فراقشية الحرام!
ما كشفه الزملاء في مجلة “ملفات” في عددها الأخير بالوثائق والأرقام والمعطيات، ليس تحقيقا صحفيا عاديا عن ارتفاع أسعار اللحوم والأعلاف والمحروقات؛ بل هو أقرب إلى صكّ اتهام ثقيل ضد هندسة كاملة لتحويل بطون المغاربة إلى منجم للمال الحرام.
نحن أمام خريطة افتراس لا تبدأ في الرحبة ولا تنتهي عند الجزار، بل تمتد من مراسيم الدعم والإعفاءات الجمركية والضريبية، إلى شركات الأعلاف والاستيراد والمحروقات، مرورا بفيدراليات مهنية ولوبيات تعلمت كيف تُخرج المال الحرام من المال العام باسم حماية القدرة الشرائية، ثم تعود لتنهش هذه القدرة نفسها في الأسواق.
نحن، ببساطة جارحة، أمام اقتصاد سياسي جديد، أو ربما هو قديم لكنّه تعرّى أخيرا، لا يكتفي بأن يضع يده في جيب المواطن، بل يمدها إلى طبقه، وإلى خبزه، وإلى لحمه، وإلى كل ما يسد به رمق أبنائه، ثم يخرج علينا، ببرودة لا تكاد تصدق، ليشرح لنا أن ما يحدث هو قانون السوق، وأن الأسعار لا ترحم، وأن الأزمة عالمية، وأن القطيع تناقص، وأن الجفاف قاس، وأن المواطن، هذا الكائن الملعون في عرفهم، عليه أن يفهم وأن يصبر وأن يدفع الثمن.
أخطر ما في التحقيق أن من كان يفترض فيه أن يطفئ الحريق، هو مهندس الغابة التي اشتعلت. لهذا لم يكن غريبا أن يكشف أخنوش نفسه، في البرلمان، منتصف أبريل الأخير (2026)، ما ظل كثيرون يحاولون إخفاءه، حين حذر من انهيار أسعار المواشي، وقال إن “داكشي اللي بغا المواطن”، فقد كان يتحدث من الموقع الحقيقي الذي يرى منه المغاربة.
كأن المغربي عدو ينبغي الإجهاز عليه كلما طالب بأن يأكل بثمن معقول.
في مجال المحروقات، كنت أعتقد أنني أعرف ما يكفي عن حجم الفضيحة. كنت أظن أن ما قيل وكتب وكشف منذ سنوات قد استنفد المعنى. لكنني، وأنا أقرأ هذا التحقيق، توقفت عند رقم لم أنتبه إلى خطورته من قبل. إلى جانب شركة أخنوش هناك شركة تعود لأسرة بوعيدة، والشركتان لوحدهما تسيطران وفق معطيات التحقيق، على 46 في المئة من السوق.
فهمت، ولو متأخرا، سر ذلك الإصرار العجيب في الدعوى التي رفعها أخنوش ضد زميلتنا ومديرة نشر “صوت المغرب” حنان بكور، بدعوى أنها مست امباركة بوعيدة في تدوينة استنكرت فيها برودة انتخاب هذه السيدة رئيسة لمجلس جهة كلميم، بينما دم الراحل بلفقيه مازال ينزف ساخنا إثر “انتحاره”.
كنا نتساءل خلال الجلسات “هل بوعيدة فتاة قاصر حتى ينصّب أخنوش نفسه وصيا عليها ويرفع دعوى باسمها، لا تحضر فيها ولا تؤكدها؟”. بينما كانت المحاكمة دفاعا عن خريطة نفوذ، وعن تحالف مصالح، وعن جدار لا يريدون لأحد أن يلمسه، لأن ذلك سيكشف أن السياسة والمال والوقود والغذاء ليست ملفات متفرقة، بل حلقات في السلسلة نفسها.
لا يترك لنا تحقيق “ملفات” رفاهية سوء الفهم. 76 مليار درهم من الدعم والإعفاءات والتسهيلات خرجت بمبرر حماية القدرة الشرائية. لكن المواطن لم يجدها في ثمن اللحم، ولم يجدها في السوق، ولم يجدها في عيد الأضحى، ولا في سعر المحروقات.
وجدها فقط وقد تحولت إلى هوامش ربح فاحش، وإلى طبقة جديدة من المستفيدين الذين يعرفون كيف يأكلون من يد الدولة، ثم يعضون يد المواطن.
في اللحوم الحمراء، تكشف معطيات التحقيق أن المشكل ليس في قلة القطيع، بل في التحكم في مساره. قلّة من الكسابة يمنعون وصول ما يكفي من الرؤوس إلى “الرحبة” حتى لا تنخفض الأسعار. وكبار المربين يوجهون السوق عبر وسطاء صغار. والشناقة يرفعون الكلفة دون قيمة مضافة.
شركات تمد أذرعها من الاستيراد إلى التسمين فالذبح والتوزيع. والأعلاف، التي يفترض أن تنخفض أسعارها بعد تراجع المواد الأولية عالميا، ظلت عالقة في الأعالي، كأن المغرب يعيش في كوكب اقتصادي آخر.
لا يمكننا أن نسمّي هذا خللا.
الخلل يكون عارضا، أما ما نراه فهو منظومة مريبة وهندسة كاملة. كلما ظهرت أزمة، خرج الدعم. وكلما خرج الدعم، ابتلعته الحلقات نفسها. وكلما سأل المواطن عن أثره، قيل له إن الأزمة أكبر من الحكومة. وكلما طالب بتسقيف الأسعار، قيل له إن السوق حر.
أي سوق حر هذا الذي تدخله الدولة بأموالها وقوانينها وإعفاءاتها، ثم تخرج منه الأسعار كما أرادها المحتكرون؟
وأية حرية هذه التي لا تظهر إلا عندما يتعلق الأمر بترك المواطن وحيدا أمام الذئاب؟
نحن أمام مضاربة بواسطة الدولة، لا خارجها. أمام افتراس يتم باستعمال أدوات عمومية. وأخنوش ليس مجرد رئيس حكومة فشل في ضبط الأسواق. إنه، كما تكشف الوقائع، صانع أول لهذا الوضع ومهندسه السياسي والاقتصادي. ليس لأنه وحده في الصورة، بل لأنه يجمع، في هذه اللحظة، بين ذاكرة من صاغ الفلاحة كما هي اليوم، وموقع من يقود الحكومة كما هي حاليا، ومصلحة من يعرف السوق كما يعرف جيبه.
لهذا يصبح الكلام عن “اختلالات” نوعا من التواطؤ. هذا “خنز” سياسي واقتصادي يزكم الأنوف. ما نقاسيه ليس انحرافات في تنفيذ سياسة عمومية. بل هي سياسة عمومية صيغت بما يكفي من الغموض كي تنحرف حيث يجب أن تنحرف.
المرعب في القصة أنها ليست المرة الأولى التي نكتشف فيها أن طعام المغاربة نفسه صار مسرحا للجريمة.
نذكر جميعا تقرير المجلس الأعلى للحسابات عام 2018، حول ما يأكله المغاربة من خضر وفواكه ولحوم وأعشاب منسِّمة، وكيف وضع القضاة، بالتجربة العلمية وتقارير المختبرات، مرآة سوداء أمام الجميع: طعام المغاربة، في جزء واسع منه، فاسد أو سام أو غير صالح للاستهلاك البشري.
ومع ذلك، لم تنته القصة بمحاكمة سياسية وأخلاقية كبرى لمن سمحوا بهذا السم على موائد الناس، بل انتهت بخروج إدريس جطو من المشهد المؤسساتي، كما انتهت، في سياق آخر، بخروج إدريس الكراوي، رئيس مجلس المنافسة السابق، بعدما اقترب أكثر مما ينبغي من ملف المحروقات، ومن شركاته، وفي مقدمتها شركة أخنوش.
كأن القاعدة صارت واضحة: من يكشف الرائحة “الخانزة” يخرج من المشهد، ومن يصنع العفن يبقى. من يوقع التقرير يختفي، ومن تظهر أسماؤهم في قلب التقارير يترقون في السلطة والنفوذ.
لذلك، حين صدر القرار الملكي بعدم إقامة شعيرة عيد الأضحى السنة الماضية، لم يكن الأمر، في تقديري، مجرد قرار لحماية القطيع. الدولة كانت تعلم، دون شك، أن خطاب التناقص المفرط في القطيع الوطني مجرّد غطاء لتبرير عملية افتراس وحشية كانت تنتظر المغاربة في العيد.
كان عيد السنة الماضية سيصبح مجزرة مالية جماعية، وكان الفراقشية والمحتكرون والوسطاء سيعلقون المغاربة من أعناقهم في أبواب الأسواق، باسم الشعيرة وباسم الندرة وباسم “القطيع ناقص”.
لذلك لم ينقذ القرار الملكي رؤوس الأغنام والماعز فقط، بل أنقذ رقاب المغاربة من عملية نهب كانت معدة بعناية.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نخدع أنفسنا. القرار الملكي أوقف الذبح الرمزي لجيوب الناس في لحظة معينة، لكنه لم ينه المنظومة التي كانت تستعد لذلك الذبح.
المنظومة ما زالت هنا. وهندستها كامنة في اللحوم، وفي الأعلاف، وفي المحروقات، وفي الخضر، وفي الفواكه، وفي الدعم (بما فيه دعم الصحافة)، وفي الصمت، وفي الخوف، وفي تلك المسافة المرعبة بين ما تقوله الحكومة وما يعيشه المواطن.
نحن أمام لحظة تحوّل فيها المغاربة إلى رهائن لدى لوبيات الفراقشية والمحتكرين.
رهائن عند من يتحكمون في ما يدخل بطونهم، وفي ما يخرج من جيوبهم.
وما يكشفه تحقيق “ملفات” تشريح لوطن صار فيه المواطن أول من يدفع وآخر من يستفيد.
وطن تخرج فيه الملايير باسمه، ثم لا يصل إليه منها إلا الفاتورة.
وطن يقال فيه إن الدعم لحمايته، فإذا به يتحول إلى سلاح ضده.