“فراقشية-غيت”.. قصة أكثر من 1300 مليار أهدتها الحكومة لمستوردي المواشي

في الوقت الذي يتواصل الحديث عن 13 مليار درهم (1300 مليار سنتيم)، كعنوان لفضيحة تبديد أموال الدعم العمومي الخاص باستيراد اللحوم والمواشي إلى حدود أكتوبر 2024؛ تشير أرقام مكتب الصرف المتعلقة بالواردات، إلى تضاعف القيمة الإجمالية لواردات الحيوانات الحية الموجهة لإنتاج اللحوم، أربع مرات خلال فترة يناير-فبراير 2025، مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024، وهو ما يعني أن القيمة الفعلية للدعم الممنوح لمستوردي المواشي، يفوق بكثير الرقم المتداول حاليا.
ماذا قال الطالبي العلمي؟
فجّرت تصريحات رئيس مجلس النواب، وعضو المكتب السياسي لحزب التجمّع الوطني للأحرار، راشيد الطالبي العلمي، لغما ظلّ يراوح مكانه منذ أسابيع، مدّعيا أن ما منحته الحكومة للمستوردين لا يتجاوز 30 مليار سنتيم (300 مليون درهم).
وفي الوقت الذي استهدف الطالبي العلمي بتصريحاته حليف حزبه داخل الأغلبية الحكومية، حزب الاستقلال، وردّ على تصريحات كل من أمينه العام نزار بركة ووزيره في التجارة رياض مزور؛ جاءه الردّ من المعارضة، وتحديدا من جانب الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، نبيل بنعبد الله، ورئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية إدريس الأزمي، واللذان أشهرا وثيقة رسمية قدّمتها الحكومة للبرلمان شهر أكتوبر 2024، في سياق مناقشة مشروع القانون المالي لسنة 2025.
المعطيات الرقمية الرسمية التي عادت “صوت المغرب” إلى مصادرها الموثقة، تحسم الجدل حول صحة الأرقام المتداولة، وتنهي الرقعة المظلمة الواقعة بين الدعم المباشر المخصص لاستيراد أغنام العيد للسنة الماضي، والدعم المقدّم في شكل إعفاءات من الرسوم والضرائب.
هناك بالفعل كعكة مالية تقدّرها المعطيات الرسمية بأكبر من 1300 مليار سنتيم إلى غاية أكتوبر 2024، استفاد منها مستوردو الأبقار والأغنام.
وفي انتظار تحيين المعطيات التي قدّمتها الحكومة للبرلمان قبل أكثر من خمسة أشهر، فإن المعطيات التي وقفت عليها “صوت المغرب” من خلال نشرات مكتب الصرف حول حجم وقيمة المبادلات التجارية للمغرب مع العالم، تشير إلى أن الأمر يتعلّق بمئات الملايير الإضافية التي منحتها الحكومة للمستوردين.
كيف بدأ دعم استيراد المواشي؟
يتعلّق الأمر بإجراءات أقدمت عليها الحكومة في فبراير 2023، حيث قامت بمراجعة مرسوم سابق أصدرته في أواخر 2022، وكان يقضي بوقف استيفاء رسم الاستيراد على الأبقار الأليفة، لكنه كان يحصر هذا الامتياز في أبقار ذات خصائص معيّنة، من قبيل تجاوز وزنها عتبة 550 كيلوغرام، وهو ما لم يسمح باستيراد كميات كافية للضغط على العرض وخفض الأسعار.
المرسوم الجديد الذي صدر رسميا في الجريدة الرسمية يوم 30 يناير 2023، فتح الباب أمام استيراد الأبقار الأليفة المؤجّلة للذبح، بشروط ميسّرة، وهو ما سمح بدخول شحنات شكّك البعض في استفادة أصحابها من اطّلاع مسبق على المعلومة المرتبطة بتعديل المرسوم، وكان من بين أوائل المستوردين أكد كبار منتجي اللحوم الحمراء في المغرب، والذي يشغل في الوقت نفسه مسؤولية قيادية داخل حزب التجمّع الوطني للأحرار.
أتاح هذا التعديل رفع عدد الأبقار المستوردة خلال العام 2023، إلى أكثر من مائة ألف بقرة مخصصة للذبح، بقيمة إجمالية تفوق المليار ونصف المليار درهم.
رقم تجاوزته واردات السنة الموالية، أي 2024، حيث تشير الأرقام الرسمية إلى استيراد أكثر من 104 ألف بقرة إلى غاية 24 أكتوبر 2024. فيما ارتفع عدد رؤوس الأغنام المستوردة من حوالي 400 ألف في 2023، إلى أكثر من 700 ألف في 2024.

ما هي المعطيات التي قدّمتها الحكومة؟
في أكتوبر من سنة 2024، وبعدما أودعت الحكومة مشروع القانون المالي لسنة 2025 لدى البرلمان، قامت عدد من الفرق البرلمانية بتقديم طلبات للحصول على معلومات إضافية، تتعلّق بالكثير من المعطيات الضريبية والاستثمارات والنفقات… ومن بين هذه المعطيات المطلوبة، كانت تلك المتعلّقة بكلفة الدعم الممنوح لمستوردي المواشي.
وفي عدد من فقرات الوثيقة التي تمتدّ لأكثر من 260 صفحة، نجد ردودا رسمية قدّمتها الحكومة، تقول إنها أوقفت استيفاء رسم الاستيراد المطبق على الأبقار الأليفة خلال الفترة الممتدة بين 21 أكتوبر 2022 و31 دجنبر 2023، قبل أن يتمّ تمديد هذا الاجراء إلى غاية 31 دجنبر 2024 وذلك في حدود مائة ألف رأس.
تعود الحكومة لتوضّح أنها ونظرا لاستمرار ارتفاع أسعار لحوم الأبقار، ولضمان مواصلة تموين السوق المحلي من اللحوم الحمراء، “وكذلك أخدا بعين الاعتبار الظروف المناخية، تبيّن أن حصة مائة ألف رأس سالفة الذكر ليست كافية لتغطية الطلب على هاته اللحوم، وعليه تم رفع هذه الحصة إلى مائة وعشرون ألف رأس”.
هل 13 مليار رقم رسمي؟
ما يهمّنا بشكل خاص ضمن هذه الوثيقة الرسمية، هو ما يتعلّق بالكلفة التي تحمّلتها ميزانية الدولة بمناسبة هذا الإعفاء. وهنا تقول الوثيقة الحكومية حرفيا: “وقد ترتب عن هذا الإجراء منذ تطبيقه وإلى غاية 22 أكتوبر 2024، نقص في موارد رسم الاستيراد يقدر ب 7.3 مليار درهم”.
أي أن خزينة الدولة قد فقدت هذا المبلغ، وبالتالي هو نفقة أقدمت عليها الحكومة لفائدة مستوردي الأبقار، دون أن ينعكس ذلك على سعر البيع كما سنرى لاحقا.
أكثر من ذلك، تحمّلت الميزانية العامة للدولة الضريبة على القيمة المضافة عند استيراد الأبقار الأليفة المستفيدة من وقف استيفاء رسم الاستيراد، وذلك منذ 03 فبراير 2023 في حدود مائة ألف رأس، سيتم رفعها لاحقا إلى 120 ألف رأس.
وترتب عن هذا الإجراء منذ تطبيقه، وإلى غاية 22 أكتوبر 2024، تحمّل ميزانية الدولة ما مجموعه 744 مليون درهم، فيما بلغ عدد المستفيدين من هذين الإجراءين 133 مستفيدا.
أي أننا وفي علاقة باستيراد الأبقار فقط، أمام أكثر من ثمانية ملايير درهم، منحتها الدولة مقابل استيراد أكثر من 200 ألف رأس من الأبقار.
أما بالنسبة للأغنام، فقد تحملت الميزانية العامة للدولة، حسب منطوق الوثيقة الرسمية دائما، رسم الاستيراد والضريبة على القيمة المضافة عند استيراد الأغنام الأليفة منذ فبراير 2023.
وقد ترتب عن هذا الإجراء وإلى غاية 18 أكتوبر 2024 تحمل ميزانية الدولة لما يفوق خمسة ملايير درهم، موزّعة بين رسم الاستيراد والضريبة على القيمة المضافة.
لنصبح بالتالي أمام رقم رسمي، يقدّر كلفة الدعم غير المباشر لاستيراد الأبقار والأغنام منذ نهاية 2022، يعادل 13 مليار درهم.
وفي معطيات إضافية، قالت الوثيقة إنه وابتداء من 19 أكتوبر 2024 وإلى غاية 31 دجنبر 2024، تم وقف استيفاء رسم الاستيراد المطبق على الأغنام الأليفة والذي ترتب عنه نقص في موارد رسم الاستيراد يقدر ب 15.7 ملايين درهم، وتحمل الميزانية العامة للدولة ل1.6 ملايين درهم برسم الضريبة على القيمة المضافة عند استيراد هذه الأغنام.
أما ال300 مليون درهم التي دفع بها راشيد الطالبي العالمي لدحض أرقام نزار بركة، فهي كلفة إضافية، وتتعلّق بالدعم المباشر البالغ 500 درهم عن استيراد كل رأس غنم لعيد الأضحى، والتي يوضّح وزير الميزانية السابق، القيادي في حزب العدالة والتنمية، إدريس الأزمي، أنها تهمّ استيراد 100 ألف رأس غنم سنة 2023 بدعم مباشر بلغ 50 مليون درهم وأكثر من 474 ألف رأس غنم تم استيرادها سنة 2024، بدعم مباشر بلغ 237 مليون درهم.
هل اعترفت الحكومة بفشل دعم الاستيراد؟
لا يعتبر منح دعم من المال العام لمستوردي اللحوم والماشية أمرا مشينا في حدّ ذاته، بل يصبح كذلك عندما تصرف الحكومة هذا الدعم دون أن يحقّق أثرا إيجابيا، وهو ما ينطبق على هذه الحالة، حيث ظلّت أسعار اللحوم الحمراء على حالها.
الوزير الاستقلالي في الصناعة والتجارة، رياض مزور، قال خلال مشاركته في برنامج “من الرباط“، إن كبار موزّعي اللحوم الحمراء أصبحوا يحقّقون هامش ربح مضاعف، قدّره ب40 درهما في الكيلوغرام الواحد.
وبرّر مزور خروج أمينه العام نزار بركة لمهاجمة هؤلاء التجار، والتحاقه به في وقت لاحق، بمحاولة ممارسة ضغط سياسي والتلويح بورقة التشهير بالمحتكرين كي يتراجعوا عن أرباحهم الجشعة هذه.
“اشتغلنا على الأمر بالمنطق السياسي، واستعملنا أسلوب “name and shame” (عبارة إنجليزية تعني فضح الأشخاص أو الجهات من خلال تسميتهم علنًا وربطهم بسلوك مُدان أو غير أخلاقي، بقصد إحراجهم وتحميلهم المسؤولية أمام الرأي العام)”، يقول رياض مزور في اللقاء نفسه.
من جانبه حزب الأصالة والمعاصرة، حليف آخر لحزب رئيس الحكومة، خرج يوم 12 مارس 2025 ببلاغ يدعو فيه الحكومة إلى إلغاء الإعفاءات الجمركية والضريبية المتخدة لتخفيض أسعار اللحوم، معتبرا أن تلك الإعفاءات “لم تعط أكلها”.
كما طالب ال”بام” بتكثيف المراقبة والضرب بيد من حديد على بعض الوسطاء والمهنيين المفسدين الذين لايزالون يستغلون كل إمكانيات علاقاتهم لافتعال الأزمات والانتفاع من وضع المضاربات.
بل إن الوزير المكلّف الميزانية، فوزي لقجع، اعترف رسميا خلال مناقشة لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب مشروع القانون المالي، بفشل الإيقاف الذي أقرته الحكومة لاستيفاء رسوم استيراد الحيوانات الحية ولحومها، في تحقيق أهدافه، وحمّل المستوردين مسؤولية ذلك، حيث دعاهم، كما يوثّق التقرير الرسمي لاجتماع اللجنة، إلى التفاعل الإيجابي مع إجراءات الحكومة.
وفي الوقت الذي أعلن لقجع وقف العمل بالدعم المباشر الذي كان يمنح للمستوردين 500 درهم عن كل رأس من الغنم المستورد، فإن الإعفاء من رسوم الاستيراد والضريبة على القيمة المضافة سوف لن يتواصل فقط، بل سيتم إقراره ضمن القانون المالي لسنة 2025.
لماذا هي فضيحة؟
في معسكر المعارضة، اعتبر الخبير الاقتصادي وعضو حزب التقدم والاشتراكية محمد بنموسى أن دعم استيراد اللحوم وإعفائها من الرسوم الجمركية “فضيحة دولة”، مبرزا أثناء حلوله ضيفا على برنامج “ضفاف الفنجان” الذي يبث على منصات “صحيفة صوت المغرب”، أن أسعار اللحوم الحمراء استمرت في الارتفاع رغم هذا الإعفاء، وأنه كان من المفترض، بدلا من منح هذا الدعم الضريبي الكبير لعدد محدود من المستوردين، “أن تخصص الحكومة دعما مباشرً للمواطنين.
وكشف بنموسى أن 13 مليار درهم التي تم توزيعها كدعم على أقل من 200 مستورد، أتاحت لكل واحد من هؤلاء الحصول على متوسط مبلغ يقدر بحوالي 40 مليون درهم.
“بالطبع، هناك مستوردون حصلوا على مبالغ أكبر وآخرون حصلوا على مبالغ أقل، لكن المتوسط هو 40 مليون درهم لكل مستورد، أي أن كل واحد منهم وضع 40 مليون درهم في جيبه دون أن يدفع عنها ضرائب للدولة، وإلى جانب ذلك قام ببيع اللحوم بالسعر الذي يريد، دون أي رقابة أو تقنين! وهذا أمر غير معقول”.
هل توقّف النزيف عند 1300 مليار؟
بعد ثبوت إنفاق أكثر من 1300 مليار من المال العام، باعترافات رسمية، وعدم تحقيق هذا الإنفاق لهدفه الوحيد المتمثل في الضغط على الأسعار وخفضها، يصبح السؤال المطروح هو ماذا وقع بعد أكتوبر 2024؟
الثابت هو أن الحكومة واصلت العمل بالإعفاء من الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة لصالح المستوردين، بل وأدخلت هذا الإجراء الذي كانت تطبّقه بناء على مرسوم، ضمن القانون المالي لسنة 2025.
وفي انتظار الكشف عن أرقام محيّنة بخصوص النفقات العمومية لفائدة هؤلاء المستوردين في الفترة اللاحقة لأكتوبر 2024، يمكننا الحصول على تقديرات تقريبية من خلال النشرات التي يصدرها مكتب الصرف حول حجم وقيمة الصادرات والواردات.
تخبرنا الوثيقة التي قدمتها الحكومة للبرلمان، أن قيمة واردات المغرب من الأبقار والأغنام من فاتح يناير 2024 إلى 24 أكتوبر من السنة نفسها، هو 3.3 مليار درهم.
فيما تخبرنا نشرة مكتب الصرف حول المبادلات التجارية مع الخارج، أن قيمة الواردات من الحيوانات الحية تضاعفت تقريبا في سنة 2024 (+95 في المئة) مقارنة بالسنة السابقة، وانتقلت قيمتها من أقل من ثلاثة ملايير درهم، إلى أكثر من خمسة ملايير و500 مليون درهم.
أكثر من ذلك، تسارعت وتيرة الاستيراد أكثر مع بداية العام 2025، حيث تضاعفت قيمة واردات الحيوانات الحية أربع مرات تقريبا، في فترة شهري يناير وفبراير 2025، بالمقارنة مع الفترة نفسها من السنة السابقة (2024).
فقد حققت هذه الواردات أكثر من مليار درهم كقيمة إجمالية، مقابل 252 مليون درهم في الفترة نفسها من السنة السابقة.
السر في الأبقار!
في الوقت الذي حاول فيه راشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب والقيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، توجيه النقاش نحو الدعم المباشر الذي منحته الحكومة السنة الماضية لمستوردي المواشي الخاصة بعيد الأضحى؛ تكشف المعطيات الرسمية والدقيقة، أن القسم الأكبر من الدعم يرتبط بالإعفاءات الجمركية والضريبية، ويهمّ استيراد الأبقار أكثر مما يتعلّق باستيراد الأغنام.
وعند المقارنة بين جدولين تضمّنتهما الصفحة 246 من الوثيقة المقدّمة رسميا للبرلمان في ؟أكتوبر 2024، يُلاحظ تراجع في حجم اللحوم المستوردة، مقابل ارتفاع واردات الأبقار، ما يعني أن هامش الربح بات كبيرا للغاية في حالة استيراد الأبقار الحية.