس ميروسي أحد أبرز اكتشافات البطولة. وهو لاعب متعدد الأدوار، يجمع بين الصلابة البدنية والانضباط التكتيكي، ويجسد التحول في تكوين اللاعب التنزاني الحديث.
ثم هناك فيصل سالم الشاب الذي يعتبر نتاجا للدوري المحلي في تنزانيا، وهو لاعب وسط ميدان يمتاز بقدرة عالية على قراءة اللعب، وهدفه أمام تونس دخل سجله التاريخي كواحد من أهم أهداف الكرة التنزانية.
خلف خط التماس يقود منتخب تنزانيا المدرب الأرجنتيني ميغيل غاموندي وهو الإسم الذي يعرفه المغاربة وكرة القدم المغربية جيدا بالنظر لمروره السابق في العديد من الأندية المغربية.
وإلى جانب ذلك، منحته خبرته الطويلة في القارة الإفريقية فهما دقيقا لخصوصيات الكرة المحلية، ونجح في نقل المنتخب التنزاني إلى مرحلة جديدة في مقارعة كبار القارة الإفريقية، وضمان استمرارية الحضور في نهائياتها.