story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

غا مولا نوبة

ص ص

تحتجب مجلة “لسان المغرب” عن الصدور خلال شهر غشت، لتضرب موعداً في بداية شتنبر. بعد عام آخر من الالتزام بالكتابة في هذا الركن (حِبر الختام)، تسأل ما الذي يمكن أن يُكتب ويبقى حيّاً مدة توقف النشر. تتزاحم المواضيع في الأسبوع الأخير من شهر يوليوز، وتبدو متفرقات، لكن بينها أكثر من ناظم. لنحاول.

“حصيلة” الملك

قرأتُ خطاب عيد العرش (وعادتي أن أنتظر نشر الخطابات الملكية مكتوبة). في الجزء الأول منه يبدو الملك محمد السادس يعرض “مذهبه في الحكم” ( من نص الخطاب). تحدث باقتضاب شديد ودالٍّ عن كيف يريد للتاريخ أن يتذكّر الملك الـ23 من ملوك الدولة العلوية. يشير إلى أنه لم يسعَ إلى “مجد شخصي” أو إلى اعتراف بدور ريادي، قارياً أو دوليا، وأن “شاغله النهوض بأمانة خدمتك، وتمكين جميع المغاربة من شروط العيش الحر الكريم”، كاشفاً بذلك عن ترتيب لأولويات انعكس على اختياراتٍ وأسلوب في ممارسة وظيفة الملك.

يمرّ الملك بعد ذلك إلى إفصاح، يبدو غير مسبوق في لغته، عن تقييمه لأدائه طيلة 27 سنة من جلوسه على العرش، ليخلص إلى التعبير عن “مزيج من مشاعر الاعتزاز بالمكاسب المحقّقة، والتفاؤل بالمستقبل” و”إحساس بالرضا عن الذات” و”شعور إيجابي بالثقة والطمأنينة”، مشيراً إلى باكورة الإنجازات و”ما يبعث على الفخر”: الأمن والاستقرار “في محيط إقليمي ودولي مطبوع بكثرة التقلبات والاضطرابات”، ونجاعة المؤسسات “في مواجهة الكوارث والأزمات”.

وفي آخر الخطاب، يحصِّن الملك هذه “المكاسب” من الاستغلال السياسي والانتخابي، بالحديث عن أن “المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني؛ فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية، وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي، وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا”.

ستبقى الحصيلة محطّ تداولٍ، مادام الفعلُ والقرار البشري ممّا يعتريه الصوابُ والخطأ. ومن حقّ أيّ كان أن يشكّل قناعة وتقييماً.

لكن جزءاً آخرَ لا يزال فارغاً في كأس الحصيلة سبق أن أقرّ الملك به حين تحدث، في خطاب افتتاح البرلمان في 2017، عن محدودية آثار المشروع التنموي على المواطنين. فإذا كانت الملكية تفخر بإنجازاتها، وتملك أساساً معقولا لهذا الاعتزاز على شكل تطوّر تشهده البلاد، فإن جوانب أخرى ذات صلة بترتيب المسؤوليات عن مكامن فشلٍ مُعترفٍ به من الملكية نفسها تبقى شاغرة. بصيغة أخرى: من يتولى “التوجه الاستراتيجي” ويصيغ “الاختيارات الكبرى”، يفترض أن يتحمّل مسؤولية عن مساحات قصور. وهذا مقتضى من مقتضيات “الخيار الديمقراطي”.

لقجع.. مولا نوبة؟

التحق وزير الميزانية ورئيس جامعة كرة القدم فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة. سبقت الخطوة تمهيدات وتسريبات طيلة أشهر.

لم يكشف هذا الالتحاق/ الإلحاق إلى الآن عن كل أوراقه، لكن مطالعةً سريعة لمواقف صدرت عن قيادات في الحزب الذي يقود الحكومة (التجمع الوطني للأحرار) تُظهر انزعاجاً قد يكون مبعثُه استشعار وجود “هندسة سياسية” يجري ترتيبها، بنفس الأسلوب الذي سلّم أخنوش رئاسة الـRNI ثم رئاسة الحكومة.. (وغا مولا نوبة).

ومن نكَدِ الزمان والسياسة أن يُعيّر “الأحرار” الآخرين بإلحاق شخصيات بقيادته وهو صاحب السوابق المعلومة في صبغ الأسماء باللون السماوي (الله يداوي)، فيظهرُ “كتلك التي تحاضِر في الشرف”، أو لعلّنا نرى مع الشاعر أحمد مطر “جرذاً يخطب عن النظافة.. وينذر الأوساخ بالعقاب.. وحوله يصفق الذباب!”.

وفعلاً، قد يكون التحاق/ إلحاق لقجع بالأصالة والمعاصرة، من ضمن كثيرٍ، جزءاً من هندسة الدولة لنتائج الانتخابات، وتالياً هويةَ رئاسة الحكومة وشكل “السلطة التنفيذية”، وقد صار بالإمكان رصد “هِجرات” من ديناصورات انتخابية تتحسّس اتجاهات رياح السلطة ونواياها من إخراج وجهٍ من وجوه نخبتها الإدارية والتقنية نحو واجهة حزبية (PAM) قد تكون بديلا محتملا لواجهة حزبية أخرى (RNI).

وإنْ كان “التوجّه الاستراتيجي” و”الاختيارات الكبرى” فوق حكوميَيْـن، مثلما نِسبةُ الإنجازات “لمن يجب أن تُنسب إليه”، وفق مضمون خطاب الملك في عيد العرش، فإنّ ضرورات تحصين الملكية ولوازم إدارة الدولة تستدعي بناء واجهة حكومية، يتم إفرازها عبر فعل انتخابي، يمنحُ المواطنين نافذة “اختيارها”، ليجري، تالياً، تحميلها مسؤولة كل اختلال وقصور “في التنفيذ”، في ظل عدم ربط كل مستوى من مستويات المسؤولية، في النظام السياسي، بلازم المحاسبة.

قد يكون لقجع “عَرْضاً سياسياً” ذا صلة برئاسة الحكومة عقب انتخابات 23 شتنبر، يمر أولا بحلّ أزمة الأصالة والمعاصرة، باعتباره حزب سلطة و”عجلة احتياط”. وهذا يستبطن إشكالين على الأقل: أولاً معنى استدعاء فاعل غير حزبي لإنعاش حالة حزبية مأزومة. وثانيا، “إنفاق” الدولة من “خميرتها” وكفاءاتها التقنية لتوسع دائرة الاختيارات بين يديْ “حكومة المونديال” في ظل عجز/ تعجيز حزبي عن إنتاج زعامات سياسية قد تنازِع لحيازة شرعية تمثيل شعبي تزاحم شرعيات أخرى.

وبالتّبع، هذا يشير إلى إشكال أعمق يرتبط بالثقة في السياسة وجدوى الانتخابات. فالدفع بشخصية مثل لقجع يبعث بإشارات غير جيّدة حين يرتبط اسمه بفرضية رئاسة الحكومة. فعلي أي أساس ستُجرى الانتخابات إذا شعر المواطنون بثقل هندسات جاهزة ومخدومة تسبق لحظة تصويتهم، وفي سياق الحديث عن “توجّه استراتيجي” و”اختيارات كبرى” تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني.

بهذا تصير الانتخابات وما تفضي إليه من نتائج، ظاهرياً، اختيارا مجتمعياً، لكنها في الجوهر “اختيار” دولة. وهذا انعكاسٌ لنوع من “الهجانة” في النظام السياسي، حيث توجد الملكية بكل ثقلها وصلاحياتها وسموّها، تجاوِرُ واجهةً ديمقراطية تعبّر عن نفسها على شكل مؤسسات تمثيل تفرزها “انتخابات حرّة بمقدار ما تريد السلطة”.

على أساس هذا المعنى، لا فرق جوهرياً بين لقجع وأخنوش. كلاهما يتقدّم ويتأخر وفق احتياجات السلطة الفعلية، وكلاهما أُنتج في مختبراتها، فقط تتغير الوجوه والواجِهات. وبهذا، لا يمكن الزّعم، بأيّ حال، أن لقجع اكتشف فجأةً أنه قريب من “المشروع الفكري والسياسي” لـ”البام”، فقرر ممارسة حقوقه السياسية بالانتماء الحزبي.

الفكرة أننا قد نكون أمام “ترتيبات دولة” قدّرت ضرورةَ زرع “خيار جاهز” داخل حزب مرشّح للفوز باستحقاق 23 شتنبر، ضمن مقتضيات الإلزام الدستوري للملك باختيار رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر الانتخابات.

قصارى القول

ولئنْ كان كل الحديث عن لقجع ورئاسة الحكومة لا يخرج عن نطاق الفرضية التي تكتسب مصداقيةً و”أسباب نزول”، دون أن ترقى إلى الآن إلى مستوى “الحقيقة الواقعية”، في انتظار ما سيخرج من “قبّعة الساحر” قبل وبعد الانتخابات، فإن مشاهد “اجتياح” قاصرين وشباب وشابّات وعائلات بأكملها لسبتة ومليلية المحتلتين يقع ضمن “الحقائق الصلبة” وعناصرَ من عنوان قصور كبير، في اختيارات الدولة أساسا.

صارت الهجرات الجماعية بذلك الشكل المُفزع مكرّرةً ومعادةً، وتُظهر يأسَ كثير من شباب المغرب يجدون أنفسهم خارج كل اهتمام، ومنسحقين في طاحونة احتياج يومي ضاغط، بلا آمال في “عيش كريم”. إنّ هذا الانكشاف الجماعي هو التعبير الأكثر قسوة عن ضعف نتائج مشاريع التنمية وجزءٍ من “الاختيارات الكبرى” في أن تشمل كل المواطنين.

“تنمية الواجهة” لا يمكن أن تغطي أعطاباً في المجتمع، تتفجّر كلما تشكلّت ظروف. هنا بالضبط توجد المعركة الأساسية للدولة. وفي رِكاب ذلك، لا غنى عن بناء الدولة الديمقراطية حقاً وحقيقة، لا ديمقراطية الواجِهات ومؤسسات التمثيل “المُفبركة”، والتي لا تملك القرار إلا ضمن الهوامش.