مثقفون ومسؤولون سابقون يناقشون تراجع دور الثقافة في مواكبة تحولات المجتمع
نظمت مؤسسة محيط للدراسات والبحوث، يوم السبت 07 فبراير 2026، ندوة وطنية بعنوان “المغرب ورهان الثقافة في واقع متحول”، بمشاركة مفكرين وباحثين ومسؤولين سابقين، ناقشوا موقع الثقافة في التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، وعلاقتها بقضايا الهوية، المواطنة، والتنمية.
وفي هذا الإطار، أكد المتدخلون أن الثقافة لم تعد مجرد مجال رمزي أو إنتاج فكري معزول، و إنما أضحت رافعة استراتيجية في بناء الإنسان، وترسيخ الهوية، وتعزيز السيادة، وداعما أساسيا لمسارات التنمية الشاملة في عالم شديد التنافس.
ويرى عدد من المفكرين والباحثين المشاركين أن التحدي المطروح اليوم يتمثل في إعادة وضع الثقافة في صلب السياسات العمومية والنقاش العمومي، باعتبارها مدخلا لفهم التحولات المجتمعية وتدبير الاختلاف، وربط الإصلاح الثقافي بالإصلاح الاقتصادي والتنموي.
وعي مزيف
في هذا السياق دعا وزير التشغيل السابق والقيادي في حزب العدالة والتنمية، محمد يتيم، إلى إعادة الاعتبار للدور الجوهري للثقافة في مختلف تجلياتها، معتبرا أن الانشغال بقضايا هامشية يبدد الجهود ويغذي ما وصفه بـ”الوعي المزيف”، على حساب القضايا الحقيقية المرتبطة ببناء المجتمع.
وشدد المتحدث على أهمية النقد الثقافي، لاسيما في بعده الاجتماعي، مبرزا أن الثقافة الاجتماعية، رغم كونها تعكس الشخصية المجتمعية، تحمل في طياتها ممارسات وسلوكات تحتاج إلى مراجعة وتفكيك.
وأوضح أنه خصص حيزا مهما من كتابه حول نظرية العمل الثقافي لتحليل ما سماه بـ”الأمراض الثقافية”، التي يعود جزء منها إلى تراكمات تاريخية وسلفية، فيما تسرب جزء آخر من تجارب ثقافية خارجية، خاصة المرتبطة بالإرث الاستعماري.
واعتبر يتيم أن هذا التداخل جعل الواقع المغربي والعربي واقعا معقدا سياسيا واجتماعيا وثقافيا، رغم تعدد الدعوات الإصلاحية التي ظهرت منذ أواخر القرن التاسع عشر واستمرت عبر مراحل مختلفة، لافتا إلى أن الإشكال لا يكمن في غياب الفكر النهضوي، بل في عدم تحوله إلى ثقافة معيشة وسلوك جماعي يؤطر العلاقات اليومية داخل المجتمع.
وأضاف المتحدث أن رصيدا مهما من الأفكار التي أنتجها مفكرون ومصلحون في العقود الماضية لم يتحول إلى ممارسة ثقافية تؤثر في السلوك العام، معتبرا أن الثقافة لا ينبغي أن تختزل في كونها “أسلوب حياة” بمعناها السطحي،و إنما باعتبارها منظومة قيم تضبط العلاقات الأسرية والاجتماعية والسياسية، وتؤسس لتدبير الاختلاف بطريقة حضارية.
وفي هذا السياق، دعا إلى ترسيخ ما سماه ثقافة الالتئام رغم الاختلاف، و التي تقوم على احترام التعدد وإنهاء منطق الإقصاء المتبادل، محذرا من أن استمرار هذا الأخير أضعف مناعة المجتمعات، وفتح المجال أمام قوى الاستبداد، وساهم في تعميق حالة الضياع والتيه على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.
وخلص إلى أن المثقف الملتزم هو ذاك الذي يتحلى بوعي ثقافي مسؤول، يحد من التشرذم، ويركز على المشترك، ويساهم في إنهاء منطق الاحتقار والإقصاء، باعتباره شرطا أساسيا لبناء مجتمع متماسك وقادر على تحقيق الإصلاح والتنمية.
استباق الثقافة
في مداخلة تناولت أدوار الثقافة في استشراف المستقبل وبناء الذات، اعتبر وزير الثقافة السابق محمد الأشعري أن الثقافة كانت تاريخيا تفتح “الأراضي البكر” أمام الأسئلة الكبرى والانتظارات الجماعية، غير أنه سجل، في المقابل، ما وصفه بـتراجع القدرة الاستباقية للثقافة في الزمن الراهن، مرجعا ذلك إلى عجز عام في إنتاج الأحلام الجماعية.
وأوضح الأشعري أن الجيل الذي ينتمي إليه عاش مرحلة كان فيها الحلم نشاطا إنسانيا مركزيا، سواء في الحياة العامة أو الخاصة، معتبرا أن هذا البعد بات غائبا اليوم.
وسجل المتحدث أن التحولات العالمية المتسارعة جعلت العديد من التصورات التقليدية المرتبطة بالهوية والسيادة والاستقلالية غير كافية لفهم الواقع الجديد، مبرزا أن الإنسان المعاصر بات يواجه أسئلة ثقافية جديدة مرتبطة بعمق هذه التحولات.
وفي هذا الإطار، استعاد الأشعري التجربة المغربية خلال مرحلة مقاومة الاستعمار وبناء الدولة الوطنية، حيث جرى استحضار الثقافة كرافعة أساسية لبناء الشخصية الوطنية وترسيخ المرجعيات الدينية واللغوية والروحية، ومواجهة مشاريع التذويب والاستتباع.
واعتبر وزير الثقافة السابق أن هذه التجربة أفرزت إنجازات مهمة، في مقدمتها بناء سردية وطنية موحدة شكلت أحد أعمدة الأمة المغربية، غير أن الموضوعية، بحسبه، تفرض الاعتراف بوجود مجالات لم يتم فيها تحقيق منجزات حاسمة، خاصة تلك المرتبطة ببناء الذات في علاقتها الداخلية، لا في مواجهتها للآخر.
وفي هذا السياق، توقف الأشعري عند الإشكال اللغوي، معتبرا أن العربية والأمازيغية، رغم ترسيمهما دستوريا، ما تزالان تشكلان مصدر قلق بسبب محدودية استعمالهما في الحياة العامة، وضعف الإنتاج الفكري والأدبي والفني بهما، وهو ما يعكس تعثرا في أحد المكونات الأساسية لبناء الشخصية الوطنية.
كما انتقد وضع المدرسة المغربية، متسائلا عن نموذج المدرسة القادرة على إنتاج المعرفة والجودة وضمان الصعود الاجتماعي، مشيرا إلى كثرة التقارير والمشاريع الإصلاحية التي لم تنجح، إلى حدود اليوم، في جعل المدرسة فضاء للثقة وبناء العقل، رغم أن كل التجارب الاقتصادية والسياسية الناجحة قامت على مدرسة قوية.
وخلص وزير الثقافة السابق بالإشارة إلى وضع النخبة السياسية، معتبرا أن ضعفها وتراجع قدرتها على التأطير يشكلان عائقا أساسيا أمام التحولات السياسية في المغرب، وذلك رغم توسع الثروات، وارتفاع مستويات التعليم، وانتظام الانتخابات واستقرار المؤسسات المنتخبة.