فيتو الناخب الأمريكي
وجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي عاد إلى البيت الأبيض قبل أقل من عامين، محمولا على وعود باستعادة عظمة أمريكا وإخضاع العالم لمنطق الصفقات والقوة، نفسه أمس أمام ناخبين قرروا وضع حدود لسلطته وتطويقه ببرلمان خارج سيطرته، في الانتخابات النصفية.
حتى كتابة هذه السطور، لم تتضح بعد النتائج النهائية لانتخابات مجلس النواب، لكن الديمقراطيين استعادوا السيطرة على مجلس الشيوخ، وحققوا تقدما كبيرا في مجلس النواب، وحسموا في مواجهات انتخابية شملت معاقل تاريخية للجمهوريين، موقعّين على انتصار انتخابي كبير على حزب ترامب وأنصاره.
ولعلها إحدى مفارقات الديمقراطية الأمريكية، أن الرجل الذي يمتلك أقوى جيش في العالم، ويستطيع أن يفرض الرسوم الجمركية على شركائه وخصومه، وأن يهز الأسواق بتصريح أو تغريدة، يجد نفسه عاجزا عن فرض إرادته على الناخب الأمريكي.
ورغم العيوب العديدة للديمقراطية الأمريكية، إلا أن الانتخابات النصفية بعثت رسالة مفادها أن التفويض الانتخابي ليس شيكا على بياض، وأن القوة التي تتيح للرئيس اتخاذ قرارات كبرى في الخارج لا تعفيه من تقديم الحساب في الداخل.
لكن خسارة ترامب لهذه الانتخابات لا تعني نهاية عهده، ولا حتى نهاية قدرته على فرض اختياراته. ما زالت أمامه سنتان في البيت الأبيض، يحتفظ خلالهما بصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية والدفاع والتجارة، وبحق النقض في مواجهة القوانين التي قد يصدرها الكونغرس بأغلبيته الجديدة.
لكن الفرق بين ما قبل الانتخابات النصفية وما بعدها يظل كبيرا. فالرئيس الذي كان يجد في الأغلبية الجمهورية غطاء سياسيا وتشريعيا، سيصبح مطالبا بالتفاوض مع خصوم يستطيعون مساءلة مسؤولي إدارته، وعرقلة تعييناته، ومراقبة النفقات المخصصة لسياساته، وفتح التحقيقات في الملفات التي يرغب في إغلاقها…
بالنسبة إلى العالم، لا يعني هذا التحول بالضرورة عودة أمريكا التي عرفناها قبل ترامب. فجزء من التحولات التي أطلقها هذا الأخير، من الحمائية التجارية إلى التشدد في مواجهة الصين، ومن إعادة النظر في التحالفات التقليدية إلى استعمال القوة الاقتصادية أداة للضغط السياسي، تجاوز شخصه وأصبح جزءا من النقاش الأمريكي بين الحزبين. لكن ما يمكن أن يتغير هو هامش المناورة المتاح للرئيس، وقدرته على تحويل اختياراته إلى سياسات نافذة دون رقابة أو اعتراض.
وبالنسبة إلينا إلى المغرب، لهذه النتائج طعم خاص، لأنها تأتي بعد أيام قليلة من واحدة من أكثر اللحظات استثنائية في المسار الدبلوماسي لقضية الصحراء. فقد أسقط الفيتو الروسي، يوم الجمعة الماضي، مشروع قرار أمريكيا كان يتجه نحو تثبيت مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا وحيدا للتفاوض، وإعادة صياغة مهمة بعثة “مينورسو”.
وفي حين بدا الأمر، للوهلة الأولى، كأنه إحباط روسي لمبادرة أمريكية تخدم الموقف المغربي، فإن النتائج الانتخابية في واشنطن تتيح اليوم قراءة أخرى، انطلاقا من سؤال ماذا لو كان الفيتو الروسي قد منح المغرب هامشا للمناورة لم يكن ليتوفر له لو دخل فعلا في مسار أممي جديد، يحدد الحكم الذاتي مرجعية حصرية للتفاوض، ويضع تفاصيل تنفيذه ضمن جدول أعمال دولي؟
فالمشروع الأمريكي كان سيمنح المغرب مكسبا دبلوماسيا كبيرا، لكنه كان سيؤطر أيضا مرحلة جديدة من المفاوضات، تنتقل فيها الأسئلة تدريجيا من مشروعية الحكم الذاتي إلى تفاصيل تنزيله وضماناته والمؤسسات التي ستنبثق عنه. والمشكلة ليست في هذه الأسئلة، التي سيتعين على المغرب الإجابة عنها عاجلا أو آجلا، وإنما في الجهة التي ستملك سلطة طرحها، وفي موازين القوى التي ستتحكم في المرحلة المقبلة.
لقد اعترف ترامب، في نهاية ولايته الأولى سنة 2020، بسيادة المغرب على الصحراء، ولم تتراجع إدارة جو بايدن الديمقراطية عن هذا الاعتراف طيلة السنوات الأربع التي قضتها في البيت الأبيض. لكن استمرار الاعتراف لا يعني بالضرورة التطابق في تصور الحل، ولا في شروط تنزيله، ولا في مدى تدخل الأمم المتحدة في مواكبته. وقد سبق للمغرب أن خبر هذه الفوارق في عهد باراك أوباما، خصوصا سنة 2013، عندما حاولت الدبلوماسية الأمريكية توسيع مهمة “مينورسو” لتشمل مراقبة حقوق الإنسان.
الديمقراطيون اليوم لم يعودوا مجرد معارضة محدودة التأثير في مواجهة رئيس يسيطر حزبه على الكونغرس، بل أصبحوا قوة قادرة على تقييد جزء من خياراته، وربما مؤهلة للعودة إلى البيت الأبيض بعد سنتين. وفي هذه الحالة، يمكن أن يجد المغرب نفسه أمام إدارة تحافظ على الاعتراف بسيادته على الصحراء، لكنها تختلف مع سابقتها بشأن موقع البوليساريو في المفاوضات، أو طبيعة الضمانات المرتبطة بالحكم الذاتي، أو الدور الذي ينبغي أن تضطلع به الأمم المتحدة في مراقبة تنفيذه.
أما منطقتنا، الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فقد أصبحت مرتبطة بهذه التحولات أكثر مما ينبغي. فالحرب على إيران، التي ساهمت كلفتها الاقتصادية والسياسية في إضعاف ترامب داخليا، لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران، وإنما تحولت إلى عامل اضطراب يمتد إلى أسعار الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي وحسابات الدول الخليجية.
وقد يشكل تراجع الأغلبية الجمهورية فرصة لتوسيع النقاش الأمريكي حول أهداف الحرب وكلفتها وشروط إنهائها، لكنه لا يقدم ضمانة بأن الديمقراطيين سيختارون سياسة أقل اندفاعا أو أكثر إنصافا لشعوب المنطقة. والأمر نفسه ينطبق على فلسطين. صحيح أن الحزب الديمقراطي يعرف تحولات داخلية متنامية في الموقف من إسرائيل، وأن أصواتا أكثر جرأة أصبحت تطالب بمساءلة حكومتها عن انتهاكاتها، لكن هذا الحزب نفسه ظل، تاريخيا، أحد أعمدة التحالف الأمريكي الإسرائيلي.
ما حدث أمس في الولايات المتحدة يذكرنا بحقيقة كثيرا ما ننساها ونحن نتابع السياسة الدولية من زاوية بيانات القمم واللقاءات الدبلوماسية، وهي أن الدول باقية والحكومات عابرة، وأن أقوى الرؤساء محكومون بدورات انتخابية قد تقلب موازين القوة في لحظة غير متوقعة. وما كان يبدو قبل أيام فرصة تاريخية يوفرها ترامب للمغرب، قد يصبح بعد سنوات موضوع نقاش مختلف داخل واشنطن.
من مصلحة المغرب أن يستثمر الدعم الذي يحظى به اليوم إلى أقصى حد، لكن من مصلحته أيضا ألا يجعل مستقبل قضية وطنية بهذا الحجم رهينا برئيس أمريكي، مهما بلغت قوة دعمه، أو بمجلس أمن تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى وتتصادم. فالحل الذي نحتاج إليه ليس ذلك الذي يستطيع ترامب فرضه قبل انتهاء ولايته، ولا ذلك الذي يمكن للديمقراطيين تعديله بعد عودتهم المحتملة، وإنما حل يملك من المشروعية السياسية والضمانات المؤسساتية والقدرة على الإقناع ما يجعله قادرا على الصمود أمام تغير الحكومات والتحالفات.