كارتي: حرب إيران قد تحرم المغرب من أحسن سنة اقتصادية منذ 20 عاما
اندلعت الحرب في المشرق، فوضعت اقتصاد المغرب أمام مفارقة لافتة ومثيرة؛ إذ يتقاطع موسم فلاحي جيد، بفضل تسجيل تساقطات مطرية مهمة أعادت الأمل إلى النفوس بعد سنوات من الجفاف، وتحسن في نشاط الدورة الاقتصادية، مع اضطرابات دولية قد تُفَوِّت على المغاربة فرصة جني الثمار.
وفي هذا الصدد، قال الخبير الاقتصادي والمحلل المالي زكرياء كارتي، إنني “أشعر بنوع من الأسف لأن هذه الحرب اندلعت في هذا التوقيت بالذات، خصوصا ونحن، كمغاربة، كنا نعيش مؤشرات سنة اقتصادية قد تكون من الأفضل خلال العشرين سنة الأخيرة”.
وأضاف كارتي، في برنامج “لقاء خاص” مع صحيفة “صوت المغرب”، أن “الأمطار كما هو معلوم، تلعب دورا حاسما في الاقتصاد الوطني، بحكم تأثير الفلاحة على الناتج الداخلي الخام والتشغيل”.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن “السنوات الماضية، لم يكن إنتاج القمح يتجاوز في الغالب ما بين 30 و50 مليون قنطار، مع بعض الاستثناءات المحدودة، لكن هذه السنة قد نصل إلى حوالي 80 مليون قنطار”.
ومن ضمن المؤشرات اإيجابية أيضا أشار إلى أن التضخم تراجعا ملحوظا، وارتفع الاستثمار العمومي إلى مستويات غير مسبوقة، كما عرفت الاستثمارات الأجنبية تحسنا واضحا، حيث تشير التوقعات إلى نمو يتراوح بين 5% و6%، سواء من طرف المؤسسات الوطنية أو الدولية.
وخلص المتحدث في هذا الإطار، إلى أن “هذه الحرب، إذا طال أمده، قد لا تُجهض هذه الدينامية، لكنها قد تؤثر عليها بشكل ملموس”.
الفاتورة الطاقية وصندوق المقاصة..
وعن التداعيات الأولية للحرب، أبرز الخبير الاقتصادي أنه على المستوى الطاقي، يستورد المغرب ما يقارب 100 مليار درهم سنويا من المواد الطاقية”، موضحا أنه “في حال استمرار الحرب لأكثر من ثلاثة أشهر، قد ترتفع هذه الفاتورة إلى ما بين 140 و150 مليار درهم”.
ولفت كارتي إلى هذه الزيادة يُمكن للاقتصاد المغربي أن يمتصها دون ضغط كبير في المدى القريب، لأن “مستوى احتياطي العملة الصعبة يبقى مريحا نسبيا”.
واستحضر كارتي دور “صندوق المقاصة” في الحياة الاقتصادية المغربية، مشيرا إلى أن الحكومة رصدت له في قانون المالية لسنة 2026 حوالي 14 مليار درهم، وقد يرتفع هذا المبلغ إلى 20 مليار درهم إذا استمرت الحرب.
وأوضح الخبير أن الارتفاع يرجع إلى دعم غاز البوتان، إضافة إمكانية تسجيل ارتفاعات طفيفة في سعر القمح المدعم بسبب مصاريف الشحن والنقل.
في هذا السياق، يرى المحدث أن هذا الارتفاع “ليس مخيفا بشكل كبير”؛ إذ أنه يبقى في حدود من الاعتمادات المرصودة للصندوق في السنوات الماضية، وأقل ذروة الارتفاع المسجلة في سنة 2022 التي تراوحت بين 26 و30 مليار درهم.
شبح المحروقات يطارد المواطنين..
أما النقطة الأكثر حساسية بالنسبة للمواطنين، حسب الخبير الاقتصادي زكرياء كارتي، فهي أسعار المحروقات، التي سجلت بالفعل ارتفاعا في حدود درهمين للتر.
ونبّه إلى أنه إذا تجاوز سعر النفط عتبة 150 دولارا، فقد يصل سعر الغازوال إلى ما بين 15 و17 درهما، “وهو ما ستكون له انعكاسات مباشرة على القدرة الشرائية وعلى كلفة الإنتاج داخل الاقتصاد الوطني”.
واستحضر كارتي هنا لجوء الحكومة مرة أخرى إلى تفعيل دعم مهنيي النقل، الذي يتراوح بين 1600 درهم لسيارات الأجرة الصغيرة و7000 درهم للحافلات، مسجلا أن هذا الدعم يظل موجها أساسا للمهنيين، “في حين لا تستفيد منه بعض المقاولات الصناعية التي تعتمد على النقل الذاتي، ما قد يؤثر على تنافسيتها”.
ملف الكهرباء فوق الطاولة..
وفي السياق ذاته، ذكر كارتي أن ملف إنتاج الكهرباء يبرز في هذه الظرفية، مشيرا إلى أن المغرب يعتمد نوعا من الدعم غير المعلن للحفاظ على استقرار الأسعار.
وللمقارنة، يقول كارتي، شهدت دول مثل بريطانيا خلال الأزمة الأوكرانية ارتفاعا كبيرا في فواتير الطاقة، حيث كانت فواتير الغاز للتدفئة تصل إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف، وقد تصل إلى 400 أو 500 جنيه شهريا لمنزل صغير، وكان ذلك كارثيا.
وأضاف أن المغرب بدوره استثمر بشكل مهم في الطاقات المتجددة، إذ تبلغ القدرة الإنتاجية حوالي 45% إلى 50%، لكن الإنتاج الفعلي يظل في حدود 20% إلى 25% بسبب طبيعة هذه الطاقات المرتبطة بعوامل غير مستقرة كالشمس والرياح، وهذا يعني أن مسار تحقيق الأمن الطاقي ما زال في بدايته، ويحتاج إلى وقت واستثمارات إضافية.
وخلص كارتي إلى أن التوجه نحو الغاز الطبيعي المسال يظل خيارا استراتيجيا لتنويع مصادر الطاقة، مؤكدا أن المغرب قد بدأ بالفعل في هذا المسار، “غير أن تكرار إلغاء بعض المشاريع المرتبطة به يطرح إشكالا على مستوى المصداقية، خاصة عندما يكون ذلك بسبب اختلالات في تدبير الصفقات أو عدم احترام دفاتر التحملات، وهو ما قد يؤثر على ثقة المستثمرين مستقبلا”.
المحفوظ طالبي
لمشاهدة الحلقة كاملة المرجو الضغط على الرابط