مقاطعة الانتخابات تحت مجهر القانون.. هل تقود الدعوة إلى عدم التصويت إلى السجن؟
بين الحق في التعبير عن رفض المشاركة الانتخابية وحماية نزاهة الاقتراع، تبرز دعوات مقاطعة انتخابات 23 شتنبر أمام اختبار قانوني دقيق، تزداد أهميته في خضم تواصل الحملة الانتخابية، وذلك في ظل مقتضيات المادة 51 من القانون التنظيمي لمجلس النواب، التي تجرم استعمال الأخبار الزائفة والإشاعات الكاذبة أو غير ذلك من طرق التدليس لدفع الناخبين إلى الامتناع عن التصويت.
ويأتي هذا النقاش في سياق إعلان جماعة العدل والإحسان مقاطعتها من جديد للانتخابات التشريعية المقبلة، وعدم مشاركة أعضائها فيها، إلى جانب دعوتها المواطنين إلى مقاطعتها، معتبرة أن الانتخابات في صيغتها الحالية “لا تمكن الشعب من امتلاك قراره السياسي”.
وفي المقابل، يطرح هذا الموقف تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين المقاطعة باعتبارها موقفا سياسيا وبين الأفعال التي يمكن أن تدخل في نطاق الجرائم الانتخابية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالدعوة إلى عدم التصويت.
المادة 51.. حدود التجريم
تنص المادة 51 من القانون التنظيمي رقم 53.25 المتعلق بمجلس النواب على أنه “يعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 50 ألفاً إلى 100 ألف درهم، كل شخص أقدم، بأي وسيلة، بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح وأدوات الذكاء الاصطناعي والمنصات الإلكترونية والتطبيقات المعتمدة على الإنترنت والأنظمة المعلوماتية، على نشر أو إذاعة أو نقل أو بث أو توزيع أخبار زائفة أو إشاعات كاذبة أو غير ذلك من طرق التدليس، بهدف تحويل أصوات الناخبين أو دفع ناخب أو أكثر إلى الإمساك عن التصويت”.
ويتضح انطلاقا من مقتضيات المادة أن المُشرع لم يربط العقوبة بمجرد الدعوة إلى عدم التصويت، وإنما أقرها في حالة اقتران هذه الغاية باستعمال وسائل محددة، من بينها الأخبار الزائفة والإشاعات الكاذبة أو غير ذلك من طرق التدليس.
وفي هذا السياق، توضح الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية مريم بليل أن “الأصل أن مجرد الامتناع عن التصويت أو التعبير عن موقف سياسي يدعو إلى مقاطعة الانتخابات لا يشكل في حد ذاته جريمة”، مبرزة أن “التجريم يقتضي وجود نص قانوني صريح وتوافر الأركان التي يحددها، مثل استعمال وسائل احتيالية أو نشر أخبار زائفة بقصد التأثير على الناخبين”.
وشددت الباحثة، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، على ضرورة “التمييز بين المقاطعة باعتبارها موقفا سياسيا، وبين الأفعال غير المشروعة التي قد ترتكب أثناء الدعوة إليها”.
أين ينتهي الموقف السياسي؟
وتثير المادة 51 سؤالا حول طبيعة الأفعال التي يمكن أن تدخل في دائرة التجريم، بعدما ربط المشرع العقوبة بنشر أو إذاعة أو نقل أو بث أو توزيع أخبار زائفة أو إشاعات كاذبة أو غير ذلك من طرق التدليس، متى كان الهدف منها تحويل أصوات الناخبين أو دفعهم إلى الامتناع عن التصويت.
فهل يمكن أن تمتد هذه المقتضيات إلى مجرد دعوة سياسية معلنة لمقاطعة الانتخابات، أم أن قيام الجريمة يفترض اقتران هذه الدعوة باستعمال وسائل غير مشروعة للتأثير في إرادة الناخبين؟
وفي هذا السياق، توضح الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، أن المقصود بدقة في المادة 51 هو تجريم استعمال الأخبار الكاذبة أو الإشاعات أو الوسائل التدليسية بهدف تحويل أصوات الناخبين أو دفعهم إلى الامتناع عن التصويت، مؤكدة أن “التجريم لا يقوم على الدعوة إلى المقاطعة وحدها، بل يفترض استعمال وسيلة غير مشروعة من الوسائل المذكورة”.
العدل والإحسان.. المقاطعة في ميزان حرية التعبير
ويعيد إعلان جماعة العدل والإحسان مقاطعتها والدعوة إلى مقاطعة الانتخابات التشريعية المقبلة إلى جانب انتشار دعوات إلى المقاطعة على منصات التواصل الاجتماعي النقاش حول حدود ضبط المُشرع حماية نزاهة العملية الانتخابية من جهة، وحرية التعبير والمشاركة السياسية، بما فيها التعبير عن رفض الانتخابات أو الدعوة إلى مقاطعتها،
وفي هذا السياق، توضح بليل، أن الدستور وازن بين معطيين اثنين، يتعلق الأول بحرية التعبير التي ينص عليها الفصل 25 من الدستور ويحمي بموجبها حرية التعبير، فيما يرتبط الثاني بالمقتضى الوارد في الفصل 11، الذي يحمي نزاهة الانتخابات.
وتؤكد بليل أن التوازن بين هذين المعطيين يقتضي ألا يؤثر أحدهما على الآخر، موضحة أنه “لا نقيد التعبير بشكل تام من أجل انتخابات نزيهة”، باعتبار أن “من حق مكونات المجتمع المغربي التعبير عن رأيها بخصوص الانتخابات، سواء بالسلب أو الإيجاب، أو إعطاء موقف”.
غير أن هذا الحق، تضيف الباحثة، يظل قائما “دائما في حدود ألا ينتقل هذا التعبير عن الرأي إلى استعمال أدوات تدليسية أو نشر أخبار زائفة من أجل التأثير على إرادة الناخبين وحثهم على مقاطعة الانتخابات بوسائل بعيدة عن المواقف السياسية أو المواقف التي تندرج ضمن حرية التعبير”.
وأشارت إلى أن الانتقال من التعبير عن موقف سياسي إلى استعمال هذه الوسائل يمكن أن ينقل الفعل إلى دائرة التجريم، موضحة أنه “لا يمكن أن نسمي التزييف أو التزوير أو التحريف أو التدليس إلا أنها جرائم وليس حرية تعبير”.
هذا وقد تضمن القانون التنظيمي رقم 53.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب إجراءات زجرية تروم تحصين نزاهة التنافس بين المترشحين، وضمنها منع تنظيم الحملات الانتخابية داخل أماكن العبادة، أو المؤسسات المخصصة للتعليم أو التكوين المهني، أو داخل الإدارات العمومية، تحت طائلة عقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة وغرامة مالية من 5 إلى 10 ملايين، طبقا للمادة 42 من القانون التنظيمي المذكور.
كما يحظر القانون على الموظفين العموميين ومأموري الإدارات أو الجماعات الترابية توزيع برامج أو منشورات المترشحين الانتخابية أثناء تأدية مهامهم، تحت طائلة عقوبة الحبس من ستة أشهر إلى سنة وغرامة مالية من 5 إلى 10 ملايين، طبقا للمادة 39 من القانون التنظيمي.
كما أقر المشرع عقوبة زجرية تتراوح ما بين سنة وثلاث سنوات حبسا نافذا، وغرامة مالية ما بين 5 و10 ملايين، في حق كل من استأجر أو سخر أشخاصا على وجه يهدد به الناخبين أو المترشحين أو يخل بالنظام العام أو الأمن العام، وتتم مضاعفة العقوبة إذا كان المستأجرون أو المسخرون ناخبين.