story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

ليلى شهيد.. فلسطينُ حيّة

ص ص

هناك أشخاص يرحلون فيسود الصمت ويُغلق الملف، وهناك من يرحلون فتشعر كما لو أن نافذة ضوء أُغلقت في وجه الإنسانية.

رحيل ليلى شهيد ليس خبرا عابرا في صفحات الصحف الدولية، بل غيابُ وجه كان يذكّر أوروبا، كلما حاولت أن تتعوّد على المأساة، بأن فلسطين ليست “ملفا” ولا “نزاعا” بين روايتين، بل بشرٌ ولحمٌ وذاكرةٌ وأرض.

كانت ليلى من هؤلاء الذين عاشوا حياتهم كأنهم يحملون وطنا على الكتف، لا على اللسان. وُلدت في بيروت سنة 1949، في الزمن الذي كان فيه اسم فلسطين يُمحى من الخرائط ويُدفع إلى هامش العالم.

عائلةٌ تتحدّر من القدس، بجذورٌ من مدينة لا تُنبت إلا المعنى، وجدٌّ كان رئيسا لبلديتها في بدايات القرن العشرين. عاشت طفولتها في المنفى، لكن فلسطين لم تكن فكرة بعيدة؛ بل كانت خبز البيت ودمعه.

كانت الأم، وهي تُهدّئ نوبات الربو الليلية التي تنتاب ليلى، تُسكت الألم بحكايات شهرزاد، وتُسكت معها خوفا آخر من انقطاع السلالة عن الوجود.

كانت تروي وتبكي، وكانت الصغيرة تكبر وهي تحمل في داخلها يقينا غريبا عنوانه “سنعود حتى لو طال الطريق”.

ثم جاء الخامس من يونيو 1967، يوم كانت ليلى تتأهب لامتحان الباكالوريا، فانفتح العالم على نكسة لا تشبه الهزائم العادية. احتلال القدس الشرقية كان بالنسبة إليها اقتحاما لبيت العائلة، واستباحة لسرير الذاكرة.

انضمت عندها إلى “فتح”، ليس لأن السياسة كانت موضة، بل لأن الحياة نفسها أصبحت عبارة عن سؤالا “ماذا يفعل الإنسان حين تُحتل مدينته وهو بعيد؟” وبدل أن تُقيم علاقتها بفلسطين على الحنين فقط، ذهبت إليها حيث كانت أكثر صدقا وقسوة: في مخيمات اللاجئين في لبنان.

هناك، بين مواطنين بلا أوراق وبلا جنسية، اكتشفت ليلى أن الوطن ليس خريطة، بل كرامة مكسورة تُصرّ على الوقوف. وكانت تقول لاحقا إن تلك المخيمات هي فلسطينها، لأن فيها سمعت قصص أمها تتحول إلى جدران من صفيح، وإلى خبز مُرّ، وإلى أمل لا يموت.

في الأردن، وخلال مؤتمر طلابي، انتبه إليها ياسر عرفات. رمقت عينه تلك المناضلة الفرنكوفونية، والدافئة، وسريعة البديهة، بصوت واضح لا يعرف التزيين. ومنذ تلك اللحظة بدأت ليلى تتحول، شيئا فشيئا، إلى ما يشبه “المترجمة الرسمية” لفلسطين. كانت تُحسن لغات الغرب، لكنها لم تفقد لغتها الأولى، لغة القلب.

ذهبت إلى باريس، لتبني شبكة من المثقفين والجامعيين والسينمائيين، لأنها كانت تفهم مبكرا أن المعركة ليست فقط في المكاتب، بل في الرأي العام، وفي الصورة، وفي القصة التي يصدّقها الناس عن فلسطين.

وفي سنة 1982، حين حدثت مجزرة صبرا وشاتيلا، ذهبت إلى المكان مع الكاتب والأديب والمسرحي الفرنسي جان جونيه. لم تذهب لتكتب خطابا، بل لتشهد.

لم تكن ليلى من صنف الذين يعتادون ويطبّعون مع النكبات أو يحوّلون المجازر إلى عناوين وأرقام باردة. كانت تعود من كل صدمة بصلابة أعمق، وبإصرار أكبر على ألا يُمحى الفلسطيني مرتين، مرة بالقتل، ومرة بالنسيان.

هناك زاوية مغربية في مسار ليليي شهيد لا يمكن تجاوزها، لأنها تُقربها منا وتُقربنا منها. فقد تزوّجت من الكاتب المغربي محمد برادة وأقامت في المغرب سنوات طويلة. ولم يكن المغرب محطة بروتوكولية في حياتها. بل كان بيتا، ودفئا، ومجالا لتصير فلسطين قضية الناس لا مجرّد شعار سياسي.

في أواخر الثمانينيات، غادرت المغرب ودخلت السلك الدبلوماسي الفلسطيني، وكانت أول امرأة تمثل منظمة التحرير في الخارج. تنقلت بين إيرلندا وهولندا والدنمارك، ثم صارت الوجه الذي تعرّفت به فرنسا على فلسطين، لسنوات طويلة.

وجهٌ صار مألوفا للمشاهد الفرنسي، لدبلوماسيةٌ مشتعلة وحميمة في آن. حادةٌ لكن غير كارهة. صلبةٌ لكن فيها ما يشبه طيبة المشرق. حتى من كانوا في الجهة الأخرى من الحكاية كانوا يعترفون، كما تنقل اليوم الصحافة الفرنسية، بأنها خصمٌ قد “يُحرجك” لأنه يملك حجة، لا لأنه يملك ضجيجا، وبأن السلام معها ممكن لأنها كانت تؤمن، رغم قسوة كل شيء، بأن السياسة لا يجب أن تُفقد الإنسان إنسانيته.

لم تكن ليلى في الإعلام الأوروبي امرأة تُدافع عن فلسطين بوصفها موضوعا للتعاطف، بل بوصفها قضية حق. وكانت تكره أن تُختزل فلسطين في كلمة “صراع”، لأنها كانت ترى أن الصراع يوحي بتساو أخلاقي بين الجلاد والضحية. كانت تُصرّ على شيء بسيط، ومُهين للبعض لأنه واضح: هناك شعبٌ يريد أن يعيش، على أرضه حياة عادية.

ثم جاء عام 2015، وتعبت، وأعلنت انسحابها بحزن وغضب. كانت قد رأت دورة كاملة من الوهم والأمل، من الانتفاضة الأولى، إلى أوسلو، ثم عودة الانسداد. لكنها حتى وهي تعلن التقاعد، كانت تقول حقيقة يعرفها كل من عاش القضية: لا أحد يتقاعد من وطن مكسور.

كانت ليلى تقول: “لا أطفال لي. لكن كل أطفال فلسطين هم أطفالي”. عبارةٌ قد يمرّ عليها الناس مرورا عاطفيا، لكنها عند ليلى كانت برنامج حياة. كانت ضعيفة فقط أمام الأطفال، وأمام صورهم التي تسقط كل تبريرات العالم. لذلك كانت قاسية على السياسيين، وعلى اللغة الباردة التي تحاول أن تجعل الموت تفصيلا هامشيا.

اليوم، حين يرثي العالم ليلى شهيد، لا يؤبن امرأة فقط، بل يؤبن طريقة في الدفاع عن فلسطين. طريقة لا تساوم على الحق، ولا تتاجر بالألم، ولا تستبدل الحجة بالكراهية. يؤبن وجها كان يُعيد فلسطين إلى شاشة تحاول أن تُبعدها، وصوتا كان يقول للأوروبيين، بأدب حازم، إن فلسطين ليست فكرة رومانسية ولا مادة نقاش في صالونات السياسة، بل اختبار أخلاقي للعالم كله.

ولأننا في المغرب نعرف معنى أن تتحول فلسطين إلى وجدان يومي، لا إلى خبر ثانوي، فإن رحيل ليلى يُصيبنا أيضا. كانت بيننا، عاشت معنا، وصارت جزءا من هذا الجسر الإنساني الذي يربط الرباط بالقدس، والبيت المغربي بالمخيم، واللغة التي نكتب بها بالجرح الذي لا يهدأ.

قد يرحل الإنسان، لكن أثره يبقى في كل كلمة قالها ليمنع النسيان.

رحم الله ليلى شهيد.