في ظل تصاعد الهجرة إلى سبتة.. أبرز محاولات العبور الجماعي منذ 2021
لم تكن مشاهد مئات المواطنين المغاربة وهم يسبحون جماعات نحو سبتة المحتلة، أو يلتفون حول الحاجز البحري للوصول إلى المدينة، حدثاً معزولاً في تاريخ الهجرة بين المغرب والثغر المحتل، لكنها تمثل أحدث حلقة في سلسلة من محاولات العبور الجماعي التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
فمنذ أزمة ماي 2021، مروراً بما سمي حدث “الهروب الكبير” في شتنبر 2024، وصولاً إلى الموجة الحالية في صيف 2026، تكررت المشاهد ذاتها بأشكال مختلفة، بينما بقي العامل المشترك هو إقدام آلاف الشباب، بل وحتى النساء والأطفال، على المجازفة بحياتهم من أجل بلوغ الضفة الأخرى.
هجرة ماي 2021.. أزمة دبلوماسية
تبقى أحداث ماي 2021 أكبر موجة عبور جماعي شهدتها سبتة المحتلة منذ عقود، بعدما تمكن نحو 8 آلاف شخص، بينهم حوالي 1500 قاصر، من الوصول إلى المدينة خلال أيام قليلة، مستغلين تخفيف السلطات المغربية لإجراءات المراقبة على الحدود في خضم أزمة دبلوماسية مع إسبانيا على خلفية استقبال مدريد لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج، بحسب مراقبين.
آنذاك، عبر معظم المهاجرين سباحة أو سيراً عبر الحواجز البحرية المحيطة بسبتة، في مشاهد بثتها وسائل الإعلام الدولية مباشرة، وأظهرت مئات الأشخاص يعبرون البحر دون توقف بعدما قدموا من مدن مغربية مختلفة ودول إفريقيا جنوب الصحراء.
وردّت مدريد بإرسال الجيش والحرس المدني إلى المدينة، كما فعّلت عمليات الإرجاع السريع للمهاجرين، في وقت اعتبر فيه رئيس حكومة سبتة المحتلة، خوان فيفاس، ما وقع “غزواً”، بينما وصف زعيم حزب “فوكس” اليميني المتطرف سانتياغو أباسكال ما جرى بأنه “غزو مغربي”.
كما أثارت الأزمة ردود فعل أوروبية واسعة، إذ أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على أن “الحدود الإسبانية هي حدود أوروبية”، فيما انتقدت منظمة العفو الدولية استعمال المهاجرين “كورقة سياسية”، مطالبة بضمان حماية القاصرين واحترام حقوق الإنسان.
ورغم إعادة أغلب الوافدين إلى المغرب خلال أيام، بقيت أحداث ماي 2021 كابوساً يقض مضجع المسؤولين والمراقبين الإسبان عند كل محاولة للعبور الجماعي، ومرجعاً تقارن به كل موجة هجرة لاحقة نحو سبتة.
2024.. الهروب الكبير
بعد ثلاث سنوات، عادت مدينة الفنيدق إلى واجهة الأحداث، لكن هذه المرة عبر دعوات واسعة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو إلى تنفيذ ما سمي بـ”الهروب الكبير” يوم 15 شتنبر 2024.
وتحولت الدعوات الرقمية إلى تحرك ميداني، بعدما شد آلاف الشباب الرحال من مختلف المدن المغربية نحو شمال البلاد، أملاً في اقتحام الحدود المؤدية إلى سبتة.
إلا أن السلطات المغربية كانت قد استبقت الموعد بإنزال أمني واسع غير مسبوق، ونشرت تعزيزات كبيرة حول الفنيدق وعلى امتداد الشريط الساحلي، إضافة إلى إقامة حواجز أمنية في الطرق المؤدية إلى المنطقة.
وبحسب السلطات المغربية، جرى توقيف 4455 مرشحاً للهجرة، بينهم 3795 مغربياً راشداً و141 قاصراً و519 مهاجراً أجنبياً، كما تم توقيف 70 شخصاً بتهمة التحريض على الهجرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
ورغم أن أيّاً من المهاجرين لم يتمكن من اقتحام السياج الحدودي آنذاك، فإن الأحداث كشفت حجم الإقبال على الهجرة، خاصة بين فئة الشباب، وأثارت نقاشاً واسعاً حول أسباب هذا اليأس الجماعي.
واعتبر نشطاء مغاربة أن تلك الأحداث لم تكن مجرد محاولة هجرة جماعية، بل “صرخة اجتماعية” تعكس اختلالات اقتصادية واجتماعية تدفع آلاف الشباب إلى اعتبار الهجرة الخيار الوحيد.
صيف 2026: أسوأ من أزمة 2021
تختلف الموجة الحالية عن سابقاتها في أن معظم محاولات العبور لم تعد تعتمد على اقتحام المعبر الحدودي أو السياج الفاصل، وإنما أصبحت تتم عبر البحر، من خلال الالتفاف حول الحاجز البحري الفاصل بين المغرب وسبتة.
وخلال الأيام الأخيرة، سجلت المدينة الإسبانية وصول مئات المهاجرين يومياً، بينما تحدثت وسائل إعلام إسبانية عن “أسوأ ضغط هجرة منذ أزمة ماي 2021”.
وبحسب الصحافة المحلية، اعترض الحرس المدني مئات الأشخاص في البحر، في حين تمكن مئات آخرون من الوصول إلى المدينة، وسط استنفار غير مسبوق لوحدات الإنقاذ والحرس المدني.
كما وثقت وسائل الإعلام الإسبانية مشاهد لعائلات كاملة تعبر البحر وتلتف حول الحاجز في حشود غفيرة، بينها آباء وأمهات يحملون أطفالاً لا تتجاوز أعمار بعضهم خمس سنوات، إضافة إلى نساء ظهرن بملابس النوم، في مشاهد اعتبرتها الصحف دليلاً على أن قرار المغادرة يتم أحياناً بشكل مفاجئ، دون استعداد أو تجهيز مسبق.
وفي إحدى أبرز الوقائع، أنقذ الحرس المدني الإسباني امرأة حاملاً كانت تعبر البحر رفقة زوجها ورضيعها، بعدما كان الطفل مربوطاً على ظهرها خلال السباحة، فيما نقل الثلاثة إلى المستشفى بسبب معاناتهم من انخفاض حرارة الجسم.
كما شهد معبر تراخال، خلال ذروة الأزمة، فرار مئات المهاجرين المغاربة بشكل جماعي من المنطقة الحدودية التي كان الحرس المدني يحتجزهم فيها تمهيداً لتسجيل بياناتهم، قبل أن ينتشروا في أحياء المدينة، في مشهد وصفته الصحافة الإسبانية بأنه “انفلات غير مسبوق”.
وفي المقابل، تؤكد مصادر حقوقية أن الموجة الحالية تختلف أيضاً عن محاولة 2024، إذ إن الإجراءات الأمنية المغربية التي كانت مفروضة في الفنيدق والمضيق خلال العام الماضي لم تعد بنفس المستوى، وهو ما سمح، بحسبهم، بوصول أعداد أكبر من الراغبين في الهجرة إلى الشريط الساحلي.
ونقلت تقارير إسبانية عن عناصر في الحرس المدني قولهم إن ما يجري اليوم “أسوأ من 2021”، ليس فقط بسبب حجم التدفقات، وإنما لأن محاولات العبور أصبحت موزعة على امتداد الساحل وفي مختلف ساعات اليوم، بدل أن تتركز في نقطة واحدة كما حدث قبل خمس سنوات.
أزمة اجتماعية متواصلة
ورغم اختلاف السياقات بين 2021 و2024 و2026، فإن القاسم المشترك بين المحطات الثلاث يبقى تزايد أعداد الشباب الراغبين في الهجرة، مع تغير طرق العبور فقط.
فإذا كانت أزمة ماي 2021 ارتبطت بخلاف دبلوماسي بين الرباط ومدريد، فإن محاولة شتنبر 2024 ارتبطت بدعوات شبابية واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بينما تبدو موجة 2026 أكثر ارتباطاً بعوامل اجتماعية واقتصادية، وبحالة اليأس التي تدفع مئات الشباب، بل وحتى عائلات بأكملها، إلى المخاطرة بحياتهم في عرض البحر.
وبينما تتواصل عمليات الإنقاذ واعتراض المهاجرين، ترتفع أيضاً حصيلة الضحايا والمفقودين، لتتحول سواحل سبتة مرة أخرى إلى واجهة لأزمة هجرة تعود بأشكال مختلفة، لكنها تطرح في كل مرة السؤال نفسه: لماذا يواصل آلاف المغاربة المجازفة بحياتهم للوصول إلى الضفة الأخرى؟
في هذا الصدد، يرى عمر أربيب، نائب رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أن موجات الهجرة الجماعية التي يشهدها شمال المغرب لم تعد مرتبطة فقط بالرغبة في تحسين الوضع المعيشي، بل تعكس “أزمة بنيوية تمس السياسات العمومية الموجهة إلى فئة الشباب”.
ويعتبر أربيب، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن استمرار محاولات العبور سباحة نحو سبتة، بما فيها مشاركة قاصرين وقاصرات، يكشف أن “الحلم بالهجرة أصبح الأفق الوحيد المتبقي” بالنسبة لفئات واسعة من الشباب، في ظل ما يصفه بغياب “سياسة دولة” متكاملة ترتكز على التشغيل، وإصلاح التربية والتعليم، وخلق فرص الشغل والثروة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
ويحذر المتحدث من أن المغرب بدأ “يفقد قوته المنتجة”، موضحاً أن الشباب يمثلون الفئة الأكثر قدرة على الإنتاج والمساهمة في التنمية، بينما تتحول وجهتهم نحو دول أوروبية ستستفيد، حسب رأيه، من طاقاتهم باعتبارهم “يداً عاملة منخفضة الكلفة، خاصة في قطاعات البناء والفلاحة، كما هو الحال في مناطق جنوب إيطاليا والأندلس الإسبانية”.
كما يرى أربيب أن جانباً من تصاعد محاولات الهجرة يرتبط أيضاً بإلمام عدد من الشباب بالتشريعات الأوروبية الخاصة بالهجرة، معتبراً أن “كثيراً منهم يدركون أن من يصل إلى السواحل الإسبانية عن طريق البحر يستفيد من وضع قانوني مختلف عن الذين يعبرون عبر المنافذ الرسمية”، كما أن القاصرين غير المرفقين “يتمتعون بحماية قانونية تجعل إعادتهم أكثر تعقيداً، ولا تتم إلا وفق إجراءات قانونية محددة، من بينها تدخل أسرهم للمطالبة بإرجاعهم”.
ويخلص أربيب إلى أن استمرار هذه المعطيات، إلى جانب غياب حلول اقتصادية واجتماعية مقنعة، قد يؤدي إلى تفاقم موجات الهجرة خلال الفترة المقبلة، مع ما يترتب عن ذلك من خسارة المغرب لجزء من موارده البشرية الشابة، مقابل استفادة أسواق العمل الأوروبية منها.