قضايا الشباب في البرلمان على “مشرحة” تحليل البيانات.. حكومة تجيب بما يخدم الترويج وتتجاهل ما يربك الحصيلة
تحتل قضايا الشباب موقعاً محورياً داخل النقاش السياسي والمؤسساتي في المغرب، باعتبارها إحدى أكثر القضايا ارتباطا بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية وبالرهانات التنموية الراهنة والمستقبلية، غير أن هذا الحضور المكثف على مستوى الخطاب لا ينعكس بالضرورة بوضوح داخل آليات الاشتغال البرلماني، خاصة في ما يتعلق بالأسئلة الشفوية التي تشكل إحدى أبرز أدوات الرقابة المباشرة على العمل الحكومي داخل الجلسات العامة المنقولة للرأي العام.
وفي هذا السياق، يطرح تتبع معالجة قضايا الشباب داخل مجلس النواب مجموعة من الفرضيات الإشكالية المرتبطة بطبيعة التمثيل البرلماني لهذه القضايا، وبمن يتولى فعليا حملها داخل المؤسسة التشريعية، وبالكيفية التي يتم بها التفاعل مع مضامينها من طرف الحكومة، كما يثير هذا المسار تساؤلات حول ما إذا كانت الأسئلة الشفوية المطروحة تعكس فعلا الإشكالات الحقيقية لفئة الشباب، أم أنه يتم توجيه جزء منها نحو قضايا ذات طابع خدماتي أكثر قابلية للعرض والتواصل السياسي داخل الجلسات العلنية.
وانطلاقا من هذه التساؤلات، يسعى هذا التحليل الذي شمل معطيات 201 سؤالا شفويا تمتقديمه داخل مجلس النواب خلال الفترة الممتدة من أواخر سنة 2021 إلى منتصف سنة 2026، بهدف تفكيك أنماط التمثيل البرلماني لقضايا الشباب، وقراءة دينامية التفاعل الحكومي معها، ورصد طبيعة الفجوة المحتملة بين المبادرة الرقابية داخل البرلمان والاستجابة التنفيذية داخل الجلسات العامة، والوقوف عند الفجوة بين كثافة المبادرة البرلمانية وحدود التفاعل التنفيذي.
صورة رقمية عامة تكشف فجوة التفاعل
تكشف المعطيات الإحصائية المرتبطة بالأسئلة الشفوية حول قضايا الشباب عن فجوة واضحة بين حجم المبادرة البرلمانية ومستوى التفاعل الحكومي داخل الجلسات العامة.
وفي السياق ذاته، تظهر المعطيات أن مجموع الأسئلة الشفوية المقدمة في هذا الإطار بلغ 201 سؤالا، من بينها أسئلة آنية وأخرى عادية، فيما لم تتجاوز الأسئلة التي تمت الإجابة عنها فعليا من قبل الحكومة بمختلف قطاعاتها 60 سؤالا فقط، في المقابل، ظل 141 سؤالا دون جواب مباشر أو دون برمجة داخل الجلسات العامة، ما يمثل معدل تفاعل حكومي لا يتجاوز 29.85 في المائة.
ويعكس هذا المعطى الرقمي أن الحكومة تتفاعل مع أقل من ثلث المبادرات الرقابية المرتبطة بقضايا الشباب، وهو ما يطرح إشكالا مزدوجا يتعلق من جهة بضغط الزمن التشريعي المخصص للأسئلة الشفوية، ومن جهة ثانية بطبيعة الانتقاء الذي يحكم برمجة الأجوبة داخل الجلسات العامة، وفق اعتبارات ترتبط غالبا بجاهزية الملفات والمعطيات وانسجام رسائلها مع الخطاب الحكومي، أكثر من ارتباطها بحدة الإشكالات الاجتماعية المطروحة.
حضور متعدد للفاعلين السياسيين داخل ملف الشباب
وبتحليل البيانات، لا يظهر ملف الشباب داخل البرلمان المغربي كملف حزبي محصور، بل كموضوع أفقي تتقاسمه مختلف المكونات السياسية داخل الأغلبية والمعارضة، وإن كان بدرجات متفاوتة من حيث الكثافة والاهتمام.
وفي نفس الاتجاه، سجل حزب الأصالة والمعاصرة 33 سؤالا شفويا، متبوعا بحزب الاستقلال بـ23 سؤالا، ثم حزب التجمع الوطني للأحرار بـ12 سؤالا، كما طرح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية 13 سؤالا، وحزب التقدم والاشتراكية 12 سؤالا، في حين سجل حزب الحركة الشعبية 8 أسئلة، مقابل 3 أسئلة فقط للمجموعة النيابية للعدالة والتنمية.
وتظهر هذه الأرقام أن قضايا الشباب لم تعد موضوعا ثانويا داخل النقاش البرلماني، بل باتت جزءا من الهندسة السياسية العامة للنقاش التشريعي، غير أن هذا الحضور الكمي لا يوازي بالضرورة مستوى التأثير في طبيعة الاستجابة الحكومية، وهو ما يظهره تحليل نوعية الأسئلة والتفاعل الحكومي معها.
تباين الاستجابة الحكومية حسب التموقع السياسي
تبرز المعطيات وجود تفاوت واضح في نسب التفاعل الحكومي مع الأسئلة الشفوية حسب الانتماء السياسي للنواب، وهو تفاوت يعكس طبيعة معقدة في آليات برمجة الأجوبة داخل الجلسات العامة.
وحسب المصدر ذاته، فقد سجل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نسبة تفاعل بلغت 100 في المائة، يليه حزب التجمع الوطني للأحرار بنسبة 83.33 في المائة، ثم حزب الاستقلال بنسبة 56.52 في المائة، في المقابل، بلغت نسبة التفاعل 41.66 في المائة مع حزب التقدم والاشتراكية، و39.39 في المائة مع حزب الأصالة والمعاصرة، بينما لم تتجاوز 33.33 في المائة مع العدالة والتنمية، و25 في المائة مع الحركة الشعبية.
ويشير هذا التفاوت إلى أن الاستجابة الحكومية لا تخضع فقط لمنطق عدد الأسئلة، بل تتأثر أيضا بطبيعة الملفات المطروحة، وإمكانية تحويلها إلى أجوبة مباشرة داخل الجلسات، وهو ما يعكس نوعا من الانتقائية غير المعلنة في تدبير الزمن الرقابي.
الفاعلون الأكثر نشاطا في مساءلة الحكومة حول الشباب
على المستوى الفردي، برز عدد من النواب الذين اضطلعوا بدور محوري في إثارة قضايا الشباب داخل المؤسسة التشريعية، بما يظهر أن قضايا الشباب داخل المؤسسة التشريعية، لا يحملها بالضرورة برلمانيون شباب، رغم أن نسبتهم تشكل ما يقارب الـ30 في المائة من المجلس.
وتظهر المعطيات التي تم تحليلها أن النائب أحمد تويزي 20 سؤالا شفويا حول قضايا الشباب، توصل منها بـ10 أجوبة حكومية، وتركزت تدخلاته حول الرقمنة، وإدماج الشباب في سوق الشغل، وفئة الشباب غير المتمدرس وغير العامل، إضافة إلى قضايا الشباب في العالم القروي، كما سجل النائب علال العمروي 11 سؤالا شفويا، غير أن عدد الأجوبة التي حصل عليها لم يتجاوز 3 أجوبة، وارتبطت تدخلاته أساسا بمواضيع الحماية من الانحراف والإدمان والتأطير الجمعوي.
في المقابل، سجل النائب محمد شوكي 5 أسئلة شفوية مقابل 6 أجوبة حكومية، نتيجة تداخل بعض الردود ضمن جلسات متعددة، خاصة تلك المرتبطة ببرنامج “جواز الشباب” ومشاريع الرقمنة، أما على مستوى المعارضة، فقد طرح النائب رشيد حموني 6 أسئلة شفوية توصل منها بـ3 أجوبة، فيما سجل النائب عبد الحق أمغار 3 أسئلة شفوية توصل بأجوبة إضافية غير مباشرة، وتركزت أسئلتهما حول البطالة وسياسات التشغيل والهشاشة الاجتماعية.

التمركز القطاعي لأسئلة الشباب داخل العمل الحكومي
تظهر المعطيات أن النقاش البرلماني حول قضايا الشباب يتمحور أساسا داخل قطاعين حكوميين رئيسيين، يشكلان محور التفاعل الأكبر داخل الجلسات العامة، وهما قطاع الثقافة والشباب والتواصل، وقطاع الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات.
وتلقت وزارة الشباب والثقافة والتواصل 38 سؤالا شفويا أجابت عن 36 منها، وارتبطت هذه الأسئلة ببرامج دور الشباب، وتأهيل البنية التحتية الثقافية، ومشروع “جواز الشباب”، إضافة إلى ملفات الرقمنة والتكوين.
كما تلقت وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات 20 سؤالا شفويا، تمت الإجابة عن 19 منها، وركزت أساسا على برامج التشغيل، ومحاربة البطالة، والإدماج المهني، ودعم التشغيل الذاتي.
في المقابل، ظل حضور قطاعات أخرى مثل الفلاحة والتربية الوطنية والانتقال الرقمي محدودا نسبيا، رغم ارتباطها المباشر بعدد من إشكالات الشباب، وهو ما يعكس تمركزا موضوعاتيا واضحا داخل النقاش البرلماني.
تحليل موضوعاتي لأنماط التفاعل الحكومي
يكشف تفكيك مضمون الأسئلة والأجوبة عن وجود نمط واضح في طبيعة الملفات التي تحظى بتفاعل حكومي مرتفع مقارنة بغيرها، حيث تميل الحكومة إلى التفاعل بشكل أكبر مع الملفات ذات الطابع البرنامجي والخدماتي، والتي تتوفر بشأنها معطيات جاهزة وأرقام قابلة للعرض داخل الجلسات العامة، مثل برنامج “جواز الشباب”، وتوسيع دور الشباب، ومشاريع الرقمنة، والبنية التحتية الثقافية، وهي ملفات يمكن تحويلها إلى “حصيلة عرض” داخل النقاش السياسي العمومي.
في المقابل، تسجل ملفات أخرى حضورا ضعيفا في التفاعل الحكومي رغم كثافة طرحها داخل البرلمان، وعلى رأسها قضايا الشباب من فئة NEET، وإشكالات البطالة الهيكلية، والاختلالات المرتبطة ببرامج التمويل المقاولاتي مثل “فرصة” و”انطلاقة”، إضافة إلى ملفات الصحة النفسية، والإدمان، والمخاطر الاجتماعية المستجدة.
ويبرز هنا عنصر أكثر حساسية، يتمثل في التعامل المحدود مع الأسئلة ذات الطابع السياسي أو النقدي المرتبط مباشرة بفعالية البرامج الانتخابية والشعارات التي رفعت خلال الحملات السابقة حول تشغيل الشباب، حيث تطرح هذه القضايا داخل البرلمان بشكل متكرر دون أن تحظى بنفس مستوى التفاعل الذي تحظى به الملفات ذات الطابع التنفيذي أو التقني.

أسئلة كثيرة واستجابات انتقائية: أين تذهب قضايا الشباب داخل البرلمان؟
يظهر هذا التحليل لبيانات الأسئلة الشفوية بمجلس النواب المغربي أن قضايا الشباب تحضر بكثافة داخل العمل الرقابي البرلماني، بما يعكس دينامية سياسية وتشريعية نشطة واهتماما متواصلا بهذا الملف داخل النقاش العمومي. غير أن هذا الحضور الكمي لا يجد دائما ترجمة مماثلة على مستوى التفاعل الحكومي، حيث لا يتجاوز معدل الاستجابة 29.85 في المائة خلال الفترة المدروسة.
وتكشف المعطيات أن التفاعل الحكومي يميل بشكل واضح نحو الملفات ذات الطابع البرنامجي والخدماتي، أي تلك التي تتوفر بشأنها معطيات جاهزة ومؤشرات قابلة للعرض داخل الجلسات العامة، مثل برامج جواز الشباب، ودور الشباب، وسياسات الرقمنة، وملفات التشغيل، بما يسمح بإبراز منجزات قابلة للتقديم السياسي السريع.
في المقابل، يسجل تفاعل أضعف أو غير مكتمل مع الملفات ذات الطابع البنيوي والسياسي، خاصة تلك المرتبطة بالإشكالات العميقة التي تواجه فئة الشباب، وعلى رأسها وضعية الـNEET، والبطالة الهيكلية، وتعثر برامج التشغيل والمقاولات الشبابية، إلى جانب الأسئلة التي تلامس بشكل مباشر الالتزامات الانتخابية والشعارات السياسية المتعلقة بإدماج الشباب في سوق الشغل.
وبين وفرة الأسئلة داخل المؤسسة التشريعية من جهة، وانتقائية واضحة في طبيعة الأجوبة الحكومية من جهة أخرى، يظل السؤال مفتوحا حول طبيعة هذا التوازن، وما إذا كان الأمر يرتبط فقط بإكراهات تقنية وزمنية داخل الجلسات العامة، أم أنه يعكس ترتيبا ضمنيا لأولويات سياسية يميز بين ما يناقش علنا داخل البرلمان، وما يؤجل أو يدار بشكل غير مباشر داخل الفضاء المؤسساتي.