ماءٌ وسياسة
بعد أيام من الخوف الصامت، والترقّب الذي يأكل الأعصاب، ومن شعور عامّ بأننا لا نفهم بالضبط ما الذي يحدث. ثم بعد أن انتهت الدولة من إجلاء ما يفوق 108 آلاف مواطن من العرائش وسيدي قاسم وسيدي سليمان والقنيطرة، بينهم كتلة بشرية هائلة من القصر الكبير؛ يتضح أخيرا أن “مركز الثقل” في هذه الواقعة ليس المدينة وحدها، بل سد “وادي المخازن” الذي يعلوها.
حين يخرج هذا الأخير عن طاقته الاعتيادية يصبح تدبيره قرارَ حياة أو موت. لا لأن السد سيئ في ذاته، ولا لأن المهندسين فقدوا عقلهم فجأة، بل لأننا أمام وضعية هيدرولوجية استثنائية تُرغم أي دولة، حتى لو كانت مثالية، على خيارات قاسية. لكن ما لا يمكن أن نستمر في ابتلاعه هو الغموض، ولا يمكن أن نُطالَب بالصبر فيما تُدار أكبر عملية إجلاء مدني عرفها المغرب الحديث بصوتين رسميين، وبمعلومتين متناقضتين في النبرة، وبمسافة واسعة بين التقني والإنساني.
البلاغ التقني الصادر أمس عن وزارة التجهيز والماء يقول إن الأمور تُتابَع على مدار اليوم، وإن المنشأة سليمة، وإننا في سياق واردات قياسية تركزت بسرعة داخل أقل من شهرين… بالمقابل، بلاغ الداخلية لا يتحدث فقط عن “التدبير” بل عن مؤشرات خطورة متزايدة واحتمال تفاقم مفاجئ، ويستعمل لغة استعجالية تُحيل المواطن مباشرة إلى فكرة واحدة: الخطر ليس افتراضا مدرسيا، بل سيناريو قائم يستدعي الإخلاء الفوري.
والأخطر أن جوهر القصة، كما صار واضحا الآن، ليس أن السماء أمطرت فقط. بل أن السد تجاوز سعته الاعتيادية منذ 6 يناير، وأن الماء ارتفع بأربعة أمتار فوق المستوى التاريخي المسجل منذ بدء استغلال المنشأة، وأننا ذاهبون إلى لحظة يُرفع فيها صبيب التصريف إلى مستوى ضخم: 1377 مترا مكعبا في الثانية.
هذا الرقم قد لا يعني شيئا في لغة الناس، لكنه في لغة الأودية يعني أن ما كان نهرا قد يتحول إلى آلة كاسحة لا ترحم. وإذا أضفت إليه ما سيهطل من السماء فوق جبال وزان وشفشاون وما يتجمع في الشعاب والأودية الصغيرة غير المنظمة، فإن القصر الكبير لا تصبح مدينة تحت التهديد فقط، بل تصبح مدينة في طريق موجة تفاوض.
هنا، بالضبط، يبدأ النقاش الذي يُقال لنا دائما إنه ليس وقته. لكن متى وقته إذن؟ حين ينتهي كل شيء فنجد أنفسنا نعدّ الخسائر ونغني للنجاة؟ أم حين تُطوى الواقعة مثل غيرها ثم نعود، بعد أسابيع، لنتفرج على “أغنياء الكارثة” وهم يخرجون من تحت الرماد بحسابات ممتلئة؟
نحن لا نطرح الأسئلة كي نضع العصا في العجلة. بل نطرحها لأن العجلة تمضي، ومعها الناس، إلى المجهول، بينما الواجب السياسي والأخلاقي هو أن نفهم: هل نحن أمام كارثة طبيعية فقط، أم كارثة تدبيرية أيضا؟ هل وصلنا إلى 140% و146% لأن الواردات خارجة عن المألوف فقط، أم لأن آليات التسيير الاعتيادية لم تُفَعَّل في وقتها وبالجرأة اللازمة؟
ولماذا لا يتم شرح ذلك للمغاربة بوضوح؟ متى يبدأ التفريغ؟ ما هي العتبات؟ ما الذي حدث في الأسابيع السابقة؟ ما هو هامش المناورة الحقيقي؟ وما هي الأخطار الممكنة وأسوأ سيناريو محتمل؟
الناس تستطيع أن تتحمل الحقيقة، لكنها لا تتحمل الغموض.
أنا لا أكتب من موقع الخبير الذي يملك صكوك اليقين التقني. بل أكتب من موقع المواطن الذي يرى بأم عينه أن “أمة” من المغاربة أصبحت بين خيارين: أن تترك بيوتها وتخرج في العراء، أو أن تبقى وتنتظر الماء القادم. هنا، يصبح السؤال سياسيا بامتياز، لأن المنشآت المائية ليست جدرانا من إسمنت فقط، بل هي أمن قومي بالمعنى الحرفي. أمن الأرواح والممتلكات والاقتصاد. وحين تضطرب الثقة في طريقة تدبيرها، فإننا لا نتحدث عن نقد عابر، بل عن حق مجتمع في معرفة ما يجري في بنيته التحتية الحيوية.
ثم تأتي منطقة أكثر حساسية: المال. في بلد عرف سبع سنوات من الجفاف، ثم جاءت الأمطار فجأة ففتحت الجغرافيا أبوابها، لا يمكن أن نتعامل مع قطاع الماء بمنطق الحياد البارد، وكأنه لا يوجد فيه منتفعون. كنت قبل يومين في اللقاء السنوي لمجلس المنافسة، وسمعت رئيس المجلس يتحدث عن دخول القطاع الخاص بقوة على خط إنتاج الماء الشروب، وعن تحوله إلى مصدر أول لعدد من المدن الكبرى.
هذا، في ذاته، قد يكون خيارا تدبيريا له مبرراته التقنية والمالية. لكن من حقنا أن نرى الوجه الآخر: حين يصبح الماء سلعة، يصبح الجفاف فرصة. وحين يصبح الجفاف فرصة، وإنجاز مشاريع الربط بين الأحواض المائية مصدرا للصفقات التي تتنازعها القطاعات؛ يصبح سوء تدبير المنشآت المائية، أو حتى مجرد الاشتباه في سوء التدبير، بابا مشرعا للريبة، لأننا نعرف كيف تشتغل المصالح حين تختلط بالبنية التحتية.
لهذا لا يكفي أن يُقال لنا “السد سليم” كي ينتهي كل شيء. المطلوب أعمق، أي مساءلة منظومة تدبير المنشآت المائية كاملة، من البناء والصيانة إلى المراقبة ومنطق الملء والتفريغ، وشبكات القياس، وسيناريوهات التوقع، وشفافية القرار.
لم يعد الأمر يتوقف عند سد واحد. لأننا سمعنا في النقاش العمومي عن قنوات ربط بين الأحواض، وعن مشاريع ضخمة لتحلية مياه البحر، وعن مليارات تتحرك كما تتحرك السيول. ومن حق المواطن، حين يرى 100 ألف إنسان يتركون بيوتهم (وهذا في حدّ ذاته كارثة)، أن يسأل: هل نبني دولة ماء أم نبني اقتصاد صفقات؟ وهل اختيارات السنوات الأخيرة تُدار بمنطق المصلحة العامة أم بمنطق تقاسم الغنيمة؟
أنا لا أتهم أحدا بحكم نهائي، لكنني أرفض أن يُطلب مني الصمت بينما يهرب الناس من مدنهم.
ويزيد هذه المرارة سؤالٌ آخر: من يملك الجرأة على الكلام؟ أين الحكومة؟ أين الوزراء الذين ينبغي أن يكونوا في الواجهة حين يتعلق الأمر بأمن مائي يُهجّر مدينة؟ لماذا يختبئ السياسيون خلف بلاغات تقنية وبيانات عامة؟ وكيف يأتي رئيس الحكومة إلي البرلمان ليدافع عن حصول شركته على صفقة تحلية مياه البحر، ولا نسمع له صوتا بخصوص مشاريع قنوات الربط بين الأنهار والسدود التي رأيناه يتسابق نحوها مع وزير التجهيز؟
لا نريد خطابات للاستهلاك، ولا نريد طمأنة زائفة تنتهي بصفعة. نريد مسؤولين يُخاطبون المغاربة كما يخاطب شعبا راشدا. نريد مسؤولين يشرحون ما حدث، وما يحدث، وما قد يحدث، وما الخيارات المتاحة، ومن يتحمل مسؤولية كل قرار. ما يجري حاليا لم يعد شأنا إداريا ولا مسألة تواصلية. إنه امتحان للدولة نفسها: هل تتعامل مع المغاربة كمواطنين أم كمجرّد متلقين؟
في النهاية، لا أريد لهذه الكلمات أن تكون وقودا للجدل، بل وقودا للفهم. إن أخطر ما يمكن أن نخسره في مثل هذه اللحظات هو العقل. لكن أخطر ما يمكن أن نتركه ينمو هو الغموض. الدولة القوية لا تُخفي الحقيقة خوفا من “الفتنة”، ولا تُجزئ الرواية إلى بلاغين كي توزع القلق على الناس بالتقسيط.
الدولة القوية تصارح، لأن الصراحة هنا جزء من الإنقاذ. وإذا كنا سنخرج من هذه الأيام بأقل الخسائر، فلنخرج أيضا بدرس واضح: تدبير الماء ليس ملفا تقنيا يُترك في الخفاء.
إنه قدر بلد. والقدر لا يُدار بالصمت، ولا يُدار بتضارب الخطاب، ولا يُدار بترك الناس يهربون من بيوتهم دون أن يعرفوا: هل يهربون من الطبيعة فقط… أم يهربون أيضا من سوء التدبير؟