مادورو.. الطعم الذي ابتلعه ترامب!
هدية أخرى من ترامب لأعداء ومنافسي الولايات المتحدة، وإثبات منه لانتهاء النظام العالمي الحالي والحاجة لنظام عالمي جديد لن يكون بالضرورة بقيادة واشنطن بعد هذا الذي قامت به. نظام قد يتطلب عملية قيصرية تزج بالعالم في غرفة الإنعاش والعناية المركزة لمدة .
لن يدرك ترامب المأزق الذي وضع نفسه والولايات المتحدة والعالم بشكل عام فيه إلا بعدما تتلاشى نشوة “اختطاف” رئيس دولة مستقلة. لقد كان مادورو أصلا طُعما روسيا-صينيا ابتلعه ترامب بسهولة. وحتى في هذه الحالة لم يكن ليحدث ما حدث لولا تعاون المقربين من مادور وخصوصا العسكريون منهم الذين سلموه لواشنطن في سيناريو شبيه جداً بما حدث لصدام حسين وبشار الأسد .
وماذا الآن؟ كيف سيواجه ترامب وأمريكا العالم، في الداخل والخارج، سياسيا وإعلاميا ودبلوماسيا؟
الآن سيصبح على أوكرانيا أن تتدبر أمرها لوحدها مع بوتين، وسيصبح التايوانيون أما خيار وحيد وهو العودة إلى الحوار مع الصين، لأن أمريكا لم يعد لديها لا المشروعية ولا الوقت ولا حتى الإمكانيات للدفاع عن أي منها.
لقد أثبت ترامب أنه لا يتوفر على عُشر الصبر الاستراتيجي الذي يقود به بوتين وشي جين بينغ ملفاتهما الكبرى. لقد كان بإمكان بوتين غير ما مرة أن يقصف أو يعتقل زلينسكي مثلما تعتبر تايوان أرضا وحكومة بمثابة عصفور على نافذة بكين. لكنهما لم يتصرفا كما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية، رغم الاستفزازات الغربية المتكررة .
ترامب أعلن أن الولايات المتحدة ستدير فنزويلا، وإذا كانت ستفعل ذلك كما أدارت العراق وأفغانستان غيرهما فإن ما سيحدث في تصوري هو حرب أهلية طاحنة في ذلك البلد المنهك أصلا، مع ما سيترتب عن ذلك من إمكانية انتشار الفوضى في سائر دول المنطقة وارتفاع وتيرة الهجرة غير الشرعية نحو أمريكا، وتهيئة الأجواء لازدهار أكبر لتجارة الأسلحة والنفط والمخدرات والاتجار بالبشر، وباقي الجرائم العابرة للحدود…
وقد عبرت العديد من الدول الرئيسية في أمريكا اللاتينية مثل البرازيل والمكسيك وكولومبيا والشيلي عن الرفض والإدانة لما قام به ترامب. فهل سيختطف الرئيس الأميركي جميع هؤلاء؟
ستضطر أمريكا للانسحاب من فنزويلا بعد تخريبها وبعد سنوات كما حدث في العراق وأفغانستان والصومال والفيتنام وغيرهم كثير .
صحيح، لن تتدخل روسيا ولا الصين ولا البرازيل ولا إيران ولا كوريا الشمالية عسكريا وبشكل مباشر في فنزويلا، لكنهم سيحولون نزهة ترامب في كاراكاس وباقي دول أمريكا اللاتينية إلى جحيم مختلف الأبعاد، سياسي ودبلوماسي واقتصادي وعسكري. نحن على أبواب نهاية وليس إحياء “عقيدة مونرو”.
صار لدينا الآن ما يمكن تسميته “الملف الفنزويلي” أو “القضية الفنزويلية”، على غرار “القضية الأفغانية” أو “القضية العراقية”، وقد تتلوها قضايا وملفات مشابهة أخرى، وفي المحافل الدولية ستكون أوكرانيا مقابل فنزويلا وتايوان مقابل فنزويلا، وهكذا. لقد أصبح العالم يدار بأسلوب المضاربين .
أما بالنسبة لنا فإن التعامل مع هذا الحدث يتم وفق محورين، خاص وعام. من ناحية المصلحة المغربية الخالصة والظرفية فإن التخلص من أحد أخبث أعداء الوحدة الترابية لبلادنا يعتبر أمراً بالغ الأهمية والإيجابية، وقد عبر المغرب رسميا عن ذلك أصلا منذ 2019، حين نزع عن مادورو الشرعية واعتبر أن خوان غوايدو هو الرئيس الشرعي لفنزويلا.
وهنا تجب الإشارة إلى أمر بالغ الأهمية لعدم الانجراف نحو المواقف العاطفية السطحية، ذلك أن وجود شخص مثل خوان غوايدو في فنزويلا، ومثله كثيرون جدا في ذلك البلد، يظهر أن مشكلتنا ليست مع الشعب الفنزويلي، ولكن مع عصابة تشافيز ومادورو التي تحكمه منذ مطلع هذا القرن.
وقد جربنا ذلك مع العديد من الأنظمة في أمريكا اللاتينية وغيرها، إذ بمجرد أن يتغير الحاكمون تتغير المواقف بشكل جذري. لذلك، ومن المنظور العام، فإن تأييد عملية الاعتداء على سيادة دولة مستقلة واختطاف رئيسها يعتبر أمرا بالغ السلبية والخطورة لأنه يضفي الشرعية على خرق القانون الدولي والمساس بسيادة الدول وحقوق الشعوب، ويجعلنا في الجانب الخطأ للتاريخ.
أتوقع وأتمنى أن لا يصدر أي موقف رسمي مغربي جديد بهذا الخصوص، فالموقف الذي عبرنا عنه في 2019 يفي بالغرض وأكثر.