story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
سياسة |

ماذا يعني انتخاب المغرب في مجلس السلم والأمن الإفريقي؟

ص ص

يشكل انتخاب المغرب عضواً في مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي لولاية 2026–2028 عودة جديدة إلى واحدة من أكثر هيئات الاتحاد تأثيراً في هندسة الأمن القاري. فالمجلس لا يقتصر دوره على إدارة الأزمات، بل يضطلع بصياغة القرارات الأمنية المرتبطة بالنزاعات والوساطات وعمليات حفظ السلام، ما يجعل عضويته موقعاً متقدماً داخل دوائر القرار الإفريقي.

وانتُخبت المملكة المغربية، يوم الأربعاء 11 فبراير 2026، عضواً في مجلس السلم والأمن لولاية تمتد من 2026 إلى 2028، خلال اجتماع وزراء الخارجية بأديس أبابا. وحصل الترشيح المغربي على 34 صوتاً مقابل 12 صوتاً لليبيا، مع تسجيل امتناعين، ما مكّن الرباط من الظفر بالمقعد المخصص لمنطقة شمال إفريقيا، ليعود بذلك إلى دائرة الدول المشاركة في صناعة القرار الأمني الإفريقي.

فما طبيعة هذا المجلس؟ ولماذا يُعد فوز المغرب بالمقعد مهماً في السياق السياسي والدبلوماسي الحالي؟ وكيف تطور حضوره داخله عبر السنوات؟ وما الذي يمكن أن يضيفه خلال ولايته الجديدة؟

ما هو مجلس السلم والأمن داخل الاتحاد الإفريقي وما صلاحياته؟

مجلس السلم والأمن (PSC) هو الجهاز التنفيذي الدائم والمفوَّض من قبل دول القارة لاتخاذ قرارات ملزمة بشأن الأمن الجماعي الإفريقي. تأسس بموجب بروتوكول دخل حيز التنفيذ سنة 2003، وبدأ عمله الفعلي سنة 2004 بديلاً عن “الآلية المركزية” السابقة لمنظمة الوحدة الإفريقية، بهدف جعل الاستجابة للأزمات أكثر سرعة وفعالية.

يضم المجلس 15 دولة عضواً تتمتع بحقوق تصويت متساوية (من دون حق نقض/فيتو). ويتم انتخاب الأعضاء من قبل المجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي، على أن تصادق عليهم القمة الإفريقية.

ويتوزع الأعضاء على فئتين:

5 أعضاء يُنتخبون لمدة ثلاث سنوات لضمان الاستمرارية وتراكم الخبرة.
10 أعضاء يُنتخبون لمدة سنتين لإتاحة التداول بين الدول.

ويتم توزيع المقاعد وفق الأقاليم الخمسة للقارة؛ وسط إفريقيا (3 مقاعد)، شرق إفريقيا (3)، شمال إفريقيا (2)، جنوب إفريقيا (3)، وغرب إفريقيا (4).

يعقد المجلس اجتماعاته بمقر الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا على ثلاثة مستويات: السفراء الممثلين الدائمين، الوزراء، أو رؤساء الدول والحكومات. وتتناوب رئاسته شهرياً بين الدول الأعضاء وفق الترتيب الأبجدي. وتُتخذ القرارات بالإجماع، وفي حال تعذر ذلك، بأغلبية ثلثي الأعضاء المصوتين.

ويتولى المجلس إطلاق بعثات حفظ السلام، وفرض العقوبات في حالات الانقلابات أو خرق النظام الدستوري، ودعم الوساطات السياسية، ومتابعة بؤر التوتر، وتعزيز التعاون الأمني بين الدول الإفريقية، ما يجعله أحد أكثر أجهزة الاتحاد تأثيراً في منظومة الأمن الجماعي بالقارة.

لماذا يُعد انتخاب المغرب مهماً؟ وكيف تطور حضوره داخل المجلس؟

يشكل هذا الفوز محطة دبلوماسية مهمة تعكس مكانة المغرب داخل إفريقيا وثقة عدد من الدول في مقاربته لقضايا الاستقرار والتنمية، بحسب الخبير الأمني محمد الطيار. فالمجلس، باعتباره الجهاز التنفيذي الأبرز في تدبير النزاعات والوساطة وعمليات حفظ السلام، يمنح أعضاءه تأثيراً مباشراً في صياغة القرارات المتعلقة بالأمن الجماعي الإفريقي.

وليست هذه المرة الأولى التي يشغل فيها المغرب عضوية المجلس؛ إذ تولى ولاية أولى بين 2018 و2020، ثم ولاية ثانية بين 2022 و2025، قبل أن يخسر التصويت في فبراير 2025 ويعود للفوز في اقتراع 2026. ويعكس هذا المسار حضوراً متواصلاً منح الرباط خبرة مؤسساتية داخل إحدى أهم آليات الاتحاد الإفريقي.

وخلال ولايتيه السابقتين، تولى المغرب رئاسة مجلس السلم والأمن في إطار الرئاسة الدورية الشهرية التي تتولاها الدول الأعضاء. وكانت أول رئاسة مغربية في شتنبر 2019، حيث ركزت الرباط على ملفات التغير المناخي وتأثيره على الأمن، ومكافحة التطرف العنيف، والتحديات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء.

كما تميزت رئاسة أكتوبر 2022 بالتركيز على التعاون بين الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة في عمليات حفظ السلام، ومناقشة تقرير حول مكافحة الإرهاب في القارة، إضافة إلى الترويج لمقاربة “تلازم الأمن والتنمية”. وفي فبراير 2024 ترأس المغرب المجلس خلال شهر انعقاد القمة الإفريقية العادية، ما عزز حضوره الدبلوماسي في توجيه النقاشات المرتبطة بالسلم والأمن.

ماذا يعني هذا الفوز سياسياً ودبلوماسياً؟

يرى الطيار أن هذه العضوية “ليست رمزية، بل استراتيجية في العمق”، لأنها تضع الرباط في قلب دوائر القرار الإفريقي، خصوصاً في الملفات الحساسة المرتبطة بالإرهاب والهجرة والنزاعات الإقليمية.

وعلى الصعيد السياسي، يعكس الفوز استمرار المقاربة المغربية القائمة على الشراكات جنوب–جنوب، وربط الأمن بالتنمية، والاستثمار في مشاريع التعاون الاقتصادي داخل القارة. كما يكرّس عودة المغرب القوية إلى الاتحاد الإفريقي منذ 2017، ويؤكد حضوره كفاعل يسعى إلى الحلول السلمية والوساطة وتعزيز الاستقرار، خاصة في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.

وتمنح هذه العضوية المغرب منصة إضافية للدفاع عن مقترحاته ومواقفه داخل المنظومة الإفريقية، وتعزيز شبكة تحالفاته، في سياق إقليمي ودولي يتسم بتحديات أمنية متصاعدة.

ما الذي يمكن أن يضيفه المغرب للمجلس؟ وماذا كان سيعني غيابه عنه؟

على مستوى السلم والأمن الإفريقي، يُنظر إلى المغرب كدولة تمتلك خبرة أمنية معتبرة في مكافحة الإرهاب والتطرف، إضافة إلى مساهمته في عمليات حفظ السلام الأممية.

كما يبرز دوره في تكوين الأئمة وتعزيز الأمن الروحي في عدد من الدول الإفريقية، وهي مقاربة يعتبرها الطيار جزءاً من استراتيجية شاملة لمواجهة التطرف، تقوم على الجمع بين الأمن الصلب والأمن الفكري والتنمية.

وتتيح العضوية للمغرب الإسهام في بلورة استراتيجيات إفريقية جماعية لمواجهة التحديات العابرة للحدود، عبر مقاربة تربط بين الأمن والحكامة والتنمية الاقتصادية.

في المقابل، كان غياب المغرب عن المجلس سيعني “تراجعاً نسبياً” في هامش التأثير داخل آليات اتخاذ القرار الإفريقي، و”فسح المجال” أمام أطراف أخرى لملء هذا الفراغ، وربما قراءة ذلك كمؤشر على “تراجع الدعم السياسي داخل بعض الدوائر”. غير أن الفوز الحالي يؤكد، وفق الخبير، أن الحضور المغربي داخل القارة أصبح مؤسسياً ومستداماً.