story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

“لم ينتحر”.. عائلة عمر حلفي لـ “صوت المغرب”: لن نرتاح حتى نرى تسجيلات الكاميرات

ص ص

بين جدران منزل يلفّه الحزن، تتصدر صورة كبيرة لشاب يبدو في ريعان شبابه، كان يُدعى قيد حياته عمر حلفي. هناك، حيث يجلس والداه، يحاولان استيعاب كيف تحوّل طموح ابنهما الوحيد، الحاصل على شهادة الماستر في القانون، إلى ملف قضائي مختوم بعبارة: “الحفظ بسبب الانتحار”.

توفي عمر حلفي يوم الأربعاء 18 فبراير 2026، وهو حينها رهن الحراسة النظرية، حينما تم اقتياده من منزل أسرته، من طرف عناصر الأمن، صوب مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء على خلفية ملف جنحي. قبل أن تتلقى أسرته ساعات بعد ذلك، مكالمة هاتفية تخبرهم أن عمر توفي، “بعدما أقدم على القفز من نافذة بالطابق الرابع بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء محاولا الانتحار”، حسب رواية النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء.

“أحس بكثير من الحكرة والظلم”، بهذه العبارات تستهل الأم المكلومة حديثها مع صحيفة “صوت المغرب” وهي التي ترفض تصديق الرواية الرسمية التي أعلنتها النيابة العامة بالدار البيضاء، قبل أيام، مشددة على أن “راحة بالها” حول ظروف وفاة ابنها، رهينة بالاطلاع على تسجيلات الكاميرات التي وثقت لحظة دخول عمر لمقر الشرطة القضائية ومكوثه هناك، ولحظة خروجه منها.

تسترجع الأم صورة ابنها الذي غادر المنزل حيا يرزق بين أيدي رجال الأمن، دون أن يشكو من أي مرض نفسي أو جسدي، بحسب تعبيرها: “ابني كان شابا خلوقا وطالبا مجدا، حاصل على شهادة الماستر في القانون بميزة مشرفة، يدرك ماله وما عليه، وكان مليئا بالأمل والطموح لماذا سينتحر؟”، تتساءل الأم بحرقة.

طيلة حديثها، كانت والدة عمر تتوسد صورة ابنها وهي تغالب دموعها المنهمرة، بينما كان زوجها، والد عمر، يجلس إلى جانبها صامتاً، يترك لها مساحة الحديث والبوح، مكتفياً بإيماءات رأسه بين الفينة والأخرى؛ تأكيداً على مشاطرتها الوجع ذاته وتأييداً لكل كلمة تنطق بها.

غير أَن حرقة التساؤلات التي تراوده جعلته يقاطعها ليطرح أسئلة ثقيلة تزيد من غموض الواقعة: “لماذا تم استدعاء عمر أصلا من طرف الشرطة القضائية؟ وما هي دواعي اعتقاله؟”.

ويضيف الوالد مستهجنا رواية النيابة العامة، “كيف لشاب بطول 1.90 متر أن يقفز من نافذة وسط حراسة أمنية يفترض أن تكون مشددة، وحتى بفرضية الانتحار، نحن نحمّل المسؤولية لرجال الأمن المكلفين بحراسته، بسبب الإهمال؟ وهو في عهدة الحراسة النظرية”.

كثرة الأسئلة التي تدور بخلد الوالد، جعلته يطرح احتمالات أخرى إذا ما صحت رواية الانتحار، “من بينها احتمال تعرض عمر للاستفزاز”، مؤكدا أن ابنه “لا يرضى بالإهانة”. كما أبدى شكوكا حول “ترك النافذة مفتوحة عن قصد، أو وقوع تصرف استفزازي أدى إلى الكارثة”، وهو الأمر الذي يرى الأب أنه لن يحسم، إلا برؤية تسجيلات الكاميرا بالعين المجردة، بحسب تعبيره.

علامات على الجسد

لم تتوقف مأساة العائلة عند الغموض الذي لف ظروف وفاة عمر، بل امتدت إلى لحظة الوداع الأخير، تروي الأم بمرارة كيف “مُنعوا” من غسل الجثة وفق الطقوس المعتادة، “قبل أن يجدوا ابنهم ملفوفا بقطع البلاستيك”.

تضيف والدته أنه، عندما تمكنت شقيقته من تمزيق قطع البلاستك من أجل رؤية وجه شقيقها، كانت المفاجأة: “وجهه لم تكن به خدوش بارزة، وهو الذي سقط من الطابق الرابع بحسب الرواية الرسمية، بل لاحظنا كدمات زرقاء حول العينين وأسنانا مكسورة”.

بعدها بدأ تساؤلات الأسرة تتوالى: “هل تتطابق هذه الإصابات مع آثار السقوط من علو شاهق، أم أنها تشير إلى شيء آخر؟”.

تؤكد والدة عمر، التي باتت لا تنام إلا بالمهدئات، أنها لن تسامح كل من تسبب في إيذاء ابنها الذي رزئت فيه، “لن أسامحهم دنيا وآخرة، كل من أذى ابني وحرمني منه، لن أسامحه”.

“ربّيت ابني رفقة والده أحسن تربية، واستثمرنا في تعليمه وتكوينه، وبعد وفاته عاملونا وكأنه ليس ابننا، بل وكأنه وجد في الشارع بدون أهل، لم يتواصلوا معنا، لم يتم استدعاؤنا، توصلنا بقرار الحفظ مثلنا مثل الرأي العام”، تقول والدة عمر.

وتضيف: “أنا والدته، أنا من حملت به لمدة تسعة أشهر، أرضعته، وشاهدته يترعرع أمام عيني يوما بعد يوم، كابدت رفقة والده لنراه شابا ناجحا في حياته وقد نجحنا في تربيته وتعليمه، وفي لمح البصر نتفاجأ بوفاته، والسبب “انتحر”، وهو في عهدة رجال الأمن”، هكذا أخبرونا ببرودة دم! كيف لعقلي أن يستوعب، أو لقلبي أن يصدق؟ لن أرتاح حتى أطلع على تسجيلات الكاميرات لنتأكد كيف مات ابننا وهذا حقنا، غير ذلك لن أصمت ولن أرتاح”.

وفي غضون ذلك كان الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء قد أفاد بأن النيابة العامة قررت، بناء على نتائج الأبحاث بشأن واقعة إقدام شخص كان موضوع بحث قضائي (عمر حلفي) “على القفز من نافذة بالطابق الرابع” بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء، حفظ المسطرة “لانتفاء العنصر الجرمي”.

وأعلن الوكيل العام للملك، في بلاغ يوم الثلاثاء 24 مارس 2026، بناء على البلاغ الصادر عن هذه النيابة العامة بتاريخ 19 فبراير 2026، “والذي تم بمقتضاه إشعار الرأي العام حول إقدام شخص كان موضوع بحث قضائي على القفز من نافذة بالطابق الرابع بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء، الأمر الذي نتج عنه تعرضه لإصابات بليغة توفي على إثرها بالمستشفى، أن النيابة العامة كان قد سبق لها أن أمرت بفتح بحث قضائي معمق في هذه الواقعة، عهد القيام به للمصلحة الولائية للشرطة القضائية بمدينة الدار البيضاء، تعزيزا لضمانات إجراء الأبحاث بشكل محايد ومستقل”.

وأضاف المصدر ذاته أن “البحث شمل الاستماع إلى عناصر الشرطة الذين كانوا مكلفين بالبحث مع الهالك بالفرقة الوطنية للشرطة القضائية، كما تم القيام بالمعاينات اللازمة من طرف تقنيي مسرح الجريمة، وأخذ العينات اللازمة، بالإضافة إلى تفريغ كاميرا المراقبة المتواجدة بفناء مقر الفرقة المذكورة”، مشيرا إلى أن الأبحاث خلصت إلى أن الهالك “ألقى بنفسه من نافذة المكتب بالطابق الرابع المتواجد بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، وهو الوضع الذي يؤكده تفريغ كاميرا المراقبة، وأن ذلك تسبب له في إصابات جد بليغة كانت هي السبب في الوفاة”.

وتابع أن “هذه النتيجة أكدها تقرير التشريح الطبي الذي أجري على جثة الهالك من طرف لجنة طبية ثلاثية مكونة من أطباء اختصاصيين في الطب الشرعي”، مبرزا أن التقرير خلص إلى أن الوفاة “ناتجة عن مضاعفات جراء إصابات الهالك بعدة رضوض مع كسور متعددة على مستوى الجمجمة وعظام الوجه والأضلاع والفخذ، مع وجود نزيف سحائي، وأن تعدد الإصابات تتوافق مع واقعة إلقاء الهالك بجسده من النافذة”.

كما أبانت الخبرة على العينات المأخوذة من دم الهالك، ومن محتوى معدته وبوله، “عن عدم وجود أي مواد كيميائية أو حيوية خارجة عن الجسم”.

وخلصت أيضا الخبرة العلمية والتقنية على الأغراض التي عثر عليها بمكان سقوط الهالك، ومقارنتها مع الآثار البيولوجية المتعلقة بها، “إلى وجود نمط وراثي واحد يخص الهالك فقط، دون أن يتم رصد أي نمط وراثي لغيره، مما ينسجم مع ما خلصت إليه الأبحاث بشأن واقعة إلقاء المعني بالأمر لنفسه من الطابق الرابع”.