مفاتيح “الشان” الإفريقي !
اللقب الذي انتزعه الفريق الوطني المحلي من قلب إفريقيا، بعد معاناة ومشاق كبيرة في مختلف الأدوار، هو شيء لا يمكن إلا نقف له وقفة احترام للسكيتيوي ولأبطاله جميعا.. ففي أعراف كرة القدم عندما تنتهي المنافسة بإحراز اللقب، ينتهي أي حديث عن الأخطاء والهفوات والنواقص، فالكأس تجُبُّ ما قبلها كما هو معروف في عالم الكرة، ويبقى المجال مفتوحا بعدها فقط للحديث عن أسباب النجاح وما الذي توفر في المشوار حتى انتهى بهذا الإبهار، من أجل أن يكون العمل المنجز خارطة طريق لمن يريد أن يصنع منتخبا بروحِ وشخصية البطل.
منتخب طارق السكيتيوي رغم تجميعه في آخر لحظة قبل السفر لكينيا من اجل لعب “الشان”، في ظروف مفاجئة يعرفها الجميع، ورغم الإختلالات التي كانت على مستوى الجاهزية البدنية للاعبين، وعدم لعبهم مع بعضهم من قبل، إلا ان وجود ثلاثة عوامل مهمة جدا صنعت هذا المنتخب الجميل الذي أسعدنا إنجازه وأعطانا جرعة تفاؤل لكي نرى مثله على مستوى المنتخب الاول.
أول العوامل الحاسمة كانت وجود مدرب لا أحد يمكن أن يشك في كفاءته وقدرته على تدبير “الموجود” بشكل ذكي وبشجاعة في اتخاذ القرارات التقنية والتكتيكية.. فطارق السكيتيوي يمزج بين معرفة كرة القدم المحلية وأعطابها بحكم أنه إبن لها في المغرب الفاسي، ثم بتجربته الدولية في المستوى العالي لكرة القدم الإحترافية مع أندية عريقة في أوربا، وهذا المعطى جعله متفهما للاعبي البطولة بأعطاب تكوينهم وبمؤهلاتهم الفطرية التي عرف كيف يخرجها من اللاعبين باختيار الطريقة المناسبة.. فأي واحد يعرف كرة القدم المغربية منذ القديم يمكنه أن يلاحظ أن السكيتيوي يلعب الكرة التي تشبهنا في المغرب، أي ADNكرة القدم بمعناها الإحتفالي الميال للفنيات واللعب القصير.. وشاهدنا كيف أن اسلوب اللعب هذا كان حاسما في جل أدوار الشان.
ثاني معطى ساهم في اللقب، وهي المرجعية الكروية الموحدة للاعبين، وانضباطهم لتعليمات المدرب، ورغبتهم في كسر الصورة النمطية التي لدينا على لاعبي البطولة.. لذلك شاهدناهم بارعون في اللعب الجماعي وفي تطبيق ميكانيزمات اللعب الهجومي، كما شاهدنا قتاليتهم وروحهم العالية في الكثير من اللحظات الحرجة التي كانوا يمرون منها ضد خصوم أقوياء، وفوق كل ذلك قدرتهم الرائعة على العودة في النتيجة عندما يكونوا منهزمين.
المعطى الثالث المهم جدا، والذي لا يأخذ حقه في التحاليل والإشادات، هو دور الطاقم التقني والطبي في تسهيل مامورية المدرب، وأخص بالذكر المعد البدني للمنتخب ، والذي يشغله شخص إسمه حسن لوداري الذي يمكن أن يُمنَح لقب أحسن إطار في القارة الإفريقية في هذا التخصص، فتجربته وإنجازاته ومساره الناجح مع المنتخبات الوطنية ومع منتخبات أخرى كان آخرها منتخب الأردن مع عموتة وإنجاظ نهائي كأس آسيا.. تشهد له بذلك.
فليس سهلا أن تجمع لاعبين من عطلتهم الصيفية بشكل مفاجئ وتذهب بهم إلى قلب إفريقيا وتلاقي داخلها مشاق التنقل بين ثلاثة بلدان وصعوبة التأقلم مع المناخ ومع الرطوبة وأن يقضي المنتخب 35 يوما في تجمع تتخلله الكثير من المباريات المرهقة والتداريب الطويلة، ولم يظهر أي عياء على العناصر الوطنية أو تدمر من الجو أو الشكا والبكا الذي ألفناه منذ عقود خلال اللعب في إفريقيا.. كل هذا كان بفضل حنكة وخبرة وكفاءة حسن لوداري وهو الشيء الذي يجب ان نقف له احتراما وتقديرا، والسؤال هنا الذي أتمنى ان اجد له جوابا.. لماذا نستعين في المنتخب الاول بمعد بدني فرنسي لا فكرة له عن إفريقيا ولا خصوصية أجوائها وطقوسها الكروية، ونترك إبن البلد الخبير المجرب والناجح فيها ؟؟!!
هي ثلاثة عوامل مفصلية في اعتقادي كانت سببا في العودة بهذا اللقب، وهذا التتويج المبهر وظروفه الصعبة هي رسالة مباشرة لمن يهمهم الأمر في المنتخب الأول.. لذلك لا داعي لمزيد من الشرح والتفسير .