مستلهم من إسبانيا والدانمارك و”نوميا” الفرنسية.. تفاصيل المقترح المغربي المحيّن لمنح الصحراء حكما ذاتيا
بعدما نشرت صحيفة “أتالايار” الإسبانية يوم أمس الأربعاء 11 فبراير 2026، نصّا مترجما إلى اللغة الإسبانية من وثيقة يفترض أن المغرب قدّمها خلال مشاورات الأحد الماضي في مقر السفارة الأمريكية في مدريد؛ حصلت “صوت المغرب” على تفاصيل التصوّر المغربي الجديد لمنح الصحراء حكما ذاتيا، والنص الأصلي للوثيقة، والتي كُتبت باللغة الفرنسية.
الملك يعيّن رئيس حكومة الصحراء
حملت الوثيقة الجديدة التي قدّمها المغرب في اللقاء الذي جرى برعاية أمريكية وضمّ إلى جانب البوليساريو كلا من الجزائر وموريتانيا، مستجدات تُراجع بعض مقتضيات المقترح الأول الذي قدّمه المغرب سنة 2007، حيث نقل المقترح الجديد موقع رئيس الحكومة المحلية لجهة الصحراء من “الانتخاب” عبر البرلمان المحلي ثم التنصيب من طرف الملك، إلى التعيين الملكي أولا ثم التنصيب من طرف البرلمان، كما هو الحال مع رئيس الحكومة المغربية حاليا.
وفيما كان المقترح المغربي السابق قد ترك الباب مفتوحا أمام إمكانية تشكيل برلمان جهوي من غرفتين، ونص على أن أعضاءه يتوزّعون بين فئة تنتحب بالاقتراع العام المباشر وآخرين تنتخبهم القبائل الصحراوية؛ جاءت الوثيقة المحيّنة لتحسم شكل هذا البرلمان في غرفة واحدة، لكنها ذات شرعية “مزدوجة”، بحيث تجمع بين أعضاء منتخبين بالاقتراع العام المباشر وفق نمط اقتراع نسبي جهوي، وأعضاء تُعيّنهم القبائل الصحراوية المعترف بها.
سلطات المركز والجهة
تحدّد الوثيقة الاختصاصات الحصرية للدولة في كل من الدفاع الوطني، والأمن الاستراتيجي، والسياسة الخارجية، والتمثيل الدبلوماسي، والعملة، والسياسة النقدية، والجنسية، ورموز السيادة، والنظام القضائي الأعلى.
فيما تشمل اختصاصات الحكومة الجهوية في قطاعات إعداد التراب، والتعمير، والتخطيط الاقتصادي الجهوي، والتنمية الصناعية والسياحية، وتدبير الموارد البحرية، والسياسات الاجتماعية، والصحة، والتعليم، والبيئة، وتدبير البنيات التحتية المائية والطاقية، وكذا النهوض الثقافي، مع تمكين الجهة من سنّ قواعد مُلزمة التنفيذ في هذه المجالات.
حكم ذاتي في إطار الجهوية
تقترح الوثيقة عرض نظام الحكم الذاتي على استفتاء وطني يشمل مجموع الهيئة الناخبة المغربية، مع إدماجه في الدستور المغربي في شكل باب خاص، مع إخضاع كل مراجعة لاحقة لهذا النظام لمساطر مُشددة تتطلب أغلبية مطلقة داخل البرلمانين الجهوي والوطني.
وتربط الوثيقة تفعيل أحكام نظام الحكم الذاتي في الصحراء، بمسار الجهوية المتقدمة وطنياً، وذلك تفادياً لأي مساس بمبدأ المساواة الترابية.
كما تتضمّن الوثيقة مقتضيات تجيز للدولة، أن تُعلّق بصفة استثنائية ومؤقتة، في حال وقوع مساس جسيم بالنظام الدستوري أو بالوحدة الترابية أو بالسير العادي للمؤسسات، بعض الاختصاصات الجهوية، وفق مسطرة مضبوطة وخاضعة لمراقبة قانونية.
وأوضحت مصادر “صوت المغرب” أن هذه المراجعة ترمي إلى ضمان الانسجام المؤسساتي والدستوري داخل الدولة المغربية، وحلّ الإشكالات التي كان المقترح السابق يطرحها، خصوصا من حيث العلاقة بين رئيس الحكومة المحلية ومندوب الحكومة المركزية. وتمنح الوثيقة المحيّنة لرئيس الحكومة المحلية، المعيّن من طرف الملك والمنصّب من طرف البرلمان الجهوي، صفة ممثل الدولة، بما يكرس وحدة واستمرارية الدولة المغربية علي كامل ترابها.
استلهام دون استنساخ
مصادر “صوت المغرب” أن الأمر يتعلّق بنصّ أولي، “معروض للنقاش والتفاوض والتطوير”، لكنها شدّدت على أن الوثيقة تندرج ضمن استمرارية روح وثيقة 2007، وتستلهم فصولها مما أنتجته التجارب الدولية الفضلى في مجال العمل بنظام الحكم الذاتي.
وحرصت المصادر نفسها على الإشارة إلى نموذجي كل من إسبانيا والدانمارك مع جزيرة غرينلاند، من حيث تقنيات توزيع الاختصاصات، ومسؤوليات الحكومة الجهوية وتدبير الموارد الطبيعية، مع ملاءمة ذلك مع الإطار الدستوري والمؤسساتي المغربي والطابع الموحد للدولة المغربية.
وتؤكد المصادر نفسها أن الأمر لا يتعلّق باستنساخ لأية تجربة، بل إن الوثيقة الجديدة تجمع بين استلهام التقنيات والممارسات من تجارب مثل إسبانيا والدانمارك، لكنها تستلهم أيضا من النموذج الفرنسي، سواء من حيث إدماج التصوّر الخاص بالحكم الذاتي ضمن “الكتلة الدستورية”. كما تستلهم الوثيقة الجديدة تقنية التي “الاتفاق السياسي” على غرار المنهج المعتمد في ما يعرف ب”اتفاقات نُومِيا”، وهي عبارة هي اتفاق وُقّع سنة 1998 لتنظيم “مرحلة انتقالية” في كاليدونيا الجديدة تحت السيادة الفرنسية، بهدف معالجة نزاع طويل حول تقرير المصير.
اتفاقات “نوميا” الفرنسية
وتقدّم “اتفاقات نوميا” في أدبيات حل النزاعات المرتبطة بمشاريع الانفصال، كنموذج في للتسويات السياسية بدل المقاربة القانونية الخالصة، حيث تجمع بين الشرعية الديمقراطية، والتدرج، وضمانات الدولة، وآليات تحكيم سياسي ودستوري بدل قرار واحد نهائي من البداية.
التجربة الدانماركية
فيما تتميّز تجربة الدانمارك مع جزيرة غرينلاند بوصفها أيضا ترتيبا عاما لتوزيع السلطات داخل الدولة، أكثر منها “تفويضا” للصلاحيات من حكومة مركزية إلى أخرى محلية.
كما تبقي التجربة الدانماركية مظاهر السيادة الأساسية بين أيدي الحكومة المركزية، مقابل حكم ذاتي موسع يقوم على اختصاصات منقولة ومحدّدة بشكل حصري.
النموذج الإسباني
فيما يتّسم النموذج الإسباني في الأدبيات المتعلقة بالحكم الذاتي، بكونه يقيم ما يعرف ب”دولة الجهات المتمتعة بحكم ذاتي”، أي حل وسط بين خياري الفيدرالية الصريحة (النموذج الأمريكي) والمركزية صلبة (لنموذج الفرنسي)، وهو نموذج بني بعد دستور 1978 بهدف امتصاص إشكالات الهوية واللغة والتنمية، بمنحه سلطات واسعة ل17 جهة متمتعة بالحكم الذاتي.