قراءة دستورية في رسالة إلغاء شعيرة الأضحية

أعلن الملك محمد السادس، في رسالة سامية تلاها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، مساء الأربعاء 26 فبراير2025، عن إلغاء شعيرة ذبح أضحية عيد الأضحى لهذه السنة، و لا شك أن فهم مضامين الرسالة الملكية يمر عبر قراءة متأنية، و فهم عميق في إطار خصوصيات النظام السياسي المغربي، دينيا و قانونيا.
بداية و قبل الانتقال لتناول الجانب الدستوري، لابد من تسجيل بعض الملاحظات في لغة و مضمون و سياق الرسالة الملكية، اذ سنحاول التوقف عند خمس ملاحظات بشكل عابر، قبل الانتقال للجانب القانوني و الدستوري :
أولا: استعملت الرسالة مصطلح -نهيب- و هي تفيد في اللغة المناشدة بجدية و حزم، اذ تستعمل العبارة في الخطابات الرسمية للتعبير عن نداء أو توجيه ملزم ، و ليس الامر كما قد يفسر البعض ، حيث كان من الممكن ان تأتي الرسالة في صيغة – نعطي أمرنا للحكومة و ان تليها إجراءات – مما يفهم معه انه ليس منع من شعيرة ذبح الاضحية بسلطوية ، بل هو جزء من التواصل المستمر بين الملك و الامة وفق الأعراف المغربية .
ثانيا، انطلاقا من الملاحظة الأولى نفسها ، يسجل أيضا توجيه الملك الرسالة بشكل مباشر للأمة المغربية ، دون أي وسائط سياسية او مؤسسات .
ثالثا: تأتي الرسالة بنفس الأسس التي بنيت عليها رسالة الملك الحسن الثاني في هذا الباب سابقا ، و بنفس الشكل و البرتوكول ، حيث التذكير بروابط البيعة، و تلاوتها من طرف وزير الأوقاف و الشؤون الاسلامية .
رابعا: تكريس الملك الاجتماعي، و ذلك من خلال عنصريين: الأول ،رفع الضرر عن أبناء الشعب لاسيما ذوي الدخل المحدود ، ثانيا ، النيابة عن الشعب في إقامة هذه السنة – سنقوم ان شاء الله تعالى بذبح الاضحية نيابة عن شعبنا – .
خامسا: التأكيد على الغاء ذبح الاضحية مع استمرار ممارسة بقية طقوس العيد ، بكل طقوسه المعتادة مما يمكن معه التمييز و الانتباه الى انه الغاء لشق من العيد و هو ذبح الاضحية ، و ليس الغاء للعيد.
بالانتقال للجانب الدستوري، فهذا القرار ليس الأول من نوعه في تاريخ المغرب،اذ سبق و ان تم الغاء ذبح الاضحية في ظروف خاصة ، لكنه الأول في عهد الملك محمد السادس والأولى في ظل دستور 2011.
صحيح انه خلال فترة الحماية الفرنسية (1912-1956)، كان هناك تأثير كبير على احتفالات العيد، و كان من الصعب على بعض الأسر الحصول على الأضاحي بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، إلا أن عيد الأضحى ظل يُحتفل به بصفة عامة، رغم التحديات.
بل حتى في فترات الجفاف أو في حالات قاسية مثل المجاعات أو الأوبئة، و التي معها قد تم اتخاذ قرارات مؤقتة تتعلق بتقليل الذبح أو تأجيله، لكن كانت حالات استثنائية بالمجمل، لم يكن عيد الأضحى يُلغى فيها ، بل كان يُحتفل به وتُذبح الأضاحي بنوع من التحفظ .
بعد الاستقلال، و منذ أول دستور للمملكة المغربية، سنجد ان الشعائر الدينية للمغاربة شكلت موضوع نصوص دستورية، وذلك بغاية تنظيمها، و صيانة حق المواطنين في ممارستها، و في ظل عدد من دساتير المملكة المغربية تم الغاء دبح الاضحية، و ذلك في ثلاثة مناسبات سابقة ابان حكم الملك الحسن الثاني رحمه الله، الأولى سنة 1963 و ذلك بسبب حرب الرمال ضد الجزائر ،ثم الثانية سنة 1981 بسبب الجفاف و قلة الموارد ، و الثالثة سنة 1996 نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي للمغرب ان ذاك .
لتكون هذه المرة الرابعة في تاريخ المغرب، و الأولى في عهد الملك محمد السادس و الأولى كذلك في ظل دستور 2011، مما يجعلنا امام ضرورة فهم الاطار الدستوري أولا، ثم فهم الإشكالات الدستورية المرتبطة بالشعائر الدينية خصوصا في دستور 2011 .
يطرح إلغاء عيد الأضحى من الناحية القانونية والدستورية بالمغرب عدة جوانب يجب تحليلها بعناية، باعتبار العيد مرتبط بأبعاد دينية واجتماعية وثقافية، بالإضافة إلى كونه مأطر بنصوص قانونية ودستورية تتعلق بحقوق المواطنين، لاسيما الحق في ممارسة الشعائر الدينية، و هي المكفولة ايضا وفقًا للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، و نشير هنا للإعلان العالمي لحقوق الانسان، والعهد الدولي للحقوق السياسية و المدنية الذي يعتبر الحق في حرية الدين والمعتقد من الحقوق الأساسية.
بالعودة لدستور المملكة المغربية لسنة 2011، نجده لا يتطرق بشكل مباشر إلى الأعياد الدينية، لكنه يقر بأن المملكة دولة إسلامية، ويضمن حماية ممارسة الشعائر الدينية للمواطنين، و ذلك من خلال الفصل الثالث من الدستور المغربي و الذي ينص ينص على أن “الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية”. وبناءً عليه، يشكل عيد الأضحى جزءًا من هذه الشؤون او الشعائر الدينية التي تضمنها الدولة، وبالتالي، إلغاء هذه الشعيرة من الناحية الدستورية قد يطرح اشكالا في تفعيل الفصل الثالث.
من الناحية القانونية يمكن أن تُفرض بعض الاستثناءات في حالات الطوارئ، مثل الكوارث الطبيعية أو الظروف الاقتصادية الاستثنائية التي قد تؤثر على قدرة المواطنين على أداء الشعائر الدينية، مثلًا، في حالة الجفاف أو الأزمة الاقتصادية، يمكن أن تكون هناك توصيات من الدولة بتقليل الاستهلاك أو تقليل الذبح، لكن هذا لا يعني إلغاء العيد بشكل كامل.
عطفا على الفصل الثالث من الدستور ، لابد من التوقف عند باقي فصوله ليكتمل الفهم ، فوفقا لدستور 2011 ، يُعتبر الملك هو أمير المؤمنين، تحديدا الفصل 41 من الدستور، – الملك امير المؤمنين و حامي حمى الملة و الدين و الضامن لحرية ممارسة الشعائر الدينية – ، و عليه فإن الملك يضطلع بدور رئيسي في حماية الدين ، وصيانة القيم الدينية للمجتمع المغربي، وهو بذلك الضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية ، وهذا الدور جزءًا من مسؤولياته الدستورية، وهو ما يُمكّنه من التأثير في المسائل المتعلقة بالشعائر الدينية، بما في ذلك الاحتفالات بالأعياد الدينية مثل عيد الأضحى، دون أن ننسى ترأسه للمجلس العلمي الأعلى، و هو الجهة الوحيدة المؤهلة للإصدار الفتاوى .
إن النص الدستوري ليس المنطلق الوحيد الذي يتأسس عليه قرار الملك بإلغاء أو تعديل شعيرة دينية ، بل أيضا يرتكز علي عنصريين أساسيين و هما البيعة و الامامة، و هو ما وضحه مستهل الرسالة الملكية، – شعبي العزيز، لقد حرصنا، منذ أن تقلدنا الإمامة العظمى، مطوقين بالبيعة الوثقى- ، و لا شك أن كل عارف بالنظام السياسي المغربي، يعي مدى أهمية و ثقل البيعة في النظام السياسي المغربي .
وفي هذا الإطار، قد يوجه أمير المؤمنين خطابًا أو توجيهًا او رسالة، كما هو الحال في رسالة 25 فبراير، يُوضح فيها السبب وراء اتخاذ مثل هذا القرار، ويُظهر فيها اهتمامه بتحقيق التوازن بين الحفاظ على شعائر الدين من جهة، وضمان الصحة والسلامة العامة و مصلحة الأمة / الشعب من جهة أخرى.
قد تتجه هذه الرسائل على أن الإلغاء أو التعديل في الاحتفالات لا يعني تعطيل العبادة، بل يكون له طابع مؤقت ومرتبط بالظروف الاستثنائية التي يمر بها البلد، و هو ما جاء في الرسالة عندما وضح الملك الأسباب الاقتصادية و المناخية و ميز بين ذبح الاضحية و باقي أركان الاحتفال بعيد الأضحى .
إن ما سبق، يُظهر من خلاله أمير المؤمنين مرونة في تكييف الشعائر مع الظروف الوطنية الصعبة حيث باستحضار روح الدستور، نبلغ مدى التلاؤم بين مضامين الرسالة الملكية و تصدير الدستور المغربي، الذي يؤكد على الإسلام المنفتح، و أيضا من خلال القراءة المتكاملة لنصوص الدستور المغربي على ضوء خصوصية النظام السياسي المغربي، و ما يتناسب مع ما تقتضيه مصلحة الامة المغربية باعتبارها الهدف الاسمى .