في سديم العقل العمومي!
في خضمّ توالي الأحداث الأخيرة بوتيرة متسارعة، وتدفّقٍ غير مسبوق للمعطيات والتعليقات والتأويلات، يجد المرء نفسه أمام سيل جارف من المعرفة التي تفتقر إلى الحد الأدنى من الرصانة أو القيمة التحليلية.
أخبار تتناسل، قراءات متعجلة، وخلاصات جاهزة تُقدَّم بثقة مفرطة، حتى بات التمييز بين الفهم الحقيقي والانطباع العابر مهمة شاقة.
داخل هذا الضجيج الكثيف، يتبدد الوعي ولا يتشكل كما يُروّج له، ولا تُبنى الأسئلة بقدر ما تُستبدل بإجابات مريحة وسريعة.
أمام هذا التشوّش، لم يعد ممكنا الاكتفاء بدور المتلقي، ولا مسايرة هذا التيار الجارف دون مساءلة.
ومن هنا تحديدا، تنبع هذه الأسطر لتسائل موقع النخبة اليوم داخل هذه التحولات.
كيف يمكن لمجتمع ما أن يستوعب التناقضات العميقة التي يعيشها، في وقت تعاني فيه أدوات الفهم والتحليل من التبسيط المخل والانحيازات المسبقة؟
إن الراهن الفكري يعيش خللا واضحا يمس دور النخبة وتأثيرها؛ فالجامعة التي مثلت تاريخيا حصن المعرفة النقدية، باتت تنحو اليوم نحو أداء إداري تقني يُفرغها من رسالتها التنويرية. هذا التحول يذكرنا بتحليلات ميشيل فوكو حول صيرورة المؤسسات المعرفية وتحولها إلى أدوات لفرض الامتثال وتوجيه السلوك بدلا من أن تكون محاضن للتحرر. فقد أضحى البحث العلمي محاصرا بهاجس الوظيفة، أو متطلبات الترقية، مما أدى إلى تراجع الجرأة الفكرية وخفوت الأسئلة الجوهرية التي تلمس جوهر المشاكل؛ لينتهي الأمر بتخرج طالب محمل بالمعلومات، لكنه يفتقر تماما لملكة تفكيك القواعد الخفية التي تشكل وعيه.
أما مراكز الأبحاث، فهي تعيش بدورها أزمة تبعية عميقة؛ إذ يؤدي خضوع بعضها لأجندات التمويل المشروطة إلى تحديد مسارات البحث مسبقا، مما يحوّل الفكر إلى مجرد خدمة تُباع وتُشترى تُطلب عند الحاجة. ويتجلى هنا التحذير الذي أطلقه بيير بورديو بشأن توظيف رأس المال الثقافي لخدمة قوى الهيمنة وتكريس الوضع القائم.
ومع سيادة لغة الحياد التقني المزعوم، تتقلص الرؤية الكلية لتتحول إلى تقارير جزئية مبتسرة. هنا تحديدًا، يتجلى ما أشار إليه هيربرت ماركوز في كتابه الإنسان ذو البعد الواحد، حيث يتحول العقل إلى أداة وظيفية تشتغل داخل منظومة جاهزة، تفقد معها قدرتها على النقد والتجاوز. تضيق مساحات التخيل، ويتراجع التفكير في البدائل، إلى حد يصبح فيه ما هو قائم هو الأفق الوحيد الممكن.
وفي الحقل السياسي، يتراجع الحضور الفكري الرصين لمصلحة خطابات سريعة الاستهلاك، أو مقاربات عملية تفتقر إلى أي عمق. فقد انحصر التدافع الحزبي في إدارة اللحظة واقتناص المكاسب العابرة – باستثناءات قليلة- بينما ظلت الأسئلة المصيرية المرتبطة بالعدالة، الحقوق، توزيع الثروة، فلسفة السلطة، وعلاقة الحاكم والمحكوم منزوية في هامش النقاش.
ويتقاطع هذا الانكماش الفكري مع التدفق الهائل للمعلومات، حيث تطغى الانفعالات اللحظية على الحوار العقلاني، وهو ما نبه إليه بول فيريليو ضمن تحليلاته لأثر السرعة في إعادة تشكيل الزمن والقرار السياسي( في كتابه السرعة والسياسة).
وتمتد الأزمة لتطال بنية الفضاء العمومي في جوهرها؛ فبعد أن كان هذا المجال، وفق تصور يورغن هابرماس، قائماً على حوار عقلاني ومنفتح يسمح بنقد حر، نجد الواقع يكشف عن انزلاق هذا الفضاء نحو صناعة إجماع مصطنع. كما أن واقعنا المتغير والمتسارع، أو ما يطلق عليه زيجمونت باومان “الحداثة السائلة”، يفسر بجلاء كيف تذوب المشاريع الكبرى والرؤى الاستراتيجية في سيولة استهلاكية تفرغ الالتزام الأخلاقي من مضمونه.
واستحضار التجربة الأوروبية هنا؛ يمنحنا بعدا تحليليا ضروريا لمزيد من تفكيك واقعنا (مقارنةً لا تقديسا)؛ فلحظة النهضة هناك أعادت ترتيب العلاقة بين العقل والسلطة. فشخصيات مثل إيراسموس وفولتير وجان جاك روسو… تجاوزت صفتها كرموز أدبية لتلعب دور الفاعل الأساسي في إعادة بناء الوعي الأوروبي، حيث خضعت الصراعات التاريخية بين العمل ورأس المال لمسارات عقلانية عبر نقاش مؤسساتي وتشريعي طويل.
في مقابل ذلك، يتضخم في واقعنا خطاب دعائي متعدد المستويات؛ خطاب حزبي يعيد ترتيب الوقائع وفق منطق المصلحة، وخطاب رسمي يشتغل على إنتاج صورة مكتملة للإنجاز، وخطاب خارجي يقترح نماذج جاهزة، منزوعًا من شروطه التاريخية وسياقاته الخاصة، دون إغفال تحوّل بعض الفاعلين الجدد في الفضاء الرقمي إلى مصادر لإنتاج وعي مُبسّط، يُقدَّم في صورة معرفة جاهزة، ويُسهم في إعادة تدوير الخطابات السطحية تحت غطاء التأثير والانتشار.
وفي ظل هذا التراكم المتداخل للخطابات، يتبدّى أثر أعمق من مجرد الضجيج الظاهر؛ إذ يتراجع النقاش الفعلي ويُعاد تشكيله في اتجاه يُقصي السؤال منذ البداية، ويُعوّضه بيقين جاهز لا يحتاج إلى اختبار.
هذا الوضع لا يكشف فقط عن غياب الأجوبة، وإنما عن تآكل القدرة على مساءلة ما يُقدَّم باعتباره بديهيًا. فحتى المفاهيم التي يتم تداولها بكثافة — من قبيل الليبرالية أو الدولة المتدخلة أو غيرها — تُستحضر في كثير من الأحيان خارج شروطها المعرفية، وتُسقَط على واقع مختلف دون تفكيك، فينتج عن ذلك وعيٌ مشوش، لا يملك أدوات الفهم ولا قدرة التمييز بين النقل والتأصيل.
عند هذه النقطة، لا تعود السياسة مجالًا للفعل بقدر ما تتحول إلى حقل لإنتاج التمثلات. يصبح الاشتغال منصبا على الصورة أكثر من الواقع، وعلى الأثر اللحظي بدل التحول الفعلي. هنا يتكثف منطق يجعل الحضور الرمزي يغني عن الإنجاز، ويجعل الانطباع يقوم مقام الحقيقة، في انسجام مع ما تم التنبيه إليه ضمن تحليلات مجتمع الفرجة، حيث لا يعود الواقع موضوعًا للتغيير، بل مادة لإعادة العرض والتدوير.
وأمام هذا المشهد بكل تعقيداته، تبرز الحاجة الملحة إلى استعادة النخبة لوظيفتها التاريخية؛ وهنا يستعاد مفهوم أنطونيو غرامشي عن المثقف المرتبط بهمه المجتمعي (المثقف العضوي) الذي لا ينفصل فكره عن قضايا الناس، ولكن يعمل كوسيط نقدي بين الواقع والوعي الشعبي. إن المجتمع اليوم في أمسّ الحاجة إلى عقل يمتلك القدرة على قراءة التجارب برصانة، ويقترح أفقا جديدا يعيد توجيه البوصلة.
إن الرهان الحقيقي في زمن العواصف الفكرية يكمن في مدى قدرتنا على فحص الجذور العميقة للمشاكل، وفي قدرة الخطاب الثقافي على تفكيك الأزمات بدلا من الاكتفاء بوصف السطح. وعند هذه النقطة المركزية فقط، يستطيع الإنسان أن يستعيد موقعه كفاعل سيد في تاريخه، مغادرا وضعية المتلقي السلبي الذي تُصاغ رؤيته للعالم عبر آليات الدعاية وتحويل الإنسان نفسه إلى أداة.
وعند هذه العتبة، لا يعود السؤال موجّهًا إلى الواقع وحده، بقدر ما يرتدّ نحو من يفترض أنهم معنيّون بقراءته: هل الصمت اختيارٌ أم صيغة أخرى من الحضور؟ وهل يظلّ كذلك حين يتحوّل إلى شرط من شروط استمرار هذا الفراغ؟
بين صوتٍ غائب، وآخر يُعاد تشكيله، يتحدد ما إذا كان هذا الضجيج قابلًا للفهم… أم مجرد امتداد له.