story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

عيد الأضحى بين وعود الدعم وواقع الأسواق.. هل تنجح الحكومة في كبح الغلاء؟

ص ص

مع اقتراب عيد الأضحى، يعود النقاش إلى الواجهة حول القدرة الشرائية للمواطنين، وفعالية السياسات الحكومية في ضبط الأسواق، خاصة في ما يتعلق بأسعار الأضاحي.

وبينما تؤكد الحكومة في خرجاتها الإعلامية على التزامها بدعم الفئات الهشة ومهنيي القطاع، تتصاعد في المقابل أصوات المواطنين والمربين، مشيرة إلى مفارقات واضحة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني.

مليارات الدعم.. هل تصل السوق؟

في الأسبوع الماضي، خرج الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، ليؤكد أن الحكومة بصدد تنزيل دفعة ثانية من الدعم الاستثنائي المخصص لمربي الماشية والمستوردين، حيث تم تخصيص 3.2 مليار درهم كدعم مباشر للكسابة المنخرطين في برنامج “حماية إناث الماشية” لضمان استدامة القطيع، وهو الشطر الذي تجري حالياً عمليات إحصائه وتوزيعه.

وكان الشطر الأول سنة 2025 قد عرف تعبئة 5.5 مليار درهم، “صُرف منها فعلياً حوالي 5.2 مليار درهم، استفاد منها نحو 1.1 مليون كساب”، بحسب المعطيات الرسمية.

وأشار بايتاس، خلال المجلس الحكومي نفسه، إلى استمرار دعم الأعلاف البسيطة والمركبة لضمان استقرار أثمنتها في حدود 1.50 إلى 2.00 درهم للكيلوغرام، في ظل شكاوى الكسابة من أن الأسعار في الأسواق تتجاوز هذه الأرقام بكثير، إذ تصل إلى 3.60 درهم.

وتؤكد الحكومة على أن عرض الأضاحي “يفوق الطلب بكثير”، مستندة إلى بيانات وزارة الفلاحة، حيث تم ترقيم ما مجموعه 32.3 مليون رأس من الماشية وطنياً بنهاية 2025، بينها 23.1 مليون رأس من الأغنام، و7.4 مليون من الماعز، 2.09 مليون من الأبقار، ضمن جهود إعادة تكوين القطيع الوطني.

كما تستهدف الحكومة توفير ما بين 6 ملايين و6.8 مليون رأس من الأضاحي (الأغنام والماعز) لتغطية حاجيات العيد، مع الإعلان عن ترقيم 3.8 مليون رأس كمرحلة أولية خلال شهر مارس الجاري.

أسعار مشتعلة رغم وفرة القطيع

رغم هذه الأرقام الضخمة، يشتكي المواطنون في الأسواق الأسبوعية من الغلاء. ويرى كثيرون أن دعم الاستيراد ودعم الكسابة لا يصل أثره إلى المستهلك، بل يتبخر في حلقات الوساطة، أو ما يصفونه بـ”الحيتان الكبيرة” من كبار المستوردين الذين استفادوا من دعم 500 درهم هن كل رأس العام الماضي دون أن ينعكس ذلك على الأسعار.

ويعبّر العديد من المواطنين، منذ أسابيع، عن استيائهم من الارتفاع الملحوظ في أسعار الأضاحي، إذ تجاوزت الأسعار في بعض الأسواق مستويات غير مسبوقة، ما يجعل شريحة واسعة من الأسر عاجزة عن اقتناء الأضحية أو مضطرة للاستدانة.

في هذا الصدد، يرى بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، أن بعض المهنيين يشترون الأضاحي في هذه المرحلة بأسعار منخفضة نسبياً، قبل عرضها للبيع مع اقتراب العيد بأثمان أعلى، مضيفاً أن تسويق الأضاحي تحوّل في السنوات الأخيرة إلى ما يشبه “صناعة قائمة بذاتها”.

وأشار الخراطي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إلى أن بعض الممارسات تشمل الترويج المسبق لفكرة ارتفاع الأسعار، ما يدفع المستهلك إلى تقبّل الغلاء كأمر واقع، معتبراً أن ذلك يندرج ضمن “نوع من التمويه” في سوق حرة تفتقر إلى تنظيم كاف.

لماذا ترتفع الأسعار؟

تتباين مواقف المربين بشأن مستوى الأسعار الحالي، في صورة تعكس تعقيد وضع القطاع. ويؤكد مجموعة منهم أن الأسعار مرتفعة فعلاً، مبررين ذلك بتكاليف الإنتاج والنقل.

في المقابل، يرى مربون آخرون أن الأسعار تبرز هذه السنة في مستويات معقولة مقارنة مع السنوات الماضية. أما فئة ثالثة، فتتوقع انخفاض الأسعار مع اقتراب العيد، مستندة إلى منطق العرض والطلب.

يرى عثمان قاسم، مربي ماشية بإقليم سطات، أن الأسعار مرتفعة نسبياً، مشيراً إلى أن الأضاحي تتراوح حالياً بين 3,500 و5,000 درهم، وقد تصل إلى 7,000 درهم لبعض الأصناف. لكنه يعتبر في المقابل أن الأرقام “الفلكية” المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي حاليا “مبالغ فيها”، موضحاً أنها تخص فحول تحسين النسل وليس أضاحي العيد.

ويعزو قاسم هذا الارتفاع إلى كلفة الإنتاج، مشيراً إلى أن الكساب لم يعد قادراً على البيع بأثمان منخفضة لا تغطي مصاريف الأعلاف والتسمين، خاصة أن تربية الخراف الموجهة للعيد تبدأ منذ أشهر طويلة، في ظل اعتماد شبه كلي على الأعلاف بسبب تأخر المراعي.

كما أشار إلى أن أسعار الأعلاف المركبة لا تزال مرتفعة، حيث يتراوح سعر القنطار بين 330 و360 درهماً، مضيفاً أنه “لولا الدعم الحكومي لكانت الأوضاع أكثر سوءاً”.

في المقابل، يقدم محمد جبلي، رئيس الفيدرالية المغربية للفاعلين في قطاع المواشي، قراءة أكثر تفاؤلاً، معتبراً أن أسعار هذه السنة “قد تكون أقل مقارنة بالسنتين الماضيتين”، بفضل الدعم الحكومي والتساقطات المطرية الأخيرة، إضافة إلى وفرة العرض.

وأوضح جبلي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن القطيع الوطني يناهز 23 مليون رأس من الأغنام، مقابل طلب يتراوح بين 6 و6.8 مليون رأس خلال العيد، ما يرجح كفة العرض على الطلب بعد استقرار السوق.

وحذر محمد جبلي من الانسياق وراء “بروباغندا” الوسائط الاجتماعية، مؤكداً أن الأسعار ستخضع لقانون العرض والطلب، وأن الوفرة الكافية في الأضاحي ستؤدي إلى استقرار تدريجي في الأسعار. وأشار إلى وجود اكتفاء بخصوص القطيع، مرجعاُ ذلك إلى حجم القطيع الذي بلغ 23 مليون رأس منها 16 مليون رأس أنثى.

أما علاء الشريف العسري، مربي أغنام بجهة طنجة تطوان الحسيمة، فيقدم تفسيراً تقنياً لارتفاع الأسعار حالياً، مفاده أن العديد من الكسابة يحتفظون بإناث الماشية إلى حين التوصل بالدفعة الثانية من الدعم، وهو شرط للاستفادة، ما يؤدي مؤقتاً إلى تقليص العرض في الأسواق.

ويرى العسري أن انتهاء عملية الإحصاء وصرف الدعم سيؤديان إلى عودة هذه الرؤوس إلى السوق، وبالتالي انخفاض الأسعار تدريجياً.

دعم القطيع.. من أنقذ فعلاً؟

رغم الجدل حول أثره على الأسعار، يجمع عدد من المربين على أن الدعم الحكومي كان ضرورياً لإنقاذ القطاع. فعلى الرغم من عدم انعكاسه على السعر النهائي للمستهلك حالياً، يرى عثمان قاسم أن الدعم شكّل “متنفساً حقيقياً”، مبرزاً أنه مكّنه من تسديد ديون بلغت نحو 15,000 درهم لموردي الأعلاف.

كما يشير العسري إلى أن الشطر الأول من الدعم، الذي صُرف في فترة حرجة (أكتوبر–نونبر)، ساعد الكسابة على مواجهة نقص المراعي وارتفاع كلفة التغذية، كما مكّنهم من تسديد جزء من ديونهم المتراكمة بسبب سنوات الجفاف وأزمة إلغاء شعيرة الأضحية السنة الماضية.

غير أن مجموعة من المربين بينهم العسري أشاروا إلى أن هذا الدعم لم يصل بالشكل الكافي إلى صغار المربين، الذين يشكلون غالبية الفاعلين في القطاع، مقابل استفادة فئات محدودة، غالباً من كبار المنتجين.

وفي هذا الصدد، حث سياسيون على ضرورة الكف عن محاباة كبار المستوردين وإعطاء الأولوية لـ90% من المربين الصغار (الذين يملكون أقل من 50 رأساً)، والذين أشار العسري إلى أن الدعم المخصص للأعلاف والإناث “لم يصلهم آنذاك” رغم الوعود الحكومية الصادرة منذ أشهر.

ومن جانبه، شدد وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أحمد البواري على أن الحكومة “رصدت 11 مليار درهم لدعم القطاع، مع التركيز على المربين الصغار لتخفيف مديونيتهم وتحقيق الاكتفاء الذاتي”.

هل ألغت معطيات غير دقيقة عيد الأضحى؟

لا يمكن فصل الوضع الحالي عن أزمة السنة الماضية، التي كشفت عن ارتباك واضح في تدبير معطيات القطيع الوطني، بحسب مراقبين. إذ قدمت الحكومة أرقاماً متضاربة حول أعداد الأضاحي المتوفرة، مما أثر على ثقة المواطنين والمهنيين على حد سواء.

فقد أعلنت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، في غشت 2025، أن عدد رؤوس الماشية بلغ 32.8 مليون رأس، بينها 23.1 مليون من الأغنام، في ما وصفته بـ”نمو استثنائي” مدفوع بارتفاع عدد الولادات.

غير أن هذه الأرقام أثارت جدلاً واسعاً، خصوصاً بعد أن أظهرت مقارنة مع إحصاء سابق زيادة بنحو 7 ملايين رأس من الأغنام في ظرف خمسة أشهر فقط، وهو ما اعتبره مهنيون “غير منطقي” من الناحية البيولوجية.

هذا التضارب وضع الحكومة أمام تساؤلات صعبة، وزاد من أزمة الثقة لدى الفاعلين، خاصة بعد قرارات متقلبة، من بينها منع ذبح الإناث ثم السماح به لاحقاً دون توضيحات كافية.

كما وضعها التضارب في الأرقام أمام احتمالين أحلاهما مر، بحسب محمد ياسر عسيلي، مربي ماشية، فإما أن قرار “إلغاء عيد الأضحى” اعتمد على إحصاء مغلوط في فبراير 2025، أو أن الإحصاء التالي تضمن أخطاء قد تؤدي لقرارات مستقبلية كارثية.

وأفاد المتحدث بأن الإحصاء الأخير أظهر أن العدد الفعلي للقطعان يقارب ضعف ما كان متوقعاً، ما جعل الغلاف المالي المخطط له غير كاف لتغطية الدعم، مضيفا أن “قرار السماح بذبح الإناث جاء لتقليل العدد، وتقريب العدد الفعلي من الغلاف المالي المخصص”.

ولم يقتصر الانتقاد على المهنيين، بل امتد للجانب السياسي؛ حيث نبه سياسيون إلى وجود “فروقات كبيرة” في المعطيات الحكومية، معتبرين إياها تزكية للتحذيرات السابقة بشأن اختلالات الدعم التي عُرفت بـ”فضيحة الفراقشية”.

من جهته، دافع وزير الفلاحة أحمد البواري عن هذه الأرقام، معتبراً أن قرار عدم ذبح الإناث ساهم في الحفاظ على 3 ملايين رأس من الإناث التي ضمنت تكاثر القطيع، إضافة إلى وجود نواة منتجة تفوق 14 مليون رأس من النعاج.

فضيحة الفراقشية

بموازاة ذلك، فجّرت معطيات رسمية جدلاً واسعاً حول كلفة دعم استيراد المواشي. ففي الوقت الذي كان يصارع فيه الكسّاب الصغير لتوفير قنطار من العلف، وتئن فيه جيوب المواطنين تحت وطأة أسعار اللحوم، برزت هذه المعطيات التي تتعلق بامتيازات مالية وضريبية ضخمة منحتها الحكومة لمستوردي المواشي، دون أن يلمس المستهلك المغربي أي أثر لها على ثمن “الكيلوغرام” في المجازر.

وحسمت الوثائق الرسمية التي قدمتها الحكومة للبرلمان في أكتوبر 2024 الجدل حول حجم الدعم؛ فخلافاً لتصريحات راشيد الطالبي العلمي رئيس مجلس النواب التي حصرت الدعم في 300 مليون درهم، كشفت البيانات أن الكلفة الحقيقية التي تحملتها ميزانية الدولة بلغت 13 مليار درهم (1300 مليار سنتيم) حتى أكتوبر 2024، توزعت بين إعفاءات جمركية وضريبية ودعم مباشر.

وقد استفاد من هذه الامتيازات 133 مستورداً فقط، بمتوسط دعم يقارب 40 مليون درهم لكل مستورد، دون احتساب هوامش الربح التي حققوها من بيع اللحوم بأسعار السوق المرتفعة، وهو ما وصف بـ “فضيحة دولة”.

كما أقرت تصريحات حكومية بوجود هوامش ربح مرتفعة لدى بعض الفاعلين، في وقت لم تحقق فيه هذه الإجراءات أهدافها الاجتماعية، ما عزز الانتقادات الموجهة لما بات يعرف بـ“الفراقشية”.

موسم على مفترق طرق

يبدو أن عيد الأضحى هذه السنة يأتي في سياق معقد، يتقاطع فيه دعم حكومي غير مسبوق مع واقع سوق متقلب، وانتظارات اجتماعية مرتفعة.

فبين تفاؤل رسمي بوفرة العرض، وتحذيرات من استمرار الغلاء، تبقى الأسئلة مفتوحة: هل ينجح الدعم في الوصول إلى مستحقيه؟ وهل تنعكس الأرقام الإيجابية على الأسعار فعلاً؟

في المحصلة، لا يتعلق الرهان فقط بأسعار الأضاحي خلال أيام العيد، بل بمستقبل قطاع بأكمله، وقدرته على تحقيق التوازن بين استدامة الإنتاج وعدالة السوق.

وفي انتظار ما ستكشف عنه الأسابيع المقبلة، يظل عيد الأضحى اختباراً حقيقياً لمدى قدرة السياسات العمومية على تحويل الوعود إلى نتائج ملموسة.