story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

ما وراء التتويج الكروي: أيّ كأس يريدها المغاربة حقًّا؟

ص ص


في نقاشٍ على هامش تداعيات كأس إفريقيا للأمم، ذهب بعضهم إلى أن ما نعيشه اليوم ليس سوى انخداع جماعي بوهم فارغ اسمه كرة القدم، شبيه بما تعيشه شعوب الجزائر ومصر وغيرها. وتساءلوا بنبرة استغراب مشروعة: كيف انتهى الأمر بشعوبنا إلى أن تبحث عن تحقيق ذواتها عبر لعبة، مجرد لعبة؟

غير أني، وإن كنت أتفق معهم في توصيف جزء من المشهد، ولا أجادلهم في وجود رغبة تضليل رسمي لدى الأنظمة السياسية السلطوية غايتها توجيه أنظار الشعوب نحو “هوية كروية” يُنقل فيها الشعب من مكوّن ذي سيادة سياسية إلى مجرد جمهور مدرجات، هوية كروية لا تُحاسب ولا تُعاقب فسادًا، ويبقى مسؤولو السياسة في مأمن من غضب لا يستيقظ إلا على لاعب أخطأ أو مدرب خسر… فإن هناك، في تقديري، شيئا غير تافه فيما يجري.

كرة القدم، نعم، لعبة، لكنها حين تُلعب باسم شعب لم يعد يجد من يمثله باقتدار، ولا ما يرى نفسه فيه، ولا ما يلتف حوله بشغف، تتحول إلى ما هو أبعد من ذلك. تُصبح مساحة رمزية أخيرة، يحسن بنا تأملها، لشعب يبحث — مثل كل الشعوب — عن حضور، عن اعتراف، عن رفعة وعزة بين الأمم.

من هنا يمكن فهم لماذا تُشحن اللحظات الكروية بدلالات كثيفة تتجاوز حدود الرياضة إلى أبعاد أعمق. ففي سياق الإحباط العام جراء الفشل السياسي والاقتصادي والاجتماعي المتراكم الذي يعصف بالبلاد لعقود عديدة، بدا وكأن وجدان المغاربة قد انفجر معبرا عما يختلج صدورهم. وكأن الإنجازات الكروية المتتالية في المسابقات السابقة نجحت في تحرير رغبة دفينة لديهم، وفي إيقاظ تطلع مكبوت، فانطلقت اللازمة: “نريد الكأس ولا شيء غير الكأس”.

لكن هل كانت كأس البطولة هي المقصودة حقا؟

في لحظة واحدة، وجد المغاربة أنفسهم مجتمعين في الساحات والمقاهي، على اختلاف أعمارهم وأجناسهم ومراكزهم الاجتماعية، يهتفون لـ”أبطال” يفتقدون أمثالهم خارج ميادين اللعب، ويرون فيهم بعض طموحهم للفوز وإثبات الذات، ولو في مجال ثانوي مثل كرة القدم، وهو مجال لا يُعد معيارا أساسيا للتفوق الحضاري، ولا يُفترض أن تُختزل فيه طموحات الشعوب.

لعل الرهان الحقيقي لم يكن الفوز بكأس البطولة، بقدر ما كان الظفر بتمثيل معنوي يستعيد معنى العزة والاحترام، ويجسد ما يحمله هذا الشعب من تطلعات، في مواجهة ذلك الإحساس التاريخي بالتقليل من الذات الذي طُبع في وعينا طويلا، نحن شعوب الدول التي وُضعت في الهامش وسميت “العالم الثالث”.

كانت لحظات جميلة تلك التي عشناها مع جيراننا في مقاهي الأحياء: نفرح معا، ونحزن معا، داخل حضن انتماء أوسع. إنها لحظة إنسانية خالصة، لا يجوز تدنيسها برد فعل غير حكيم على خطابات الكراهية والاستعداء المجاني والشوفينية البغيضة.

لو التقطنا هذه اللحظة المركّزة، مدركين تضليل المضلِّلين وسياسة إلهاء العابثين، ومتجاوزين استفزاز المستفزين، وغير آبهين بكلام التافهين، لأمكن أن نرصد بعضًا من وعي ذاتي يستعيد ما هو دفين فينا، في أننا شعب، كباقي الشعوب، لا يقبل بالدونية ولا يرضى أن يبقى في الهامش.

كانت تجربة انتماء صادقة، تجاوزت — وللمفارقة — سطحية نطاق اللعبة، لتذكرنا أننا، نحن المغاربة، شعب واحد، بعربنا وأمازيغنا، بسهولنا وجبالنا وصحرائنا، بأغنيائنا وفقرائنا، بنخبتنا وعامّتنا. نركب مركبا واحدا.

وهذه المفارقة، بالمناسبة، ليست غريبة عن مقاربات علم الاجتماع السياسي ولا عن علم السياسة، إذ لا تُقاس الأحداث بأبعادها المادية فقط. فقد يكون الحدث محدودا من حيث مضمونه المادي، لكنه يحمل دلالات رمزية يستدعيها السياق والمناسبة والظروف، فتجعله حدثا كبيرا. والرياضة نفسها—في محطات تاريخية—كانت ساحة لصراع المعاني، لا مجرد منافسة على الأرقام.

فكثيرا ما تجاوزت الأحداث الرياضية معناها المادي، وقد مثّل أولمبياد برلين 1936 مثالا بارزا، حين تحولت انتصارات جيسي أوينز ذو البشرة السوداء إلى ضربة قوية لأيديولوجية التفوق العرقي النازية.

وهي، إذًا، لحظات ينبغي أن تُنبّهنا إلى أنه كما اجتمعنا في المقاهي نشجع لاعبينا، يمكن — بل يجب — أن نجتمع في ساحات البناء، لنصنع مجدا حضاريا حقيقيا نزاحم به أمم العالم. وكما لا نقبل ممن يحمل القميص الوطني في الملعب أن يفرط في واجبه، لا يجوز أن نقبل — بأضعاف مضاعفة — ممن يحمل القميص الوطني في السياسة والتدبير أن يفرط في واجبه تجاه شعب حي يتطلع إلى المنافسة في كل المجالات.

المغاربة لا يحلمون منذ خمسين سنة بكأس إفريقيا. كثير منهم لا يتذكر الكأس إلا حين تنطلق فعالياتها. لكن المغاربة، مثل سائر الشعوب العربية والإفريقية، يحلمون منذ عقود بكأس العزة والتقدير والمكانة الرفيعة بين الأمم.

إنّ التتويج الرياضي لا يتحول تلقائيا إلى كرامة وحضور حضاري يليقان بشعب ما، وإلا لكانت النتائج مختلفة في تجارب قريبة منا. فماذا صنعت مصر، مثلا، ببطولاتها الإفريقية السبع؟ هل تُرجمت إلى حضور يليق بشعبها من حيث التنمية والتأثير والمكانة؟

ما كشفته الكرة، في حالتنا، هو أننا نستطيع الفعل حين تتوفر الإرادة. نحن ضمن الثمانية الأوائل عالميا كرويا، فما الذي يمنعنا أن نكون ضمن الثمانية الأوائل في مؤشرات التنمية، في الصحة والتعليم والتشغيل؟ وما الذي يمنعنا من الصعود إلى منصات التتويج في الصناعة والتكنولوجيا؟

صحيح أن المغاربة أرادوا الفوز بكأس البطولة، لكن الوهم كل الوهم أن نختزل طموحهم في ذلك.