story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رياضة |

كأس العرش.. قصة المسابقة الكروية الأكثر رمزية في المغرب

ص ص

لم تكن مسابقة كأس العرش لكرة القدم مجرد حدث رياضي تقليدي، بل وُلدت في خضم النضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، كأحد الأساليب الذكية لاستنهاض همم الشباب المغربي وحشدهم تحت راية الكفاح من أجل الاستقلال.

انطلقت الفكرة سنة 1946 بمبادرة من نخبة من الوطنيين والمقاومين، الذين وجدوا في الرياضة، وبخاصة كرة القدم، وسيلة فعالة لخلق وعي سياسي لدى الشباب ودفعهم للمشاركة في المشروع الوطني للتحرر. وذلك بإعادة تسمية مسابقة كروية قديمة كانت تسمى كأس المغرب وكأس السلطان، وتحويلها إلى “كأس العرش” لما لذلك من رمزية كبيرة في دعم أولى مطالب الحركة الوطنية بخروج المحتل الفرنسي من المغرب.

وقد حظيت الفكرة بدعم الملك محمد الخامس، الذي كان يرى في الرياضة أداة لتوحيد الصفوف وربط العرش بالشعب في معركة المصير المشترك.

السياق السياسي لنشأة كأس العرش

في 11 يناير 1944، قدّم الوطنيون المغاربة عريضة المطالبة بالاستقلال إلى الإقامة العامة الفرنسية، فكانت تلك الخطوة بمثابة زلزال سياسي قلب الموازين، وأكد للمستعمر أن الشعب المغربي مصمم على نيل حريته. ومع تصاعد المد الوطني، بدأ المقاومون في البحث عن وسائل جديدة لدعم الكفاح، بعيدًا عن الأساليب التقليدية التي كان الاستعمار يحاول احتواءها أو قمعها.

وبعد تجربة امتدت عشر سنوات من تقديم عريضة المطالبة بالإصلاحات عام 1933، أدرك الوطنيون أن تغيير أساليب النضال أصبح ضرورة لا بد منها. فإلى جانب الكفاح المسلح والمقاومة السرية، برزت الرياضة كأداة ذكية لتجنيد الشباب ونشر الفكر الوطني، حيث تم توجيه فرق الأحياء والقرى والمدن لتكون خلايا توعوية بضرورة الكفاح من أجل الإستقلال إلى جانب نشاطها الرياضي في المباريات والمسابقات.

الرياضة في مواجهة الاستعمار

كانت الرياضة، خاصة كرة القدم، تحظى بشعبية كبيرة بين المغاربة، لكن البطولات التي كان ينظمها الاستعمار الفرنسي كانت تحمل طابع السيطرة والهيمنة، مما دفع الوطنيين إلى الانفصال عن الدوريات التي يديرها الفرنسيون وطرح بديل مغربي خالص. ومن هنا، برزت فكرة إنشاء بطولة وطنية مستقلة، تتماشى مع معايير الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، لكنها تحمل رسالة سياسية عميقة: التأكيد على الارتباط بين العرش والشعب، وتعزيز روح المقاومة ضد المستعمر.

العصبة الحرة، التي تأسست بقيادة نخبة من المناضلين، مثل عبد السلام بناني، عبد الرحمن اليوسفي، محمد اليزيدي، وعمر بوستة، كانت المحرك الأساسي لهذه الفكرة. هؤلاء الوطنيون عرضوا الفكرة على الملك محمد الخامس، الذي بارك المشروع ورعاه سراً وعلانية، ليتم الإعلان عن بطولة كأس العرش، التي أصبحت فيما بعد رمزًا من رموز الكفاح الوطني.

رمزية المقاومة والصمود

لم تكن كأس العرش مجرد بطولة كروية، بل كانت تحديًا مباشرًا للمستعمر، الذي كان يرى فيها تهديدًا سياسيًا يُجسد إرادة المغاربة في بناء كيانهم المستقل. وبما أن الملك محمد الخامس كان المستهدف الأول من طرف سلطات الإستعمار، فقد أصبحت المسابقة أكثر من مجرد منافسة رياضية، بل سلاحًا ناعمًا يعزز روح الوطنية في صفوف الشباب.

حرص الوطنيون على اختيار 11 مارس موعدًا لنهائي كأس العرش، ذكرى جلوس الملك محمد الخامس على عرش أسلافه. وكانت تقام المباريات النهائية في ملعب “المشور السعيد” بالقصر الملكي بالرباط، المكان الذي يحمل رمزية خاصة لارتباطه بالمؤسسة الملكية، مما زاد من أهمية هذه الكأس في ارتباط الشعب المغربي بالعرش، وتوحيد صفوف المغاربة من أجل مواجهة المحتل الغاشم.

وقد بلغت البطولة أوج رمزيتها حين أقدمت الإقامة العامة الفرنسية في 20 غشت 1953 على نفي الملك محمد الخامس وأسرته خارج المغرب، في محاولة لفرض هيمنتها المطلقة على البلاد. عندها، أدرك الشباب الذين كانوا يشاركون في الفعل الكروي الوطني أن الرياضة لم تكن مجرد لعبة، بل كانت رافعة للنضال والمقاومة، مما زادهم إصرارًا على الاستمرار في البطولة، رغم الظروف القاسية، إيمانًا منهم بأن استمرار المسابقة هو تحدٍ مباشر للمستعمر، وخطوة نحو عودة الملك واستعادة السيادة الوطنية.

إرث وطني بعد الإستقلال

بعد ثلاث سنوات من ثورة الشعب على المستعمر الفرنسي، اضطرت سلطاته إلى إعادة الملك محمد الخامس إلى أرض الوطن عام 1955، وأُعلن عن استقلال المغرب. مع هذا الحدث التاريخي، اكتسبت كأس العرش بعدًا جديدًا، حيث أصبحت ليست فقط بطولة كروية، بل إرثًا وطنيًا يُخلّد تضحيات جيل المقاومة.

عندما أُقيم النهائي الأول لكأس العرش بعد الاستقلال (موسم 1956/1957)، شهدت المباراة حضورًا استثنائيًا من النساء، اللواتي جئن بكثافة لمشاهدة الملك البطل محمد الخامس، بعدما لم تتح لهن الفرصة لاستقباله عند عودته من المنفى. كان ذلك دليلًا على المكانة التي احتلتها المسابقة في قلوب المغاربة، كونها لم تكن مجرد مباراة في كرة القدم، بل جزءًا من تاريخ المغرب النضالي.

خصوصيات كأس فريدة

حتى اليوم، وبعد مرور عقود على تأسيسها، تظل كأس العرش المسابقة الأكثر رمزية في المغرب، حيث تتميز بكونها البطولة الوحيدة التي تسمح لجميع الفرق، بغض النظر عن تصنيفها، بالمشاركة فيها، مما يعكس قيم الديمقراطية والمساواة التي نشأت عليها البطولة منذ تأسيسها.

ما يميز كأس العرش عن غيرها من البطولات أنها ليست مجرد مسابقة تعتمد على إقصاء المنهزمين، بل هي إرث وطني يعكس روح المقاومة والتضحية، حيث تحمل الفرق المشاركة رسالة تاريخية تعود إلى زمن الاستعمار، حين كانت كرة القدم أداة من أدوات التحرير.

لقد أثبتت كأس العرش، عبر الأجيال، أنها أكثر من مجرد بطولة رياضية، فهي جزء لا يتجزأ من الهوية المغربية، ورمز نضالي يُروى للأجيال القادمة، ليعرفوا كيف كانت كرة القدم سلاحًا في معركة الحرية والاستقلال.