محمد بنعيسى.. الصحافي الذي اعتلى عرش السياسة ورحل مُتيما بأصيلة وموسمها الثقافي

عن عمر ناهز 88 عامًا، رحل عن عالمنا ليلة الجمعة 28 فبراير 2025، محمد بنعيسى، بعد مسيرة حافلة امتدت لعقود، تنقل خلالها بين الصحافة والسياسة، وظل عاشقًا لعالم الثقافة، مؤمنًا بدورها في بناء المجتمعات وتعزيز الحوار بين الشعوب.
طفولة بين زرقة البحر ونور الشمس
وُلد محمد بنعيسى يوم 3 يناير 1937 في مدينة أصيلة، تلك المدينة التي سيظل اسمه مرتبطًا بها حتى بعد وفاته، وقد استحضر بنعيسى طفولته في أصيلة، واصفًا إياها بالمدينة الشاطئية التي تمنح أبناءها شاعرية، بحكم زرقة البحر وضوء الشمس، كما أشار إلى أنه عاش طفولة مريحة، وتربى تربية صوفية وسط جو عائلي مفعم بالصدق والبراءة.
وفي عام 1952، سينتقل بنعيسى إلى فاس لمتابعة دراسته الثانوية، قبل أن ينتقل إلى العرائش وبعدها إلى تطوان، وخلال هذه المرحلة من عمره، كان عاشقا لفن التمثيل، وأدى أدوارا مسرحية، ضمن فرق في مسارح العرائش وطنجة، وغيرها.
لاحقًا، أبدى بنعيسى اهتمامًا بالثقافة والإعلام، فانتقل في سن السادسة عشرة إلى مصر لدراسة الصحافة، قبل أن يحصل عام 1961 على منحة لمتابعة دراسته العليا في الولايات المتحدة، حيث نال شهادة البكالوريوس في الاتصال من جامعة مينيسوتا عام 1963، وهي الجامعة ذاتها التي منحته شهادة الدكتوراه الفخرية عام 2007.
الإعلام.. بداية الطريق
بداية مسيرة بنعيسى المهنية كانت في المجال الإعلامي، إذ التحق بالبعثة المغربية الدائمة في الأمم المتحدة كملحق إعلامي، ثم عمل ضابطًا للمعلومات في مقر الأمم المتحدة في نيويورك وأديس أبابا، (1965-1967)، قبل أن يصبح مستشارًا إعلاميًا إقليميًا لأفريقيا في أكرا بغانا (1967-1971).
وعلى مدى أكثر من عقد، شغل الراحل مناصب مختلفة في منظمات دولية، خاصة منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، حيث تولى إدارة قسم المعلومات، ثم عُيِّن مساعدًا للأمين العام لمؤتمر الأغذية العالمي، ما بين (1974-1975).
السياسة.. منعطف جديد
عاد بنعيسى إلى المغرب عام 1976، ليبدأ مرحلة جديدة في حياته المهنية، حيث انتُخب نائبًا برلمانيًا ممثلًا لمدينة أصيلة عام 1977، ثم رئيسًا لبلديتها عام 1983، وهو المنصب الذي سيشغله لأكثر من ربع قرن، واضعًا نصب عينيه مشروعًا ثقافيًا طموحًا جعل من أصيلة قبلة للمثقفين والفنانين من مختلف أنحاء العالم، وهو “موسم أصيلة الثقافي”.
في عام 1985، عُيِّن محمد بنعيسى وزيرًا للثقافة، وهو المنصب الذي شغله حتى عام 1992، حيث عمل خلال هذه الفترة، على النهوض بالمشهد الثقافي المغربي وتعزيز الانفتاح على الثقافة العالمية، كما ساهم في إطلاق العديد من المبادرات لدعم الفنون والآداب.
بعد مغادرته وزارة الثقافة، عُيِّن سفيرًا للمغرب في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1993، حيث لعب دورًا مهمًا في تعزيز العلاقات المغربية-الأمريكية، إلى أن تم استدعاؤه عام 1999 لتولي وزارة الشؤون الخارجية والتعاون، في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ المغرب، مع انتقال الحكم من الملك الحسن الثاني إلى الملك محمد السادس، وظل في منصبه حتى عام 2007، ليكون أحد أطول وزراء الخارجية بقاءً في هذا المنصب.
أصيلة تنبض بالثقافة
ورغم تقلده مناصب سياسية ودبلوماسية رفيعة، لم يبتعد بنعيسى يومًا عن الثقافة، بل كان يعتبرها ركيزة أساسية في الدبلوماسية والتواصل بين الشعوب، حيث أسس عام 1978، رفقة صديقه الفنان التشكيلي الراحل محمد المليحي، “موسم أصيلة الثقافي الدولي”، الذي أصبح من أبرز التظاهرات الثقافية في العالم العربي وإفريقيا، مستقطبًا نخبة من الأدباء والمفكرين والفنانين والسياسيين.
وساهم بنعيسى من خلال هذا المنتدى في ترسيخ دور أصيلة كمنصة للحوار الثقافي والفني، حيث يتم خلاله تنظيم ندوات فكرية ومعارض فنية وإقامات إبداعية، فضلًا عن ورش لإحياء التراث العمراني للمدينة، إذ لم يكن الموسم مجرد مهرجان، بل كان مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، جعل من أصيلة نموذجًا للتنمية الثقافية المستدامة.
وكان بن عيسى يؤمن بقدرة الثقافة على أن تحدث تغييرا نحو الأفضل في حياة الناس، ولذلك ظل متشبثا بتوظيف الفعل الثقافي والفني في مجال التنمية، وتحفيز الإنسان ليوظف إبداعه وتخيله من أجل تغيير نفسه، مع إيمان بأن الإنسان لا يمكن أن يغير من نفسه ومن ظروفه إذا لم يكن له استعداد ورغبة لفعل ذلك.
عطاء حتى اللحظة الأخيرة..
وإلى جانب عمله السياسي والثقافي، كان لبنعيسى اهتمامات بحثية وأكاديمية، حيث ألّف عددًا من الدراسات حول التنمية والاتصال في إفريقيا، كما شارك في تأليف كتاب “حبوب الجلد” مع الأديب الطاهر بنجلون عام 1974.
حظي خلال مسيرته بتكريمات وجوائز عدة، من بينها “وسام العرش من درجة ضابط كبير عام 2008″، و”جائزة الشيخ زايد للكتاب (شخصية العام الثقافية) عام 2008″، بالإضافة إلى دكتوراه فخرية في القانون من جامعة مينيسوتا عام 2007، تقديرًا لإسهاماته في مجالات الثقافة والدبلوماسية.
وظل محمد بنعيسى حتى أيامه الأخيرة مرتبطًا بأصيلة، حريصًا على ضمان استمرار موسمها الثقافي، حيث دعا مرارًا إلى ضرورة مأسسته وتأمين تمويله ليظل إرثه قائمًا بعد رحيله، وفي 2 يونيو 2019 سلمه المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، درع الألكسو، وذلك تكريما له وتقديرا لدوره التنظيمي في موسم أصيلة السنوي.