عيد الغفلة
للأعياد، عادة بروتوكول عرفي غير مكتوب. فهي تأتي بعد تعب، وتطرق الباب برفق، وتمنح الناس مهلة كافية كي يغيّروا جلد رمضان بهدوء. خيّاط ينهي آخر غرزة، وحلاق يؤجل استراحته إلى ما بعد “الرأس الأخير”، وأمّ تُكمل ما تبقّى من لوازم الفطور الأول، وموظف يحسب المسافة بينه وبين بيت والديه على أساس أن الجمعة ما تزال من أيام رمضان، وأن السفر يمكن أن يبدأ بعد العصر، أو بعد صلاة الجمعة على الأقل (…).
لكن عيد هذا العام لم يقرأ هذا البروتوكول، أو قرأه ثم ضحك منه. جاء مثل خبر عاجل في نشرة متوترة، أو كصفارة إنذار في حيّ نائم، أو مثل ضيف نبيل اختار أن يقتحم البيت من النافذة.
فجأة، وبينما كان كثير من “المختصين” يقرؤون للناس “زابورهم” مطمئنّين إلى صعوبة الرؤية، وربما استحالتها عمليا في المغرب مساء الخميس 19 مارس 2026، خرج البلاغ الرسمي ليعلن أن هلال شوال ثبتت رؤيته شرعا، وأن العيد يوم الجمعة 20 مارس.
هكذا، وفي أقل من دقيقة، تحولت ليلة رمضانية كانت مرشحة لأن تكون بيضاء في ورشات الخياطة والمخابز ومحلات التجميل والأسواق ومحطات السفر، إلى ليلة طوارئ وطنية، لكنها من النوع اللطيف الذي يربكك وأنت تضحك.
ولأن “الدولة”، مثل بقية الناس، كانت تتصرف على أساس أن العيد أقرب إلى السبت، فقد كانت الحكومة قد منحت عطلة استثنائية يوم الاثنين 23 مارس لإطالة فسحة العيد لموظفي الإدارات والجماعات الترابية. أي أن “المخيال” الإداري نفسه كان قد بنى بيت العطلة على أرضية مريحة، عنوانها الجمعة غالبا من رمضان، والسبت أول العيد، والأحد استراحة، والاثنين جائزة إضافية.
ثم جاء الهلال، أو من رآه، وقرر أن يختبر مرونة هذا اليقين الوطني. فصار الموظف الذي كان يتهيأ لوداع رمضان على مهل، يستقبل العيد على عجل، وصارت الأسرة التي كانت تؤجل “القفة الأخيرة” إلى صباح الجمعة، تعدّ نفسها الآن بين فطور أخير وسفر مبكر وكسكس مهدد بالتبكير أو الاختزال أو النجاة بمعجزة.
كان في الأمر شيء من الكوميديا الإدارية، وشيء من الشعر الشعبي، وكثير من الارتباك الذي لا يملك المغاربة أمامه إلا أن يعلقوا: “الخير في ما اختاره الله”.
ليس من السهل أن تهزم ليلة واحدة هذا القدر من الاطمئنان الفلكي. فالمركز الدولي لعلم الفلك كان قد نشر قبل أيام معطيات تُفيد بأن رؤية هلال شوال مساء الخميس 19 مارس 2026 ستكون صعبة، وأنها قد لا تتيسر إلا بالوسائل البصرية المتقدمة في أجزاء من غرب آسيا وشمال إفريقيا، فيما كانت تقديرات أخرى في الصحافة المغربية تميل إلى ترجيح السبت موعدا للعيد في المغرب.
لكن العيد لم يسلّم مفاتيح السماء كلها للحسابات الفلكية، ولم يطرد الشهود من ساحة الرؤية، فظل يمسك العصا من وسطها. الحساب الفلكي يُمهّد، أما الكلمة الأخيرة فلمن رأى، أو لمن ثبت عنده أن أحدا رأى… ومن رأى ليس كمن عدّ (سمع).
هكذا وُلد “عيد الغفلة”، ليس من الصدام بين العلم والدين كما يحب بعض المولعين بالثنائيات الكسولة أن يصوروه، بل من الفجوة الصغيرة، واللذيذة أحيانا، بين فلكي يقول إن الرؤية عسيرة، وفقيه يقول “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته”.
للمغاربة، منذ زمن بعيد، طريقة خاصة في رسم خرائط الزمن، فهم لا يؤرخون بالسنوات فقط، بل بالأحداث التي حفرت أثرها في الجسد الجماعي.
لذلك بقي في الذاكرة “عام البون” و”عام الماريكان” و”عام بوكليب” وسواها من العلامات التي تحدث عنها المؤرخ عبد الأحد السبتي ضمن اشتغاله على الذاكرة الشفوية المغربية، بوصفها طريقة شعبية في تنظيم الزمن وفهمه وتوريثه.
ليس المقصود هنا حنينا إلى البؤس، بل الاعتراف بأن المجتمع لا يحتفظ من تقاويمه الرسمية إلا بالقليل، بينما يختزن في وجدانه ما صدمه، أو أضحكه، أو أوجعه، أو جمعه على دهشة واحدة.
لذلك يبدو راجحا أن هذا العيد سيدخل بدوره إلى سجلّ التأريخ بالأحداث، بوصفه حيلة سماوية خفيفة علّمت المغاربة، مرة أخرى، أن اليقين في هذه البلاد لا ينبغي أن يبالغ في الثقة بنفسه قبل صدور بلاغ الوزارة.
ففي سنة 1967، أُعلن عن عيد الفطر في صباح يوم كان الناس فيه صائمون. كانوا قد خرجوا إلى أعمالهم ومدارسهم، قبل أن يتبين أن الهلال حاضر فوقهم. لا أعرف ما إن كان ذلك العيد قد حمل الاسم نفسه حينها، لكن من المؤكد أنه كان قريبا في روحه من هذا الذي نعيشه اليوم.
عيدٌ يأتي متأخرا في الإعلان، ومبكرا في الأثر، ويترك الناس بين الضحك على المفاجأة والحنين إلى ارتباك لا يزورهم كثيرا.
وإذا كانت موريتانيا وليبيا قد عرفت كل واحدة قصتها الخاصة مع “العيد المباغت”، فإن للمغرب الآن نسخته الطازجة، وقد جاءت في زمن المنصات الفورية، حيث لا تحتاج الذاكرة إلى عقود حتى تتخمر، بل تكفيها ليلة واحدة حتى تنتج اسما شعبيا صالحا للخلود: عيد الغفلة.
ولأن المغاربة لا يتركون المفارقة تمر دون أن يرشوا عليها قليلا من الملح، فقد تكاثرت في الساعات نفسها النكات التي تربط بين هذا العيد المفاجئ وبين “التضامن” مع دول الخليج، التي كانت قد أعلنت هي الأخرى الجمعة عيدا، بينما كانت تعيش في الوقت نفسه على إيقاع القصف الإيراني.
أحد المعلّقين كتب بمكر: “معكم في الحلوة والمرّة”. والنكتة، على خفتها، لم تكن بعيدة كل البعد عن شيء من الحقيقة الثقافية في هذا البلد. فالمغاربة شعب يعرف كيف يحوّل الارتباك إلى دعابة، وكيف يداوي الفوضى الصغيرة بالضحك الكبير، وكيف يردّ على مباغتة السماء ببلاغة الأرض.
هكذا تحوّل مساء كان مرشحا لروتين رمضاني أخير، إلى مهرجان وطني صغير للركض والنداءات عبر الهواتف. خياط يُقسم أنه سينهي “الجلابة” قبل الفجر، وحلاق يعدك بكرسي شاغر “غير جي دابا”، وبقال يكتشف فجأة أن الناس قرروا شراء نصف مخزونه في ساعة، وربّ أسرة يفاوض أطفاله على النوم المبكر لأن العيد قرر أن يسبقهم إلى الباب.
لقد حلّ الفرح فعلا، لكنه جاء متشابكا مع الصدمة والحيرة والركض، مع بهجة من يعرف أن الغد عيد، وقلق من لم ينهِ بعدُ ما كان سيؤجله إلى الغد.
وربما هنا تكمن فرادة هذا العيد، كونه لم يأتِ ليذكّر الناس فقط بانقضاء شهر الصيام، بل ليصفع برفق كل أوهام التنظيم الكامل، وليقول، بطريقته الهلالية الناعمة، إن الحياة في النهاية أكبر قليلا من جداولنا، وأمكر قليلا من توقعاتنا، وأجمل أحيانا حين تخرج عن النص.
لكل هذا سيبقى “عيد الغفلة” في الذاكرة لأنه فضح هشاشتنا اللطيفة أمام خبر صغير من السماء، ثم صالحنا معها على الطريقة المغربية القديمة: شيء من الاستغراب، وقليل من التذمر، وكثير من الضحك، ثم تكبيرات العيد…
عيدكم سعيد!