story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
دولي |

علي خامنئي.. سيرةُ رجل صار نظاما وفتح موتُه سؤال مستقبل إيران ومعها الشرق الأوسط

ص ص

ليس هذا تقريرا تركيبيا عن وفاة رجلٍ نافذ فحسب، بل صورة شاملة عن شخصية حكمت بلدًا كاملًا لأكثر من جيل، واحتلت في المخيال الإيراني والإقليمي موقعًا يتجاوز الشخص إلى العقيدة والنظام والدولة.

فمع الإعلان عن مقتل علي خامنئي، لا تنفتح سيرة رجل دين صعد من هامش الثورة إلى قلب السلطة فقط، بل تنفتح معه طبقات متراكبة من تاريخ إيران الحديث، من سقوط الشاه، إلى قيام الجمهورية الإسلامية، إلى ترسّخ ولاية الفقيه، إلى الدولة الأمنية-العقائدية التي صار فيها المرشد أكثر من رأسٍ للنظام؛ بل ميزانه ومعناه وحدَّه الأخير.

لا يظهر خامنئي في هذا البروفايل بوصفه سيرة فردية معزولة، بل بوصفه مرآةً لعقودٍ من التحولات الإيرانية العاصفة، وواجهةً لتناقضات كبرى جمعت بين الدين والسياسة، وبين التعبئة والقمع، وبين الخطاب الثوري وإدارة الدولة، وبين العداء المبدئي للغرب والبراغماتية القاسية في لحظات الاختناق.

من خلال تتبع مساره، من الحوزة والسجن والخطابة إلى الرئاسة ثم منصب المرشد الأعلى، تتضح كيف تشكّلت الجمهورية الإسلامية، وكيف أعادت إنتاج نفسها، وكيف وصلت إلى لحظتها الأكثر هشاشة وهي تفقد الرجل الذي بدا، طوال عقود، كأنه ثابتٌ وفوق الزمن.

إنه صورة عن خامنئي، نعم، لكنه أيضًا صورة عن إيران وهي تعود، مرةً أخرى، إلى سؤالها الأصعب: ماذا يبقى من النظام حين يغيب الرجل الذي جسّده؟ وما الذي ينهار، وما الذي يتماسك، حين تصبح نهاية الفقيه بداية لاختبار دولة كاملة؟

كان علي خامنئي، إلى لحظة إعلان مقتله/استشهاده رسميا في الإعلام الإيراني صباح الأحد، الأول من مارس 2026، بعد الضربات الأميركية-الإسرائيلية التي استهدفت طهران صباح السبت 28 فبراير، أكثر من مجرد رجل دولة في الجمهورية الإسلامية.

الرجل بمثابة العقدة التي تتجمع عندها خيوط الدين والدولة والجيش والأمن والقضاء والسياسة الخارجية في نظام صُمّم أصلا ليجعل المرشد الأعلى فوق المؤسسات، وحارسا لمعناها النهائي. وقد أكدت تقارير دولية متقاطعة، بينها رويترز وأسوشيتد برس، خبر مقتله عن عمر 86 عاما بعد حكم دام منذ 1989، بما جعله أطول زعيم حكم إيران منذ الشاه محمد رضا بهلوي، وأطول رؤساء المنطقة بقاء في السلطة عند وفاته.

يصعب فهم خامنئي دون العودة خطوة إلى الوراء، إلى إيران التي سبقته، وإلى الثورة التي صنعته بقدر ما صنعها. فإيران النصف الثاني من القرن العشرين لم تكن فقط دولة ملكية يحكمها الشاه بسياسات تحديث متسارعة وتحالف وثيق مع الغرب، بل كانت أيضا مجتمعا تتراكم فيه توترات عميقة، من استبداد سياسي، وجهاز أمني ثقيل، وتفاوت اجتماعي، واحتكاك حاد بين مشروع الدولة المركزية وبين طبقات دينية وتجارية وسياسية رأت في هذا المسار اقتلاعا لهوية البلاد وتوازنها.

ساهمت هذه العناصر كلها في الثورة الإيرانية التي جرت عامي 1978-1979 التي انتهت بسقوط النظام البهلوي وقيام الجمهورية الإسلامية بقيادة روح الله الخميني.

في قلب ذلك التحول، برزت الفكرة التي ستحدد مصير إيران لعقود، وهي فكرة “ولاية الفقيه”. ويتعلّق الأمر بفكرة يكمن أصلها النظري داخل الفقه الشيعي الإمامي، وتتعلق بإدارة شؤون الجماعة في غياب الإمام المعصوم. ثم أعاد الخميني توسيعها في السبعينيات إلى نظرية حكم، قوامها أن الدولة نفسها يجب أن تكون تحت إشراف الفقيه الجامع للشرائط.

بعد الثورة، صارت هذه الفكرة مبدأ تأسيسيا للجمهورية الإسلامية، وتحول “الولي الفقيه” إلى رأس النظام بوصفه المرشد الأعلى، بما يضعه فوق الرئاسة والبرلمان والحكومة، ويمكّنه من تحديد الاتجاه العام للدولة والإشراف على القوات المسلحة وتعيين كبار المسؤولين وممارسة تدخل مباشر في السياسة العامة.

هذا هو الإطار الذي يجعل موت خامنئي اليوم حدثا يتجاوز اغتيال قائد سياسي، إلى اهتزاز مركز الثقل الذي انتظمت حوله الدولة الإيرانية الحديثة في نسختها الجمهورية.

ولد علي حسيني خامنئي في مدينة “مشهد” عام 1939، في بيئة دينية شيعية محافظة ذات جذور علمية ونَسَب حسيني، وتلقى تكوينه الأول في المدينة التي تحمل ثقلا رمزيا خاصا لدى الشيعة لوجود ضريح الإمام الرضا.

انتقل لاحقا إلى قم، مركز الحوزة الشيعية الأبرز في إيران، وارتبط مبكرا بدروس الخميني وخطابه المعارض للشاه. في تلك السنوات، لم يكن خامنئي يُقدَّم بوصفه فقيها استثنائيا أو مرجعا دينيا كبيرا، بل رجل دين ناشطا، خطيبا، ومنخرطا في الحلقات المعارِضة التي أخذت تتكاثر حول الخميني. وتذكر سيره الرسمية والإعلامية، أنه اعتُقل مرات عدة في عهد الشاه وتعرض للتضييق والنفي الداخلي، وهو ما رسّخ لديه هوية المعارض الإسلامي، قبل أن يتحول إلى أحد أعمدة السلطة بعد 1979.

بعد انتصار الثورة، حدث التحول الذي يتكرر في الثورات الكبرى، أي رجال الهامش الذين يصيرون رجال المركز. دخل خامنئي مجلس الثورة، وتولى مواقع متعددة في الدولة الناشئة، ثم عيّنه الخميني إماما لجمعة طهران سنة 1980، وهي وظيفة لم تكن دينية فحسب، بل منصة سياسية استراتيجية تُصاغ فيها لغة النظام الجديدة وتُعلن منها مواقفه الكبرى.

وفي مناخ الثورة والحرب والاغتيالات، صعد خامنئي بسرعة داخل بنية الحكم، ونجا سنة 1981 من محاولة اغتيال تركت ذراعه اليمنى مشلولة جزئيا، في واقعة ستصبح جزءا من سرديته الشخصية بوصفه رجلا نجا ليواصل المعركة. وبعد اغتيال الرئيس محمد علي رجائي، انتُخب رئيسا للجمهورية، وبقي في المنصب حتى 1989، أي خلال السنوات الأكثر قسوة من الحرب العراقية-الإيرانية.

هذه المرحلة، بين الثورة والحرب، هي التي تشكل فيها خامنئي السياسي والأمني أكثر مما تشكل فيها خامنئي الفقيه. لم تكن إيران حينها تبني مؤسسات جديدة فقط؛ بل كانت تبني نظاما يعرّف نفسه بالحرب، وبالتطهير الداخلي، وبالنجاة عبر التعبئة العقائدية.

في تلك البيئة، توثقت صلة خامنئي بالحرس الثوري، المؤسسة التي بدأت كأداة لحماية الثورة ثم تحولت تدريجيا إلى قوة عسكرية وأمنية واقتصادية مركزية في الدولة. وتعتبر كثير من التحليلات أن أحد أسرار بقاء خامنئي الطويل في السلطة هو قدرته على إدارة هذا التحالف العضوي مع الحرس، بحيث صار المرشد والحرس الثوري ركيزتين متبادلتين، يشرعن أحدهما الآخر ويحميه.

في صيف 1988، عند نهاية الحرب مع العراق، وقعت واحدة من أكثر المحطات قتامة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، من خلال الإعدامات الجماعية السرية لآلاف السجناء السياسيين، في ما صار يُعرف لاحقا في تقارير حقوقية ومرافعات دولية بـ”مجزرة 1988″.

وقد وثقت منظمات حقوقية، بينها “العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش”، شهادات وقرائن على تشكيل لجان كانت تستجوب السجناء في دقائق وتقرر مصيرهم على أساس الولاء السياسي أو الموقف من تنظيمات المعارضة، خاصة مجاهدي خلق، مع تقديرات تتراوح بالآلاف لعدد الضحايا. كما ظل تسجيل حسين علي منتظري، خليفة الخميني المُبعد، علامة فارقة لأنه وصف ما جرى بأنه أكبر جريمة ارتكبتها الجمهورية الإسلامية.

ظل دور خامنئي في هذه المحطة موضع جدل واتهام تاريخي وسياسي وحقوقي، لكن المؤكد أن تلك المرحلة رسخت داخل النظام قناعة أمنية-عقائدية عميقة بأن البقاء يمر عبر القمع الاستباقي لا التسويات أو المصالحات.

عندما توفي الخميني في يونيو 1989، كان السؤال أكبر من مجرد خلافة شخصية؛ ويتعلّق باستمرار النظام نفسه. هنا ظهر خامنئي بوصفه الحل السياسي الأكثر قابلية للتوافق داخل النخبة، رغم أن موقعه الديني لم يكن يومها بمستوى المراجع الكبار الذين يُفترض نظريا أن ينطبق عليهم شرط القيادة.

انتخب مجلس خبراء القيادة، الهيئة المكلفة دستوريا باختيار المرشد، علي خامنئي أولا بصيغة مؤقتة، ثم جرى تعديل دستوري أزال شرط المرجعية الدينية العليا، ما سمح بتثبيت اختياره لاحقا. وتكشف هذه اللحظة بالذات طبيعة الجمهورية الإسلامية كما تشكلت بعد الخميني: نظام يستخدم الفقه والدستور، لكنه قادر أيضا على إعادة هندسة شروطهما لحماية استمراره السياسي.

منذ ذلك التاريخ، لم يعد خامنئي رئيسا داخل نظام، بل صار هو النظام نفسه في صورته النهائية. فمنصب المرشد الأعلى، وفق البنية الإيرانية، يجمع القيادة الدينية والسياسية والعسكرية، ويشرف على التوجه العام للدولة، وعلى القوات المسلحة، وعلى تعيينات مفصلية في القضاء والأمن والإعلام والمؤسسات الرقابية. وفي الممارسة، صار مكتب المرشد جهازا فوق-دستوريا واسع النفوذ، يدير شبكة معقدة من الولاءات والوساطات والفيتوهات.

وفي ظل ستة رؤساء تعاقبوا عليه من مدارس مختلفة، من رفسنجاني إلى خاتمي إلى أحمدي نجاد إلى روحاني إلى رئيسي ثم الرئيس الحالي مسعود بزشكيان، بقي خامنئي هو الثابت الوحيد الذي يضبط الإيقاع العام ويحدد الحدود التي لا يجوز عبورها.

أعطته هذه الاستمرارية الطويلة صورة مزدوجة، بحسب موقع الناظر إليه. فبالنسبة إلى أنصاره داخل البنية المحافظة والدينية، كان استمرارا لوعد الثورة وحارسا لها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، ورمزا للاستقلال والصمود، وصاحب مشروع إقليمي عبّر عنه لاحقا بما سُمّي “محور المقاومة”.

وبالنسبة إلى خصومه الداخليين والخارجيين، كان مهندسا لدولة أمنية-ثيوقراطية، جمعت بين القداسة الرسمية والعنف المؤسسي، وأعادت إنتاج القمع مع كل موجة احتجاج، من الطلاب في 1999 إلى الحركة الخضراء في 2009 إلى انتفاضات 2017 و2019، ثم احتجاجات “امرأة، حياة، حرية” بعد مقتل “مهسا أميني” في 2022، وصولا إلى احتجاجات 2025-2026 التي جعلت شخصه مرة أخرى هدفا مباشرا للهتاف والغضب.

وقد وصفت تقارير أممية وحقوقية متتالية ردود الدولة في هذه المحطات بالقمع الشديد والانتهاكات الجسيمة، فيما وثقت رويترز في تحقيقها الشهير عن احتجاجات 2019 تقديرات بمقتل نحو 1500 شخص خلال أقل من أسبوعين بعد أوامر بسحق التظاهرات “بجميع الوسائل”.

في كل مرة، كانت لغة خامنئي السياسية تميل إلى البنية نفسها، أي التفريق بين مطالب يمكن الاعتراف ببعضها نظريا، وبين “فتنة” تُنسب إلى الخارج وتُجرَّد من شرعيتها الوطنية.

لم يكن هذا النسق مجرد خطاب تعبوي؛ بل هو امتداد مباشر لفكرة ولاية الفقيه حين تتحول من نظرية حكم إلى نظرية معرفة أيضا. أي أن السلطة لا تحتكر القرار فقط، بل تحتكر تفسير الواقع، وتعريف الاحتجاج، وتحديد من هو “الشعب” الذي يحتج، ومن هو “العدو” الذي يتآمر. لهذا كان الصدام بين الأجيال الجديدة والدولة في إيران يتخذ غالبا شكل صدام حول اللغة بقدر ما هو صدام على الشارع. من جهة، دولة تتحدث باسم الثورة والهوية والمقاومة؛ ومن جهة أخرى، مجتمع يتحدث باسم الحياة اليومية والحرية والكرامة والانهيار الاقتصادي.

على المستوى الخارجي، بنى خامنئي صورته الدولية على معادلة واضحة: عداء مبدئي معلن للولايات المتحدة بوصفها “الشيطان الأكبر”، وعداء بنيوي لإسرائيل، مع استخدام براغماتي للأدوات حين تفرضه المصلحة.

تحت قيادة علي خامنئي، توسع نفوذ إيران عبر العراق وسوريا ولبنان واليمن وغزة، وتعزز دور الحرس الثوري وفيلق القدس في إدارة هذا الامتداد. وفي الوقت نفسه، شهد عهده مراحل تفاوضية حساسة مع الغرب حول الملف النووي، بلغت ذروتها في اتفاق 2015 الذي ساندته طهران رسميا، قبل أن يعود التصعيد بقوة بعد الانسحاب الأميركي منه في 2018.

هذا التذبذب بين الأيديولوجيا والبراغماتية لم يكن تناقضا عارضا في شخص خامنئي، بل طريقة وأسلوب في الحكم. خطاب تعبوي مرتفع السقف، ومناورة تكتيكية حين يلزم، ثم عودة إلى لغة الشك العميق في الغرب بعد كل انتكاسة تفاوضية.

في الملف النووي، مثّل خامنئي بدوره أحد أكثر أوجه إيران التباسا أمام الخارج. فهو صاحب فتوى مشهورة تُحرّم إنتاج وتخزين واستخدام السلاح النووي، وقد استخدمتها طهران طويلا بوصفها ضمانة أخلاقية-فقهية على سلمية البرنامج.

لكن هذا لم ينهِ الشكوك الدولية، لا سيما مع استمرار التخصيب، وتكرار الأزمات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتزايد القلق من مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب والمنشآت تحت الأرض، كما أبرزت تقارير حديثة سبقت الحرب الحالية مباشرة. هذا التوتر بين الفتوى والبرنامج، بين النص الديني والواقع الاستراتيجي، يلخّص أيضا جانبا من عهد خامنئي، لدولة تتكلم بلغة دينية وسيادية في آن، وتتحرك داخل بيئة دولية لا تقرأ النوايا بل القدرات.

أما داخل إيران، فقد تراكمت خلال عقوده الطويلة صورة رجل يعيش في عزلة السلطة أكثر مما يعيش في المجتمع. تقارير صحافية متعددة وصفت ندرة سفره، وشدة الإجراءات الأمنية حوله، وتراجع حالات ظهوره العلني، خاصة بعد تصاعد التهديدات في السنوات الأخيرة.

وفي الوقت نفسه، ظل حاضرا رمزيا في كل مكان داخل الدولة. في الصور الرسمية، وفي الكتب المدرسية، وفي خطابات المؤسسات، وفي لغة الأجهزة. هذه المفارقة، أي غياب الجسد وحضور الصورة، هي جزء من طبيعة السلطة في النظام الذي ترسخ في عهده، لشخص أقل ظهورا، لكن منصبه أكثر تمددا، ومكتب أكثر قوة من كثير من الوزارات، ودولة تتكلم كثيرا عن المؤسسات بينما تتحرك فعليا بإيقاع مركز فوقي شديد التركيز.

في حياته الشخصية المعلنة، نُسجت حوله أيضا صورة الرجل المتقشف، المحب للشعر والأدب، المهتم باللغة العربية والترجمة، والمتابع للرواية والتاريخ. بعض هذه العناصر حقيقي وموثق في سيرته وخطاباته، وقد أشارت إليه مواد صحافية عديدة عند الحديث عن اهتمامه بالأدب والشعر، حتى في ظل صورته السياسية الصلبة.

حاول ال”بروفايل” المرسوم للرجل بناء صورة خامنئي كرجل دين ثوري يمكن أن يتحدث عن الشعر وجبران والجواهري، وفي الوقت نفسه يدير دولة أمنية تُتخذ فيها قرارات مصيرية بشأن الحرب والسلم والقمع والردع.

وفي سنواته الأخيرة، بدا أن حلقات الأزمة بدأت تضيق على النظام كما لم تفعل من قبل. فالداخل مثقل بانهيار اقتصادي وضغوط معيشية واحتجاجات متكررة، والخارج يدخل مرحلة صدام مباشر أكثر فأكثر مع إسرائيل، بعد عقود من حروب الوكلاء.

وضعت تقارير وكالات ووسائل دولية أخرى عن حرب 2025 ثم ضربات 2026 نهاية خامنئي في سياق هذا التراكم. برنامج نووي متعثر تفاوضيا، وحلفاء إقليميون أضعفتهم الحروب، ومجتمع غاضب في الداخل، ونظام دولي يتجه إلى استخدام القوة على نحو أكثر صراحة.

في هذا السياق، لا يبدو مقتل خامنئي مجرد خاتمة بيولوجية لرجل في السادسة والثمانين، بل نقطة اصطدام بين مسار شخصي طويل ومسار إقليمي-دولي أكثر عنفا.

فالرجل لم يكن رئيسا يمكن استبداله ضمن تداول حكومي عادي، بل كان تجسيدا عمليا لعقيدة حكم، ومرجعا نهائيا لشبكة سلطات متراكبة، وعقدة توازن داخل تحالفات الأجهزة والتيارات والمحاور الإقليمية. يفتح موته سؤال الخلافة، وهو سؤال دستوري وسياسي وأمني في آن، تتداخل فيه صلاحيات مجلس خبراء القيادة مع وزن الحرس الثوري ومع توازنات النخبة الدينية والسياسية.

في الأنظمة العقائدية المركّبة، لا تكون المشكلة فقط في “من يأتي بعده”، بل في “أي نسخة من النظام ستولد من بعده؟”. نسخة أكثر انغلاقا وعسكرة؟ أم نسخة تسعى إلى امتصاص الصدمة بتسوية داخلية وخارجية أوسع؟ تقارير لوكالة “أسوشيتد برس” الأمريكية وغيرها من الوكالات والصحف الدولية، أشارت بالفعل إلى فراغ السلطة النسبي وحساسية لحظة الانتقال، وإلى أن الحرس الثوري يبقى لاعبا حاسما في ما سيأتي.

بهذا المعنى، فإن سيرة خامنئي هي أيضا سيرة إيران الجمهورية الإسلامية نفسها، من ثورة رفعت شعارات العدالة والاستقلال والهوية، إلى دولة ثيوقراطية أمنية بنت شرعيتها على ولاية الفقيه، ثم أمضت عقودا تتأرجح بين المقاومة والعزلة، وبين التعبئة والقمع، وبين البراغماتية التفاوضية والصلابة الأيديولوجية.

من يقرأ تفاصيل مساره الشخصي من “مشهد” و”قم”، إلى سجون الشاه، إلى منبر جمعة طهران، إلى رئاسة الجمهورية، ثم إلى مكتب المرشد الذي تحوّل إلى مركز الجاذبية الإيرانية، يقرأ في الوقت نفسه تاريخا كاملا لتحولات إيران الحديثة، لصعود رجال الدين السياسيين، وتفكك التحالف الثوري الأول، وصعود الحرس الثوري، والأزمة النووية، والاحتجاجات المتكررة، ثم لحظة الانكشاف الكبرى التي انتهت، في الرواية المعلنة الآن، بضربة خارجية أنهت حياة الرجل الذي بدا لسنوات طويلة وكأنه باق أكثر من الجميع.

ويبقى ما بعد خامنئي هو السؤال المفتوح، أكثر من خامنئي نفسه. الرجل الذي حكم 36 عاما لم يترك وراءه دولة عادية تتغير قيادتها وتتواصل على الإيقاع نفسه، بل ترك بنية سلطوية عقائدية ستُختبر الآن في أصل تماسكها، عبر سؤال “هل تستطيع ولاية الفقيه أن تعبر موت الرجل الذي جسّدها لأكثر من جيل كامل، أم أن موت الجسد سيُعيد فتح النقاش المؤجل حول الفكرة نفسها، وحدودها، وكلفة استمرارها، ومستقبل إيران التي لم يعرف ملايين من شبابها حاكما آخر غيره؟”

هذا السؤال ليس إيرانيا فقط، لأن إيران خامنئي كانت دولة مركزية في خرائط الحرب والطاقة والممرات والتحالفات من بغداد إلى بيروت إلى البحر الأحمر، ولأن اهتزاز مركزها يعني بالضرورة ارتجاجا في الإقليم، وارتدادا في النظام الدولي الذي كان يتعامل مع خامنئي بوصفه ثابتا صلبا، فإذا به يغيب دفعة واحدة في لحظة حرب.