story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
جالية |

فادي وياسين.. طفلان مغربيان في غياهب سجن عوفر الإسرائيلي

ص ص

لم يكن الطفل المغربي فادي (18 عاماً) ولا شقيقه الأصغر ياسين (17 عاماً) يعلمان أن تلك الليلة، عند الواحدة بعد منتصف الليل، ستكون آخر ليلة ينامان فيها على سريريهما، وأن العام الذي كان يُفترض أن يكون عام النجاح الدراسي، سيتحوّل إلى أشهر من الاعتقال والانتظار المرير.

في تلك الساعة المتأخرة، اقتحمت قوة أمنية إسرائيلية منزل الأسرة في القدس المحتلة، وانتُزع الطفلان من حضن أسرتهما. تم اعتقالهما بناء على هويتهما المغربية، إذ طلب جنود الاحتلال البطاقة الوطنية المغربية وليس الفلسطينية، في إجراء استثنائي يؤكد أن فادي وياسين يُعاملان حالياً كمعتقلين مغاربة، مما يضع المسؤولية مباشرة على عاتق سلطات الرباط للتدخل وحماية مواطنيها.

جرى اعتقال الشقيقين فادي وياسين، بحسب بيان رسمي لمحافظة القدس الشريف، عقب تفتيش منزلهما والاعتداء على من بداخله؛ إذ داهمت قوات الاحتلال، يوم الخميس 7 نونبر 2025، منزل العائلة في بلدة أبوديس شرق القدس المحتلة. واقتادت قوات الاحتلال فادي وياسين إلى جهة مجهولة، قبل أن يتبيّن لعائلتهما لاحقاً أنهما محتجزان في سجن عوفر الإسرائيلي.

وتشهد بلدة أبوديس، وفق المصدر ذاته، اقتحامات ومداهمات متكررة تنفذها قوات الاحتلال بشكل شبه يومي، تتخللها عمليات تفتيش لمنازل المواطنين والاعتداء عليهم، إلى جانب نصب نقاط تفتيش وحواجز مفاجئة، وإجراء تحقيقات ميدانية داخل البلدة.

أحلامٌ خلف القضبان

بدون تهمة واضحة أو دليل ملموس، وجد الطفلان اللذان لا يحملان سوى كتبهما وأحلامهما وارتباطهما الوثيق بوطنهما الأم المغرب، أنفسهما في مواجهة آلة عسكرية لا تراعي براءتهما ولا وضعهما القانوني أو الصحي. ومنذ ذلك الحين، دخل الشقيقان دوامة من الجلسات المتتالية أمام المحكمة العسكرية وتمديدات الاعتقال التي لا تنتهي.

كان فادي يستعد لاجتياز امتحان الثانوية العامة (البكالوريا) هذا العام، وهي محطة مفصلية في مساره الدراسي، بينما كان ياسين يعيش سنته التحضيرية الحاسمة.

وفي حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، تؤكد والدتهما، منانة بحر، أن حلمهما كان دائماً إتمام الدراسة الجامعية في المغرب، حيث قضيا الصيف الماضي لأشهر في مدينة مراكش بين أهلهما.

اليوم، وبعد مرور نحو أربعة أشهر على اعتقالهما، عُقدت ست جلسات في ملفهما، وتم تمديد الاعتقال إلى شهر ماي المقبل، مع توقع تمديدات جديدة. تسأل الأم بحرقة: “نصفُ عام وأنا لا أعرف عن ولديَّ شيئاً.. أيُّ أمٍّ تستطيع تحمّل هذا؟”. وتضيف أنها لم تتمكن من رؤيتهما منذ يوم الاعتقال في ظل توقف الزيارات، مشيؤة إلى أن أي تواصل داخل المحكمة يجري تحت رقابة مشددة تمنع حتى الإيماءات العاطفية.

تضييق وإهمال ممنهج

تنقل الأم، استناداً إلى إفادات قاصرين أُفرج عنهم مؤخراً، صورة مأساوية لظروف الاحتجاز في معتقل عوفر، حيث يقبع الشقيقان المغربيان وهما يعانيان من مرض الربو المزمن، وهو ما يجعل بيئة السجن الباردة، وافتقارها لوسائل التدفئة، واستخدام الغاز المسيل للدموع أثناء الاقتحامات، تهديداً مباشراً لحياتهما.

منذ أربعة أشهر، يواجه الطفلان المغربيان ظروفاً قاسية داخل معتقل عوفر، وفق ما ترويه والدتهما. وتكشف التفاصيل المنقولة عنها، وعن شهادات المعتقلين المفرج عنهم، عن صورة إنسانية شديدة القسوة، تتداخل فيها المعاناة الصحية مع الحرمان الغذائي والتعليمي والنفسي.

على المستوى الصحي، تجعل معاناة الشقيقين من مرض الربو بيئة الاحتجاز مصدر خطر دائم على حياتهما. إذ لا تتوفر وسائل تدفئة كافية داخل الأقسام، كما يُستخدم الغاز المسيل للدموع خلال الاقتحامات، ما يجعل كل نوبة ضيق تنفس تهديداً مباشراً للطفلين. وتؤكد الأم غياب الرعاية الطبية المنتظمة، وعدم تمكينهما من الأدوية الضرورية لحالتهما الصحية.

أما من الناحية الجسدية، فقد فَقَد كل من فادي وياسين نحو 15 كيلوغراماً من وزنهما، نتيجة سوء التغذية، وفق ما تؤكده الأسرة. ويقتصر الطعام، بحسب ما نُقل إليها، على الأرز المسلوق والخبز اليابس في معظم الأيام، مع وجبات محدودة أسبوعيا وبجودة ضعيفة.

كما تتحدث الأم عن غياب الحد الأدنى من شروط النظافة، وانتشار أمراض جلدية بين المعتقلين بسبب البيئة غير الصحية.

وتشير الأم إلى أن الماء المتاح داخل السجن غير صالح للشرب بالشكل اللائق، وأن مصدره من صنابير داخل المرافق الصحية، ما يزيد من المخاوف الصحية. كما أن الزنازين تفتقر إلى شروط العيش الأساسية؛ إذ توجد نافذة ضيقة مغطاة بشبك حديدي لا تقي من برد الشتاء ولا تحجب الرطوبة، ما يجعل الهواء البارد يتسرب إلى الداخل دون وجود أغطية أو وسائل تدفئة كافية.

وتضيف الأم أن لكل واحد منهما لباساً واحداً فقط، مع حرمان المعتقلين من إدخال الملابس أو المستلزمات الشخصية. كما مُنعوا من الكتب، بما فيها الكتب الدراسية والقرآن الكريم، ومن أي مقتنيات يمكن أن تخفف عنهم وطأة العزلة.

في الجانب التعليمي، يبدو الأثر بالغ القسوة. فبينما يجتاز أقرانهما في المغرب والقدس امتحانات البكالوريا ويستعدون للجامعة، يُحرم فادي من حقه في متابعة سنته الدراسية واجتياز امتحانه المصيري، ويُحرم ياسين من سنته التحضيرية التي تشكل أساس مستقبله الأكاديمي. هذا الانقطاع القسري عن الدراسة يهدد، بحسب أسرتهما، بضياع مسارهما التعليمي في مرحلة حاسمة من العمر.

كما تتحدث الأم عن المعاناة النفسية الناتجة عن العزلة ومنع الزيارات، إذ لم تتمكن من رؤيتهما منذ اعتقالهما في ظل وقف الزيارات العائلية. وتؤكد أن الفصل بين الشقيقين حتى في الجلسات، ومنع أي تواصل إنساني طبيعي، يزيد من حدة الضغط النفسي عليهما وعلى أسرتهما.

حتى في المحكمة، يُمارس بحقهما نوع من التعذيب النفسي؛ إذ يُفصل بين الشقيقين، ويُمنعان من تبادل السلام مع والدتهما. تصف الأم المشهد: “يُمسك الجنود بالهواتف لمنع أي تواصل عاطفي، وأي محاولة للكلام تؤدي إلى طردنا من القاعة”.

ثمانية عشر وسبعة عشر عاماً؛ هي سنّ مقاعد الدراسة لا سنّ الزنازين. تقول الأم بصوت يختنق بالحسرة: “كان يفترض أن يكون هذا عام الفرح بنجاح فادي، وبدلاً من إعداد مائدة الإفطار الرمضانية التي يحبونها، أعيش قلقاً لا ينتهي.. كيف أعدّ الطعام وأنا لا أعرف ماذا يأكلان؟”.

إلى الضمير المغربي

تعتبر قضية فادي وياسين صرخة إنسانية موجهة إلى الضمير المغربي والدبلوماسية في الرباط. وتناشد الأم وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج للتدخل العاجل عبر إيفاد بعثة دبلوماسية أو تكليف محامٍ لزيارة الطفلين والاطمئنان على وضعهما الصحي والقانوني باعتبارهما رعايا مغاربة.

كما تطالب منانة بالضغط لضمان حصولهما على العلاج الضروري وحمايتهما من التنكيل. في وقت يظل فيه المطلب الأساسي هو الإفراج الفوري عنهما لعدم وجود تهمة، ولأنهما قاصران مكانهما الطبيعي هو حجرات الدراسة.

بينما يمضي شهر رمضان، تظل مائدة عائلة بحر في القدس المحتلة ناقصة، وتظل الأم المغربية بانتظار تدخل دبلوماسي يحمي طفلين مغربيين من ضياع مستقبلهما خلف قضبان الاحتلال. وهي تستحضر صور ابنيها اللذين كانا يقضيان عطلتهما العام الماضي في مراكش، واليوم يواجهان المجهول في “عوفر”.

“عوفر”.. مقبرة الطفولة

يُعد معتقل عوفر من أكثر السجون الإسرائيلية سوءاً من حيث السمعة، ويقع على أراضي بلدة “بيتونيا” غرب مدينة رام الله، حيث تطلق عليه الحركة الأسيرة لقب “المسلخ” نظراً لظروفه التنكيلية. ويُعد السجن الوحيد في الضفة المحتلة الذي تقع إدارته تحت المسؤولية المزدوجة لجيش الاحتلال و”مصلحة السجون”، ويضم قسماً خاصاً بالأسرى القاصرين.

ومنذ أواخر عام 2023، تحول السجن إلى ساحة لقمع ممنهج، حيث يُحرم الأطفال من أدنى مقومات الحياة، ويعيشون في زنازين ضيقة تفتقر للتدفئة في منطقة جبلية شديدة البرودة، مع سياسة تجويع متعمدة تسببت في فقدان الأسرى لعشرات الكيلوغرامات من أوزانهم.

تشير التقارير الحقوقية إلى واقع مأساوي يعيشه الأطفال الفلسطينيون والمقدسيون في سجون الاحتلال؛ حيث يقبع حالياً حوالي 350 طفلاً قاصراً (دون سن 18) خلف القضبان، من بينهم أكثر من 100 طفل يخضعون لما يسمى بـ “الاعتقال الإداري” دون تهمة أو محاكمة.

ومنذ أكتوبر 2023، تصاعدت وتيرة استهداف الأطفال، إذ سُجلت أكثر من 1000 حالة اعتقال في صفوف الأطفال، تركزت أغلبها في مدينة القدس المحتلة وضواحيها مثل بلدة “أبوديس”.